الرئيسية / مقال عام / السلسلة | حواسنا يا حسيون لا تدرك كل شيء !!

السلسلة | حواسنا يا حسيون لا تدرك كل شيء !!


بسم الله والحمد لله : 

سأبدأ – بحول الله وقوته –  في نشر سلسلة من المقالات القصيرة ، أهدف من خلالها إلى تأصيل بعض القضايا المهمة الملحة ، لما لرسوخها وثباتها أثر بالغ على حياة الناس ، أسأل الله تعالى – سؤال من يعترف بتقصيره وحاجته إلى عفوه وإحسانه – أن يمدّني بعونه وتوفيقه ..  
•••═══ ༻✿༺═══ •••
< حواسنا أيها قاصرة عن إدراك كل موجود ! >
لو قال شخص : ” أنا لا أصدق إلا بما أراه وأشاهده “
لكفانا في بين باطله أن نظهر له قضايا يصدق بها بيقين جازم مع كونه لم يبنِ تصديقه على الرؤية والمشاهدة  ، وليس أمامه إلا أن يكفر بقوله السابق أو لا يصدق بتلك القضايا ، وعدم تصديقه = مكابرة  ! 
ومن أمثلة تلك القضايا التي لا يسعه إنكارها : وجود نيوتن واشتغاله بعلم الفيزياء ، وأرسطو واشتغاله بالفلسفة والمنطق ، وأبي بكر الصديق وخلافته ، وعمر وعثمان وعلي – رضوان الله عليهم اجمعين – وأحمد بن حنبل ، والشافعي ، ومالك ، وأبي حنيفة واشتغال هؤلاء بالفقه ، وسيبويه واشتغاله باللغة العربية ، وابن تيمية وقوة تأثيره ، وديكارت وفلسفته … وإلى غير ذلك من الأمثلة التي يبين الواحد منها جهل أو كبر من ينكر العلم بوجودها بحجة أنه لم يره ولم يرى مباشرته لما اشتهر به ، فكيف لو أنكر أو شكك بوجود هؤلاء جميعاً لا لشيء إلا لأنه لم يرهم ؟! فمن يشكك بوجود هؤلاء فضلاً عن إنكار واحد منهم  = هو للجنون أقرب منه إلى العقل  ، وللدواب أقرب منه إلى البشر !!
أيضاً العقل يدرك وجود الأشياء بمجرد إدراكه آثارها  ، ومثال ذلك : رؤيتنا لتمثال بشري – مهما كان عمره – يستلزم علمنا بوجود سبب متصف بالعلم والحكمة والقدرة ، بل إن من يدّعي أن المشاهدة وحدها هي الطريق الموصل إلى إدراك وجود الشيء هو في الحقيقة يدّعي أن حواس الإنسان ليست قاصرة عن إدراك كل موجود ، وبالتالي ما لم تحسه ليس موجوداً !!
وهذه الدعوى في غاية البطلان ؛ فهب أن شخصاً قبل مئات السنين يحمل نفس هذه الدعوى ، فقيل له : هناك موجودات لا تصل إليها حواس البشر كالخلية الحية والذرة ، والجسيمات تحت الذرية وغير ذلك . لكان بين أن يلتزم بلوازم ادعائه فينكر وجودها ، أو يعترف بقصور حواسه عن إدراك كل موجود ، وحينئذ يبطل ادعاؤه !
فإن قال المدّعي اليوم : نحن اخترعنا مجاهر فاكتشفنا كثيرًا من الموجودات التي لا ندركها بمجرد الحواس كالأمثلة المذكورة .
قيل له : قد أثبتَ أن حواسّك قاصرةٌ عن إدراك كل موجود ، وهي بحاجة إلى ما يكمّلها ،  فما الذي يمنع أن يكون سبب ما لم تدرك وجوده بحواسك هو قصور الحس وحاجته إلى ما يكمّله ويقويه ؟! 
فحين تنكر ما لم تحسه وتشاهده تقع في مغالطة فجة ، ألا وهي : الاحتكام إلى جهلك وقصور أدواتك المعرفية ، ومعلوم عند العقلاء : أن عدم الدليل المعين لا يعني عدم المدلول المعين ، فقد يكون هناك طريق آخر لإدراك وجوده كالعقل والخبر !
وما حال  من ينكر وجود ما لم يشاهده إلا كحال من حدّثه الناس عن بلدة معينة وما فيها من القصور والدور ، فأراد أن يذهب إليها وسلك طريقاً لا يوصله إلى مراده، فلما تعذر وصوله من ذلك الطريق أنكر وجود البلدة ! 
وبعض هؤلاء يقول : أنا لا أنكر وجود ما لم أره وأشاهده ، ولكن أدعي أننا غير قادرين على العلم بوجوده . 
فيُقال له : ينطبق عليك ما انطبق على من ينكر وجود ما لم تدركه حواسه ، إلا أن الفرق بينك وبينه هو أنك لمّا وجدت الطريق الذي سلكته لا يوصل إلى تلك البلدة  ، ادّعيت عدم وجود ما يوصل إليها ، من دون أن تثبت تعذر الطرق الأخرى ، وحتى تثبت ذلك لا بد وأن تسلكها فيفجأوك حينئذ وصولك !!
ولسائل أن يسأل الآن : ما وجه أهمية الكلام السابق ؟ 
فيُقال : من حيث الأصل نحن في غنية عن هذا الكلام ، بمعنى أنّ العقلاء مجمعون على تعدد مصادر المعرفة ؛ فالعقل والحس والخبر جميعها طرق متضافرة لإثبات الحقائق ، ولا يمكن لعاقل أبداً أن يقصي أحدها ، أو يدّعي إمكان تعارض مدلولاتها .
ولكن لما وُجد من يشترطُ رؤية ومشاهدة ما غاب عنه – كالخالق سبحانه – للتصديق بوجوده ، أشرت إشارة سريعة إلى ما يبين مخالفته لمسالك العقلاء ، بل ومناقضته لواقعه هو ؛ فالإنسان لا بد وأن يصدّق بأشياء غائبة عن حواسه مهما كابر وعاند ! 



رابط المقال الأصلي: السلسلة | حواسنا يا حسيون لا تدرك كل شيء !!

(شوهدت 22 مرة, و 1 اليوم)

شاهد أيضاً

عدم إدراك كيفية الشيء لا يبرر إنكار وجوده !

تخيل معي أنّك خرجت من غرفتك وهي على أعلى ما يمكن من الفوضى ، وأغلقت …