الرئيسية / شبهات أهل الإرجاء / الأشاعرة والماتريدية / الأصول الإغريقية في العقائد الأشعرية ج1 الأصول الفلسفية و الأحوال الصوفية عند أبي حامد الغزالي و أثرها في الانحراف العقائدي عند الدكتور البوطي

الأصول الإغريقية في العقائد الأشعرية ج1 الأصول الفلسفية و الأحوال الصوفية عند أبي حامد الغزالي و أثرها في الانحراف العقائدي عند الدكتور البوطي

بسم الله الرحمن الرحيم

الأصول الإغريقية في العقائد الأشعرية

الأصول الفلسفية و الأحوال الصوفية عند أبي حامد الغزالي

و أثرها في الانحراف العقائدي عند الدكتور البوطي

الجزء الأول

فهرس

الجزء الأول

سبب اعتماد البوطي على الغزالي ودفاعه عنه: 6

موقف الغزالي من علم الفقه: 10

موقف الغزالي من علم الكلام: 17

موقف الغزالي من علم الكلام واحد في كل كتبه: 36

مفهوم كلمة ” العوام ” عند الغزالي: 39

والآن مع إلالجام: 42

ماذا يقصد الغزالي بشروطه السبعة؟. 44

موقف الغزالي من الفلسفة: 64

موقف الغزالي من التصوف: 83

المحاور الأساسية لفلسفة الغزالي: 89

مصادر العلم عند الغزالي: 94

دعوى التوفيق بين الفلسفة و الدين: 105

الجزء الثاني

طريقة أهل السنة وحججهم: 111

توطئة: 111

موقف الطرق العلمية من العقل: 115

لوازم النظر في المسائل العلمية: 117

الإيمان أول الواجبات على المسلم علما وعملا: 123

موقف الغزالي من النبوة: 131

الأثار السلبية في علم من اخطأ في مقام النبوة: 132

موقف الغزالي من المعجزات: 146

مذهب الغزالي في الشفاعة: 148

موقف الغزالي من الفيض: 151

موقف الغزالي من نظرية الفيض في شقها المعرفي: 155

موقف العلماء من الغزالي: 157

قضية الغزالي و القاضي عياض: 186

الخـلاصـــة الثانية: 189

وجه التشابه بين البوطي و الغزالي. 194

الحمد لله وحده، و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده، وبعد……

لا يزال الأشاعرة يعاندون الحقائق العلمية الساطعة فمع أنه قد توفرت لديهم في هذا العصر الوسائل العلمية لتتبع وكشف الأصول العلمية و الخلفية الفكرية التي تقف وراء كثير من مقالاتهم في أصول الدين و المنهج المعرفي التي تقوم عليه.

فمن خلال الاطلاع على كتب الفلاسفة اليونان و المقارنة بينها و بين ما نسب لهم زورا وهي كتب الأفلطونيين و الاسكندرانيين يتبيّن جليا مصادر المقالات الأشعرية، و أنها ذات أصول إغريقية و ليست إسلامية.

فالقول بتماثل الأجسام، و القول بالجوهر الفرد،و القول بالجواز المحض (العادة)، و نفي الصفات لقرينة التجسيم، وحتى القول بالفناء الصوفي كلها نظريات أفلاطونية محدثة، ولا علاقة لها بالإسلام.

فالقول بالأصول الأشعرية يشكل بذور القول بوحدة الوجود ، فالأشاعرة يقولون في القدر بالجبر على مذهب جهم، ومعناه لا فاعل إلا واحد،وفي الاقتران و التأثير بين الأسباب يقولون بالعادة، وهي في نفس معنى الجبر: لا فاعل إلا واحد،و في المخلوق يقولون بتماثل الأجسام فالمخلوق واحد،و في الفناء الصوفي ومعناه لا موجود إلا واحد،وفي باب الصفات ووجود الباري ينفون عنه كل صفة ثبوتية، فلا يتميّز وجوده عن بقية الموجودات بشيء، بل لا يتميّز عن العدم بصفة ثبوتية، فلا وجود له في الحقيقة إلا في الأذهان، لأنهم فرضوا وجودا لا يتصف بأي صفة ثبوتية، وهذا كله يقود للقول بوحدة الوجود، و لذلك خرج هذا القول من عباد و صوفية الأشاعرة كابن عربي و التلمساني و القونوني وابن الرومي و الغزالي.

