نزول الله إلى السماء الدنيا

قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :

ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة . حين يمضي ثلث الليل الأول . فيقول : أنا الملك . أنا الملك . من ذا الذي يدعوني فأستجيب له ! من ذا الذي يسألني فأعطيه ! من ذا الذي يستغفرني فأغفر له ! فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر

الراوي: ابو هريرة – المحدث: مسلم – المصدر : صحيح مسلم – الصفحة أو الرقم: 758

خلاصة حكم المحدث: صحيح

دعونا نناقش هذا الامر :

ينزل الله

فيها سبعة مسائل :

المسألة الاولي :

اثبات النزول :

هل الله سبحانه وتعالي ينزل …. نعم

ولا بد ان نثبت لله صفة النزول …لان النبي صلي الله عليه وسلم قال انه ينزل وهو لا ينطق عن الهوي

الله سبحانه وتعالي ينزل ولكن ليس نزولا كنزول البشر او كنزول احد من خلقه لانه سبحانه ليس كمثله شيئ … انما نزول يليق بجلاله وكماله

علي العكس اذا نفينا عن الله سبحانه صفة النزول وصفناه بالعجز وعطلنا صفة من صفات القدرة فالنزول دليل الحركة والذي لا يتحرك عاجز

كما نثبت لله صفة الكلام مثلا …. الله سبحانه وتعالي يتكلم ولكن ليس كالبشر او كاحد من خلقه لانه ليس كمثله شيئ …. ولكن يتكلم بطريقة تليق بجلاله وكماله

قال تعالي : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَـئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ
أَلِيمٌ ….. البقرة : 174

وقال تعالي :إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ …..آل عمران : 77

فالله سبحانه اثبت لذاته صفة الكلام … الذي هو ليس مثل كلام البشر

فاذا نفينا عنه الصفة وصفناه بالعجز … فالذي لايستطيع الكلام عاجز

قال الله تعالي عن العجل الذي عبده بني اسرائيل : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ ….الأعراف : 148

فكونه لا يكلمهم ينفي عنه اتصافه بصفة من الصفات اللازمة للاعتراف به … كيف يعبدون من لا يستطيع ان يكلمهم …. وذلك للانكار عليهم

كذلك عدم النزول ….. من اتصف بها عاجز…والعاجز لا يستحق العبادة

والله سبحانه وتعالي منزه عن صفات العجز والضعف

المسألة الثانية :

كيف ينزل ؟

لا توجد مشكلة اذا قلنا …. لماذا ينزل … ذلك ان الجواب في باقي الحديث ..

ليستجيب لمن يدعوه … ويعطي من يسأله .. ويغفر لمن يستغفره

المشكلة في …. كيف ينزل ….. السؤال عن الكيفية

و الامام مالك رحمه الله اختصر علينا الطريق واوجز الامر بمقالة كافية شافية حين قال عندما سئل عن الاستواء :

الاستواء معلوم والكيف مجهولوالايمان به واجب والسؤال عنه بدعة

ومع ذلك ولكي نقرب الفكرة الي الاذهان نقول :

ان معرفة الكيف يستلزم بالضرورة معرفة الذات او الماهية

فاذا عرفنا ذات الفاعل ادركنا كيفية الفعل … نضرب لذلك مثالا ولله المثل الاعلي :

اذا قلت لك ….نام زيد علي الارض …. تخيل في ذهنك زيد نائما

ونام الاسد علي الارض ….. تخيل في ذهنك اسدا نائما

ونام الثعبان علي الارض ….. تخيل في ذهنك ثعبانا نائما

ونام السلمندر علي الارض …. تخيل في ذهنك السلمندر …..نائما

هل تمكنت من تخيل نوم السلمندر ….. ؟!

جوابك … نعم …اذا كنت تعرفه

و… كلا ….. اذا كنت لا تعرفه ….. لماذا …. لانك لا تعلم ذات السلمندر ولا ماهيته

فاذا اخبرتك ان السلمندر نوع من العضاءات ( السحالي ) يشبه جميع انواع السحالي

وهذه صورته نائما :

http://www.wildherps.com/images/herps/standard/04120508PD_giant_salamander.jpg (http://www.wildherps.com/images/herps/standard/04120508PD_giant_salamander.jpg)

تمكنت الان من معرفة كيفية نومه

بالمثل اذا قلت لك ….

