الرئيسية / مقال عام / مركزية الإيمان باليوم الآخر في إثبات النبوات [ إلماحة ]

مركزية الإيمان باليوم الآخر في إثبات النبوات [ إلماحة ]

    ضرورة الحساب :

دل العقل على اتّصاف الخالق بالكمال المطلق ومن ذلك الكمال : صفة العلم والحكمة والعدل  ، فهو جل جلاله لا يخفى عليه ما يفعله الإنسان بمقتضى إرادته واختياره التي وهبها اللهُ إياه  ، وإرادة الإنسان واختياره تقتضي تنوّع أفعاله بين الخيرِ والشرِ ، والله تعالى يجازيه عليها ؛ لأن العدل الحكيم لا يمكن أن يساوي بين الأخيار والأشرار ، والأبرار والفجّار في المآل لكون ذلك من الظلم الذي ينزه الخالق عنه.
وتمام الجزاء لم يحصل في الدنيا ، بل قد يحضى بعض الأشرار بما يفوق غيرهم من حظوظها  ، فعُلِمَ أن الجزاء التام حاصل في دارٍ أخرى فيها يكافأ المُحسن ويُعاقب المسيء .
ومقدمات هذا الدليل هي :
١ / الخالق متصف بالكمال المطلق .
٢/ كماله يقتضي مجازاته للأخيار والأشرار بما يستحقونه.
٣/ تمام المجازاة لم يحصل في الدنيا .
إذاً لا بد من وجود دارٍ أُخرى يتحقق فيها تمام العدل الإلهي .

يقول شيخ الإسلام  : «والكلام في النبوة فرعٌ على إثبات الحكمة التي يوجب فعل ما تقتضيه الحكمة ، ويمتنع فعل ما تنفيه ، فتقول : هو سبحانه وتعالى حكيم ، يضع كل شيء في موضعه المناسب له ، فلا يجوز عليه أن يسوّي بين جنس الصادق والكاذب ، والعادل والظالم ، والعالم والجاهل، والمصلح والمفسد ، بل يفرِّق بين هذه الأنواع بما يُناسب الصادق العادل العالم المصلح من الكرامة ، وما يناسب الكاذب الظالم الجاهل المفسد من الهوان ؛ كما قال تعالى : ﴿ أَم نَجعَلُ الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالمُفسِدينَ فِي الأَرضِ أَم نَجعَلُ المُتَّقينَ كَالفُجّارِ ﴾ وهذا استفهام إنكار على من ظن ذلك … »

    إقامة الحجة على خلقه :

علمتَ أن الله تعالى مجازٍ عباده على أعمالهم المتأرجحة بين الخير والشر ، فكان من كمال عدله ورحمته بهم  أن يعرِّف الإنسان ما له وما عليه بشكلٍ واضح لا لبس فيه ، فإرسالُ الله للرسل هو من تمام عدله كما قال تعالى ﴿ رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ ﴾  بُشارة للأخيار ونذارة وللإشرار .
وعمدة هذا قصور عقل الإنسان وتأثره بالمؤثرات ، فعقل الإنسان قاصر عن إدراك كثيرٍ مما يُصلح دنياه فضلاً عن أخراه ؛ حيث أنّك تجده يقبّح أمورًا كان يظنها بالأمس طريقاً موصلاً إلى ما ينفعه ، فكيف به إذا أقحم عقلَه فيما ليس من نطاقه ؟!
بل إذا علم الإنسان أن هناك حياة أخرى يُجازى فيها الأخيار والأشرار بما يستحقانه ، فإنّ تطلّب ما يحقق حسن الجزاء أولى من كلِّ شيء على الإطلاق ؛ إذ رضا الله وحسن ثوابه مقدّم على كل ما يخطر في قلب الإنسان من الملذات الزائلة ، وما يحقق ذلك الفلاح – أعني : فلاح المعاد – إنما هي جملة من الاعتقادات والأعمال من وافقها وامتثلها كان من الأخيار ، ومن خالفها وأعرض عنها كان من الأشرار ، وكما أن الإنسان قاصر بنفسه عن إدراكها  ، فإن المكابرة في ذلك والاحتكام إلى الناقص يؤول إلى اختلاف الناس ، وبالتالي يزعم كلٌ منهم أن ما لديه هو المنجي وما لدى الآخر هو المُهلك ؛ ولا يصلح أن يكون كلاهما منجٍ لكون ذلك مستلزمٌ للجمع بين النقيضين ، والجمع بينهما مُحال !