ومن أكبر الشخصيات العلمية الأشعرية التي مزجت بين علم الكلام و الفلسفة و التصوف الغزالي، وهو عمدتهم في هذا المزج البدعي، لذلك لا يألون جهدا في الدفاع عنه وتبرير أخطائه لا لإقامة العذر له،ولكن للحفاظ على فكر قد كان له دور ما في الدفاع عن قضايا الإسلام لما كان ارتباطه بالنص ظاهرا كما عند الأشعري و الباقلاني و أهل الحديث و الفقه من الأشاعرة كالبيهقي ،الأمر الذي افتقده باقتراب الجويني و الغزالي، ومن بعدهما الغزالي و الآمدي و الرازي من الاعتزال و الفلسفة و المنطق ، وزاد الطين بلة الإيجي .

لا شك أن أبا حامد الغزالي شخصية كبيرة في العالم الإسلامي، يعتمد عليه المتكلمون من جهة، كما يعتمد عليه أصدقاء الفلسفة الإشراقية من جهة أخرى وكذلك يعتمد عليه المتصوفة، إلى جانب مساهمته الأكيدة في علم أصول الفقه والرد على الباطنية  بفضل كتبه المشهورة والمتداولة بين الناس.

ولاشك ـ أيضا ـ أنه يستحيل على عالم من علماء المسلمين أن يكون عمدة لكل هؤلاء، وهم في طرفي نقيض، إلا أن يكون متناقضا، يعاني من ازدواجية علمية أو مر بمراحل مختلفة.

وهذا ما سنستكشفه من خلال هذه الجولة الدقيقة مع علوم الغزالي وأحواله لنستخلص إن كان متناقضا في علمه وحاله، أو أنه مر في حياته العلمية بمراحل فأنتقل من مذهب إلى مذهب، مما جعل الناس يأخذون منه ما يوافقهم عليه، دون اعتبار لهذا العامل، ودون اعتبار لموقفه الأخير من المسألة.

كذلك مما بات معروفا أن بعض الناس معجب بشخصية أبي حامد الغزالي لسبب معروف هو أنه جمع بين التصوف والعقلانية، ونحن من خلال هذه الدراسة العلمية الموضوعية نحاول أن نثبت مدى عدم دقتهم، وخلطهم بين الأدلة وتناقضهم في سياقها العام.

ومن أشد المعجبين بالغزالي الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي،فقد قال في كتابه (السلفية حقبة زمنية )(ص:163):

(( إن الغزالي استعمل اصطلاحات المناطقة والفلاسفة، وخلطها ببحوثه ومحاكماته العلمية، وأنه لم ينطل عليه شيء من أوهامهم، أو أنزلق إلى أي من الباطل الذي ضلوا في أوديته؛ بل إن تاريخ الفلسفة لم يعرف رجلا مزق الأوهام الفلسفية بمباضع المقاييس الفلسفية ذاتها، وانتصر للحق الذي دل عليه كتاب الله عز وجل بالاصطلاحات الفلسفية نفسها كالإمام الغزالي)).[1]

وبعد أن مدحه هذا المدح المفرط، ادعى أن ابن تيمية مال على الغزالي باللوم والعتاب لاستعماله هذه المصطلحات الفلسفية، التي استعملها هو نفسه في كثير من المواضع التي تشهد عليها كتبه، وأن الغزالي بخلاف ابن تيمية لم يصب بلوثة الفلاسفة؟.[2]

والدكتور البوطي في كل هذا، غير ملتزم بالبحث العلمي النزيه، والأمانة العلمية التي يجب أن تتوفر في كل باحث عن الحق، ذالك أن عكس ما قاله هو الصحيح، ولعل اِلتـفاتة قصيرة إلى الغزالي بشهادته هو على نفسه، وشهادة أقرانه وأتباعه، وأئمة المسلمين عليه، مما قد يوضح مدى انعدام الحس العلمي، وثـقة النقل عند الدكتور البوطي، وتخبطه في الطائفية والتعصب.

سبب اعتماد البوطي على الغزالي ودفاعه عنه:

إن الذي يجعل الدكتور البوطي يثور ضد ابن تيمية، اعتماده على الغزالي كإمام متكلم متفلسف، للقول بجواز استخدام الفلسفة والمنطق في العقائد، لأن عقيدة المتكلمين المتأخرين ـ كما بينه ابن خلدون في (المقدمة) ـ بدون منطق وفلسفة لا شيء، بحكم عدم اعتمادها على النصوص، ولذلك فإن أي ذم أو عيب لهذه القواعد الفلسفية المنطقية، هو ذم وعيب لعقيدة هؤلاء المتكلمين.