جلس زيد …. والاسد …. والثعبان …. والسلمندر …. والعلجوم

ليس من الصعب عليك الان ان تتخيل جلوس زيد … والاسد … والثعبان …

وليس صعبا الان ايضا ان تتخيل جلوس السلمندر …. مثل السحالي …علي ذيلها رافعة راسها قليلا

ولكن كيف يجلس العلجوم ؟ … هل تستطيع ان تتخيل جلوس العلجوم ؟

بالمثل …. اذا كنت تعرفه … تخيلت كيفية الجلوس … واذا كنت لا تعرفه …شق عليك الامر

لن تتمكن من ادراك ( الكيفية ) لانك لم تعلم الذات او الماهية ..

فاذا قلت لك ان العلجوم … هو نوع من الضفادع … هذه صورته جالسا :

http://www.syadh.com/vb/imgcache8/11904.imgcache.jpg (http://www.syadh.com/vb/imgcache8/11904.imgcache.jpg)

ادركت ( كيفية ) جلوسه الان …. لانك ادركت الذات او الماهية

ولله المثل الاعلي

اذا قلنا …. ينزل الله الي السماء الدنيا ….. كيف ينزل ؟

جاء دورك ……. الجواب عليك انت الان !

او خذها من بين القوسين !

( الجواب : لا تستطيع ان نتخيل الامر او ندركه … لاننا لا نعرف الذات …ولكنه نزول ليس كنزول البشر او كنزول احد من المخلوقات … انما نزول يليق بجلاله وكماله )

المسألة الثالثة :

هل يشترك الله في صفاته مع خلقه ….

نقول : بل يشترك في اسماء هذه الصفات …..و هناك فارق كبير

فصفات الله سبحانه صفات مطلقة غير محدودة ولها كل مقومات الكمال وصفات البشر محدودة

ومن هذه الصفات مثلا … الحكمة … والرحمة … والعلم …والرافة … والارادة

هذه الصفات يتصف بها الانسان … وهي محدودة في الانسان

ويتصف بها الله سبحانه وتعالي ولكنها غير محدودة …فالله سبحانه يتصف بالحكمة والرحمة والعلم والرافة والارادة وهي عنده … الصفات المطلقة الكاملة اللا محدودة

فلا يحل أن يوصف الله سبحانه بصفات مخلوقاته وإن كان بعض صفاته يشترك مع بعض صفات مخلوقاته في الأسماء، لكن لا يحل أن تكيف تلك الصفات على ما يشترك معها في الاسم من صفات المخلوقات

فالبشر قادرون علي علي النزول من علو الي سفل

والله سبحانه وتعالي قادر … ولكن ليس معني اشتراك في الصفة … تشابه في الاداء

ولكنه تشابه في اسم صفة الاداء

قلنا في المثال السابق …. نام زيد … ونام الاسد … ونام الثعبان … ونام السلمندر …

كلها فعل واحد هو النوم … ولكن نوم زيد مختلف عن نوم الاسد مختلف عن نوم الثعبان مختلف عن نوم السلمندر ….

الفعل واحد …. النوم ….. وكيفية الاداء اختلفت باختلاف ذات الفاعل …

زيد انسان … قائم علي قدمين … والاسد حيوان قائم علي اربع … والثعبان بلا قوائم … والسلمندر له اقدام قصيرة جدا

ولما اختلف شكل الفاعل …. اختلفت ( كيفية اداء الفعل ) وان كان اسم الصفة … النوم … متشابه ولم يتغير

كذلك الامر في حال الجلوس

ولذا نقول … لا نستطيع ان نعلم ( كيفية اداء نزول ) الله سبحانه الي السماء الدنيا لاننا لا نعرف طبيعة ذات الله

لما عجزت انت ان تعرف كيف ينام السلمندر : قلت لك … ان السلمندر …. من السحالي ..ويشبها في الاداء

ولما عجزت ان تعرف كيف يجلس العلجوم : قلت لك …ان العلجوم …. من الضفادع … ويشبها في الاداء