فكان من رحمة الله تعالى وعدله أن يرسل للناس ما يبين فلاح أخراهم ليمتثلوه ويجتنبوا غيره ، ويقطع النزاع بين الناس  ويحقن دماءهم ؛ إذ لو تُرِكَ الأمر للناس مع اختلافهم لظلم بعضهم بعضاً وتقاتلوا ؛ حيث ما يدعون إليه انبثق عن عقولهم القاصرة وعاداتهم وتقاليدهم وأهوائهم ورغباتهم ، ولازم هذا اضطرابهم واختلافهم ، وكلٌ منهم مع ذلك يزعم أن من امتثلها حُقّ له الجزاء الحسن  وبالتالي سيبذل كل السبل المفضية إلى إخضاع الناس لمعتقداته وأعماله حتى لو تطلب الأمر قتل المجاهرين بضد قوله ؛ لأن الجهر بالضد يحول بين المدعوين وفلاح الدار الآخرة اللازم لما يدعو إليه – كما زعم كلٌ منهم – !
    فإن قيل : ألستم تزعمون أن النبوات قد تحققت في الواقع ؟ كيف إذًا تدّعون أن النبوة عاصمة من هذا مع أن الناس مختلفين متناحرين  ؟!
قيل : ليس المقصود من هذا أن الاختلاف والتناحر لا يقع ؛ وإنّما المقصود أن النبوة تقطع النزاع بين المختلفين إن احتكموا إليها ، ففرقٌ بين وجود المعيار وبين التسليم له والاحتكام إليه ، فلا يلزم من معرفة الإنسان بالحق اتّباعه والانقياد إليه .

    النبوة طريق مأمون .
قد علمت ضرورة الجزاء ، وأن المُجازين إما أخيارٌ وإما أشرار، إما أبرار وإما فجّار .. ولابد من وجود معيارٍ تفصيلي يقتضي الحكم على من وافقه بالخير والجزاء الحسن ، وعلى من خالفه بالشر واستحقاق العقاب ، وهو ما يسمّى بجملة المعتقدات والأعمال ، وتلك المعتقدات والأعمال لا يمكن أن تُترك للناس لقصور عقولهم وتأثرهم (بالمؤثرات الداخلية ( كالشهوات والرغبات ) والخارجية ( كالعادات والتقاليد ودين الآباء ، وما يستلزم ذلك من الاختلاف والتنافر ثم القتال والتناحر ، والتحاكم إما أن يعود إلى الإنسان نفسه وهو عودٌ إلى منشأ تلك الاختلافات أو مصدرٍ آخر متعالٍ عن قصور عقولهم وشهواتهم ورغباتهم وما ألفوه مما هو ذائع بينهم .
ولا شك أن الأسلم هو الثاني ؛ إذ الإنسان ليس بمعصومٍ عن الزلل في أمور دنياه ، ومن كان حاله  كذلك فحريٌ به أن يجانب الصواب في الأمور الإلهية والعملية ، والعاقلُ الفَطِن لا يهنأ له بالٌ ويطمئن حتى يعلم أن تلك المعتقدات والأعمال مقتضية للفلاح الأخروي ، كيف لا وقد عَلِمَ زلل الخلق فيما دونهما  ؟! وحيث كان الأمر كذلك فاطمئنانه وهناء باله لن يكون إلا باللجوء إلى وحي سماوي ؛ ينزله من هو عليمٌ بكل شيء ، نافذٌ أمره على كل شيء .
ولا يمكن للصادق في طلب ذلك أن يشترط وسيلةً معينة بحيث يرفض كلَّ معرفةٍ جاءته عن غيرها ، ومثال ذلك أن ينكر النبوات ويكذب الأنبياء بحجة أن هناك طرقًا أخرى هي أفضل من إرسال الرسل وبعث الأنبياء ، فهذا في الحقيقة نصّب نفسه حاكمًا على أفعال من أعطاه الحكمة ، وهذا في غاية التناقض !
فالنبوة مقدورةٌ لله تعالى ، والجهل بحكمة كون المرسل بشراً لا يعني عدم الحكمة ، فكان الصحيح أن ننظر في الواقع ونتساءل هل تحققت النبوة أم لا ؟ ؛ إذ العقل لا يحكم بنفيها ولا إثباتها ما دامت مقدورةٌ للهِ تعالى ولا تعارض بين حقيقتها وصفات كماله .

•••═══ ༻✿༺═══ •••








رابط المقال الأصلي: مركزية الإيمان باليوم الآخر في إثبات النبوات [ إلماحة ]

(شوهدت 42 مرة, و 1 اليوم)

شاهد أيضاً

السلسلة | حواسنا يا حسيون لا تدرك كل شيء !!

بسم الله والحمد لله :  سأبدأ – بحول الله وقوته –  في نشر سلسلة من …