ومع أن في المسلمين عامة، والأشعرية خاصة، أئمة بلغوا درجة عالية في علم الكلام، أمثال: الأشعري، والباقلاني، وابن فورك، وإمام الحرمين، والآمدي، والرازي، يقتصر استدلال البوطي على الغزالي، ويقتصر دفاعه عنه، رغم أن شيخ الإسلام مال باللائمة على هؤلاء أكثر مما فعله مع الغزالي؟.

إن الذي يمتاز به الغزالي من دون كل هؤلاء الأئمة تصوفه، عقيدة البوطي الثانية، أو قل: الشطر الثاني في عقيدة البوطي، فلا هو أشعري خالص، ولا هو صوفي خالص، فهو مزيج منهما، كالغزالي وابن عربي.

ومعلوم أن الأشعرية الخلص كالرازي، وأبي بكر بن العربي، والآمدي يذمون التصوف البدعي، فهم بالتالي ليسوا نموذجا صالحا للاقتداء به بالنسبة للبوطي، فلم يبق له إلا الغزالي.

فالبوطي إذن، صوفي أشعري على طريقة بعض المتأخرين من الأشعرية ممن مزج علم الكلام بالفلسفة، فإن كان قدماء الأشعرية، وفي مقدمتهم أبو الحسن الأشعري والباقلاني وابن فورك وغيرهم قاموا بالدفاع عن عقيدة أهل الحديث والسنة كما وصلت إليهم، أو كما كانوا يعرفونها، كما هو صريح عباراتهم، فإن أمثال الدكتور البوطي يدافعون عن عقيدة الأشعرية المتأخرين التي هي مزيج من الفلسفة والاعتزال مثل عقيدة الإيجي، فإن صح تسمية الأشعرية القدماء بمتكلمي أهل السنة والجماعة فإنه لا يصح ذلك بالنسبة للمتأخرين منهم، وقد مالوا للفلسفة والاعتزال ميلا عظيما.

إن الغزالي ممن جمع بين علم الكلام والفلسفة والتصوف، وكان رائدا لمن جاء بعده من الذين اقـتـفوا أثره، أمثال: ابن عربي الطائي وشيعته، فأخذوا بتقاسيمه للعلوم والعقائد، وصاروا صوفية متفلسفة، وانتهى بهم الأمر إلى القول بالحلول والوحدة؛ وكانوا أجرأ منه على التصريح بعقـائدهم، كونه اكتفــى بالتلميــح إلـى تلك العقـائد، لأنه كان أعلـم بالفقـه وأصوله منهم، وهذه العلوم عند غلاة المتصوفة من المثبطات والعوائق، حتى قال ابن عربي عنه[3] : (( قيده الشرع ))، أي بسبب الشرع لم يستطع البوح بالحلول والوحدة.

فالغزالي يجعل للفاضل ثلاث عقائد: عقيدة مع العوام يعيش بها في الدنيا كالفقه مثلا، وعقيدة مع الطلبة يدرسها لهم كالكلام، والثالثة لا يطلع عليها أحد إلا الخواص، وهي التي يقول عنها:” إنها سر إفشاؤه كفر”.[4]

وابن عربي له ثلاث عقائد: الأولى عقيدة أبي المعالي وأتباعه مجردة عن الحجة، والثانية تلك العقيدة مبرهنة بحججها الكلامية، والثالثة عقيدة الفلاسفة كابن سينا.

ذكر ابن خلدون في (المقدمة): (( أن المتأخرين من غلاة المتصوفة خلطوا مسائل الفنين (أي: الفلسفة وعلم الكلام) بفنهم، وأنهم جعلوا الكلام واحدا فيها كلها )). (ص:466)

فهذه بعض أوجه التشابه التي تثبت أن الغزالي كان الباب الذي دخل منه الصوفية المتفلسفة إلى الحلول والاتحاد.

لقد اتسمت حياة الغزالي باضطراب نفسي شديد، عبر عنه تردده بين المذاهب دون أن يستقر على أحدها؛ فلا يمكن استخلاص عقيدته ومنهجه بصورة قطعية نهائية، إلا بعد استطلاع موقفه من العلوم الإسلامية، وبخاصة تلك التي مدحه بها البوطي وهي: الكلام والفلسفة، والتي يمكن من خلالها تحديد معالم شخصية الغزالي، والقول إن كان قد تأثر بالفلسفة أم لا ؟.

موقف الغزالي من علم الفقه:

يرى الغزالي أن الفقه من علوم الدنيا التي هي آلة لعلوم الآخرة، وأنه علم لا يبحث في الأعمال إلا من حيث صورها وأشكالها، فهو أشبه بالطب وإن كان أفضل منه (الإحياء)(23/1).