ولكنني اعجز عن معرفة ذات الله سبحانه وتعالي … ذلك لأن الله سبحانه …ليس كمثله شيئ

لذا وجب علينا ان نعرف

ان الله سبحانه

ينزل الي السماء … ولكنه ليس نزولا كنزول البشر او كنزول احد من مخلوقاته … لانه لا يشبهه احد من مخلوقاته … ولكنه نزول يليق بجلاله وكماله

يوجد تشابه في اسم الصفة …. النزول …. واختلاف في ( كيفية الاداء )

ولأنه سبحانه ليس كمثله شيئ … فلن يدرك العقل …..كيفية اداء النزول

المسألة الرابعة :

النزول من علي العرش

ان من احسن ما قيل في هذا الشان هو قول سماحة الشيخ ابن العثيمين رحمه الله حيث قال في شرح العقيدة السفارينية

هل إذا نزل إلى السماء الدنيا يخلو منه العرش أو لا يخلو ؟

في هذا ثلاثةُ أقوال لعلماء السنة :

فمنهم من قال : إن العرش يخلو منه .

ومنهم من قال : إن العرش لا يخلو منه .

ومنهم من توقف .

فأما الذين قالوا : إن العرش يخلو منه ، فقولهم باطل ، لأن الله أثبت أنه استوى على العرش بعد خلق السموات والأرض ، ولم ينفِ هذا الاستواء في الحديث حين قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ينزلُ ربنا إلى السماء الدنيا )
فوجب إبقاء ما كان على ما كان ، وليس الله عز وجل كالمخلوقات ، إذا شغل حيزاً فرغ منه الحيز الآخر ، نعم ، نحن إذا نزلنا مكاناً خلا منا المكان الآخر ، أما الله عز وجل فلا يقاس بخلقه . فهذا القول باطل لا شك فيه .

ويبقى النظر في القولين الآخرين ، وهما : التوقف ، أو أن نقول : إنه لا يخلو منه العرش .

فذهبت جماعة من العلماء رحمهم الله إلى التوقف ، وقالوا : ما لنا ولهذا السؤال أصلاً . ولا ينبغي أن نورد هذا السؤال ؛

لأننا لسنا أشد حرصاً على العلم بالله من الصحابة رضي الله عنهم ، ولم يسألوا الرسول عليه الصلاة والسلام عن هذا ، فنقول : هذا السؤال من أصله غير وارد ، ونقول لمن أورده : أنت مبتدع ودعنا من هذا .

وعندي أن هذه الطريقة أسلم طريقة ؛أن لا نسأل عن شيء لم يسأل عنه الصحابة رضي الله عنهم ، وأن نلقم من سأل عنه حجراً ، فإذا قال قائل : أنا أريد المعقول ،

قلنا : اجعل عقلك في نفسك ، وفكر في نفسك ، أما في مثل هذا الأمر فلا تفكر فيه ما دام لم يأتك خبر عنه .

وللأسف فإن بعض الناس يجادل ويقول : دعوني أتصور النزول حقيقة حتى أتبين هل خلا منه العرش أم لا ؟ ، فنقول : سبحان الله  ألا يسعك ما وسع الصحابة رضي الله عنهم ؟

اسكت واترك هذا الكلام الذي لم يقله الصحابة رضي الله عنهم للرسول صلى الله عليه وسلم ، وهم أشد الناس حرصاً على العلم بالله ، وأعلم الناس بالله .

وذهب جماعة من العلماء إلى أنه لا يخلو منه العرش ، لأن الله تعالى ذكر أنه استوى على العرش حين خلق السموات والأرض ، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه

إذا نزل خلا منه العرش ، فالواجب بقاء ما كان على ما كان ، فهو سبحانه استوى على العرش ، ولم يزل مستوياً عليه ، وينزل إلى السماء الدنيا في هذا الوقت ،

والله على كل شيء قدير ، وهو سبحانه لا يقاس بخلقه.

المسألة الخامسة

هل اقلته السماء ؟

هل هذا يعني ان السماء الدنيا تقله وان التي تعلوها تظله ؟

كلا … لان الله سبحانه لا تقله السماء … لو اقلته السماء الدنيا لكان محتاجا لها …. والله سبحانه لا يحتاج الي خلقه بل ان كل خلقه يحتاجون اليه

ولأن الله سبحانه له صفة العلو المطلق ازلا وابدا … فلا تعلوه سماء

فهو سبحانه لا تقله سماء ولا تعلوه سماء

المسألة السادسة

هل هو نزول مجازي … بمعني تنزل رحمته ومغفرته

او ان يكون احد من ملائكته يتنزل بإذنه

نقول : صحيح ان في الامر استحباب لان يجاهد المرء نفسه … وان يقوم الليل والناس نيام وان يجتهد في العبادة في وقت غفل فيه الناس وناموا عن ذكر ربهم ودعائه واستغفاره

وهذه الصفات ايضا هي صفات المتقين المحسنين :

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 15 ) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ( 16) كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17 ) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18 ) الذاريات : 15 – 18

ولكن هذا لا يعني ان النزول … ليس نزول الله وانه … نزول رحمته ومغفرته

وذلك لسببين اساسيين :

اولا : ان من اخبرنا بالنزول هو النبي صلي الله عليه وسلم وهو لا ينطق عن الهوي وهو افصح وابلغ اهل الارض لغة وبيانا وهو اعلم الخلق بالله سبحانه

ولذا فانه اذا قال ينزل الله … فهو يعني ما يقول ويقصده مباشرة … وليس من المشقة ان يقول تنزل رحمة الله ومغفرته الي السماء الدنيا او تنزل الملائكة الي السماء الدنيا من لدن الله تقول …

ثانيا : ان من باقي الحديث ان الله سبحانه يقول : أنا الملك . أنا الملك

فهل هذا قول الله سبحانه … ام قول رحمته ومغفرته او قول احد ملائكته …وهو قول لا يليق بأحد الا الله سبحانه فهو الملك

كما يقول : . من ذا الذي يدعوني فأستجيب له ! من ذا الذي يسألني فأعطيه ! من ذا الذي يستغفرني فأغفر له

فهذه الثلاثة لا يقدر عليها الا الله سبحانه وتعالي

المسألة السابعة :

اسماء الله وصفاته

هل يجوز لنا ان نشتق لله اسما من صفة نزوله سبحانه فنقول ان الله اسمه ( النازل )

كلا …لا يجوز ان نسمي الله سبحانه الا باسم سمي به نفسه … او سماه به نبيه صلي الله عليه وسلم … وهو اعلم الخلق به

اما ان نشتق من صفاته اسما له …. فهذا لا يجوز

كان نقول … ان الله ينزل … فاسمه ( النازل ) … وان الله يتكلم … فاسمه ( المتكلم ) … وان الله يقصم كل جبار … فاسمه ( القاصم )

كما لا يجوز لنا ان نسمي الله باسم نشتقه من عند انفسنا …

كأن نقول ان الله هو الذي ابدع الكون و نظمه فأحسن نظامه وشيده فاحسن تشييده ….ثم نسمي الله سبحانه : مهندس الكون الاعظم …

لا يجوز ذلك ابدا ….لا علي سبيل الاسم ولا علي سبيل الصفة

لا نقول علي الله الا ما قاله الله سبحانه عن نفسه او ما قاله عنه نبيه الذي لا ينطق عن الهوي

والخلاصة :

الله سبحانه وتعالي ينزل … نزولا يليق بجلاله وكماله … ليس كنزول البشر او نزول احد من خلقه … بكيفية يعلمها سبحانه …. ولا تحده سماء نزل اليها ولا تعلوه سماء تظله … وهو في ذلك لا يخلو منه عرشه سبحانه …. وليس ذلك علي سبيل المجاز ….ولا نقول علي الله الا ما قال الله سبحانه عن نفسه او قاله عنه رسوله صلي الله عليه وسلم

هذا وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان وما كان من توفيق فمن الله وحده لا شريك له

سبحانك اللهم وبحمدك ….. نشهد ان لا اله الا انت …. نستغفرك ونتوب اليك

المصدر:

http://www.hurras.org/vb/archive/index.php/t-38821.html

(شوهدت 574 مرة, و 1 اليوم)

شاهد أيضاً

أنواع المضافات إلى الله، صفات الله، وملكه، مثل: سلعة الله، ناقة الله

 أنواع المضافات إلى الله تميم بن عبد العزيز القاضي المطلب الأول: التعريف بالنوعين يجب التفريق …