ولا يخفى خطأ هذا المذهب الذي تفشى في الأمة بعد ظهور البدع، ففصل الفقه عن علم الآخرة، ليكون تعبيرا عن الظاهر والشريعة، ويبقى التصوف تعبيرا عن الباطن والحقيقة، وبهذا التقسيم حاول المتصوفة المنحرفون عن السنة أن يجدوا لأنفسهم مكانة شرعية، ولعلمهم أصولا تجعل منه المقصد الأعلى من النبوة، لأنه في عرفهم هو حقيقة الدين!

والقول بالباطن والظاهر، والحقيقة والشريعة هو أصل وأساس المقابلة عندهم بين الولي والنبي ، قال ابن عربي في (الفتوحات){344/4}: (( وأما من قال من أصحابنا وذهب إليه كالإمام أبي حامد الغزالي وغيره بأن الفرق بين الولي والنبي صلى الله عليه و سلم نزول المَلك، فإن الولي مُلهَم والنبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ ينزل عليه المَلك مع كونه في أمور يكون ملهماً فإنه جامع بين الولاية والنبوة ،فهذا غلط عندنا من القائلين به، ودليل على عدم ذوق القائلين به، وإنما الفرقان إنما هو فيما ينزل به المَلك ،لا في نزول المَلك، فالذي ينزل به المَلك على الرسول والنبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ خلاف الذي ينزل به الملك على الولي التابع، فإن المَلك قد ينزل عل الولي التابع بالإتباع بإفهام ما جاء به النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ مما لم يتحقق هذا الولي بالعلم به، وإن كان متأخراً عنه بالزمان أعني متأخراً عن زمان وجوده، فقد ينزل عليه بتعريف صحة ما جاء به النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ وسقمه، مما قد وضع عليه أو توهم أنه صحيح عنه، أو ترك لضعف الراوي وهو صحيح في نفس الأمر، وقد ينزل عليه المَلك بالبشرى مِن الله بأنه من أهل السعادة والفوز والأمان، كل ذلك في الحياة الدنيا، فإن الله عز وجل يقول:{ لهم البشرى في الحياة الدنيا} وقال في أهل الاستقامة القائلين بربوبية الله: إن الملائكة تنزل عليهم، قال الله تعالى {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أوليائكم في الحياة الدنيا} ومن أولياء الله من يكون له من الله ذوق الإنزال في التنزيل فما طرأ ما طرأ على القائلين بخلاف هذا إلا من اعتقادهم في نفوسهم أنهم قد عموا بسلوكهم جميع الطرق والمقامات، وأنه ما بقي مقام إلا ولهم فيه ذوق، وما رأوا أنهم نزل عليهم مَلك فاعتقدوا أن ذلك مما يختص به النبي ـ صلى الله عليه و سلم ـ فذوقهم صحيح وحكمهم باطل)).

إن هذا التصور للعلوم الإسلامية الذي يذكره الغزالي في أهم كتبه وهو (الإحياء)، كان عاملا كبيرا في إهمال علوم الحديث والتفسير من قبل طرائق الصوفية وجماعات الفقهاء، بل إن كثيرا ممن يميل إلى التصوف من أهل المذاهب الأخرى تأثروا به، وأقبلوا على فقه الحواشي والمتون، وشحنوا كتبهم بالخلافيات، ولم يعد الحديث والتفسير معتمد الفقهاء والمتكلمين والأصولـيين حتى وجد علماء متكلمون لا يفرقون بين الحديث الصحيح وبين الحديث الضعيف، منهم: الغزالي الذي شحن كتبه بأحاديث ضعيفة وموضوعة، وكتب المتكلمة وفقهاء المذاهب والتصوف مملوءة بذلك.

فما كان هذا التصور للعلوم الإسلامية،وتقسيمها هذا التقسيم، إلا محاولة من هؤلاء المتصوفة أن يجعلوا لأنفسهم مكانة عالية، يتشوفون منها إلي رئاسة أهل الإسلام، وأن يظهروا للناس على أنهم أصحاب الحقائق، بعد أن كان أئمة الناس الفقهاء والمفسرون على طريقة أهل الحديث، فمتى كان الفقيه غير مهتم بعلم الحديث، وهل من فقه للإسلام ومقاصده بدون فقه الحديث؟.

لقد كان السلف الذين وصفوا بالفقه أئمة في الحديث، وكان الفقه عندهم العلم بالكتاب والسنة، سواءً تعلق الأمر بأعمال الجوارح أو بأعمال القلوب، فالكل عندهم مصدره القرآن والحديث.

لقد صار الفقيه وفقا لتصور الصوفية لا تعلق له بالآخرة إلا من حيث شروط صورة العمل، وصار علمه الكلام في العبادات والمعاملات، كما صار الآخر علمه الكلام في الاعتقادات.[5]

هكذا حاول المبتدعة من الصوفية ومتعصبة المذاهب عزل الفقهاء، أعني: فقهاء الحديث عن ريادة الأمة، وحجر دورهم في المعاملات ومظاهر العبادات، بعد أن كانوا أئمة الإسلام الذين لا يقطع أمر في الدين بدونهم.

على أن الغزالي اضطرب في شأن علم الفقه، فعاد بعد أن قرر دور كل علم، ليكشف سبب تدهور الفقه، ويقرر أن ما وصف به الفقه يتعلق بفقهاء زمانه، قال: ((اِعلم أن منشأ اِلتباس العلوم المذمومة بالعلوم الشرعية تحريف الأسامي المحمودة، وتبديلها ونقلها بالأغراض الفاسدة إلى معان غير ما أراده السلف الصالح والقرن الأول)) (الإحياء: 35/1).

ثم وصف الفقهاء المتأخرين فقال: (( قد تصرفوا فيه بالتخصيص لا بالنقل والتحويل، إذا خصصوه لمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوى، والوقوف على دقائق عللها، واستكثار الكلام فيها، وحفظ المقالات المتعلقة بها، فمن كان أشد تعمقا فيها، وأكثر اشتغالا بها يقال هو الأفقه، ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقا على علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق النفوس، ومفسدات الأعمال وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، وما يحصل به الإنذار والتخويف، هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان والسلم والإجارة فذلك لا يحصل به إنذار ولا تخويف (….) ولست أقول إن اسم الفقيه لم يكن متناولا للفتاوى في الأحكام الظاهرة، ولكن كان بطريق العموم والشمول،أو بطريق الاستتباع، فكان إطلاقهم له على علم الآخرة أكثر)). (الإحياء:36/1)

ويقول كذلك في كتابه (المستصفى): (( ولأجل شرف علم الفقه وسببه، وفر الله دواعي الخلق على طلبه، وكان العلماء به أرفع العلماء مكانا، وأجلهم شإنا، وأكثرهم اتباعا وأعوانا)). (ص:4)

أقول: ومع أن الغزالي أجاد هذه المرة في التعريف بعلم الفقه إلا أنها تُحسب عليه لا له، لأنه لم يصلح تناقضه، مادام أن كلامه الأول نقله على سبيل التقرير دون أن يشير إلى أنه يعني الفقه المتداول في زمنه، وقد ذكره في إطار تقسيمه للعلوم ولو أنه استتبع تعريفه الأول بهذا التعريف الثاني مباشرة، لأمكن حمل كلامه المحمل الحسن .[6]

والذي يظهر، أن اعتماده على التعريف الثاني ووصف الفقه فيه بأنه علم طريق الآخرة، لم يكن ليدع له مسوغا لذكر علوم الصوفية التي يدعي أنها علوم طريق الآخرة، فهذا التعريف الثاني للفقه يبطل التصوف رأسا، ولا يدع أية حجة لوجوده.

كما أن إقلاله من شأن التفريعات الفقهية كالسلم وإلاجارة والعتاق في غير محله فالصوفي يسميها :” صورا وظواهر”، والمتكلم يسميها:” فروعا”، كل واحد منهما يدعي أن علمه هو أصول الدين الذي لا يصلح الدين إلا به، والحقيقة التي يشهدها التاريخ الإسلامي غير ذلك.

إن أول طريق الآخرة بعد الإيمان بالله ورسوله طاعة الله ورسوله، التي لا تحصل إلا بفعل الأوامر الواردة في الكتاب والسنة، واجتناب النواهي الواردة فيهما وهما أمران لا يتمان إلا بالفقه فيما يسميه المتكلمة: فروعا وقشورا، وتسميه الصوفية: ظاهرا وصورا.

والفقه عند الغزالي ـ كما نقل عنه ابن عربي الطائي ـ سبب من أسباب عدم الالتحاق بدرجة الأولياء ،وإدراك مرتبة العارفين، لأنه يفسد النفس ويعيقها عن تلقي المعارف الإلهية الحقيقية!

قال ابن عربي في( الفتوحات المكية){377/3}: (( حكي عن أبي حامد الغزالي المترجم عن أهل هذه الطريقة بعض ما كانوا يتحققون به قال: لما أردت أن أنخرط في سلكهم وآخذ مآخذهم وأغرف من البحر الذي اغترفوا منه خلوت بنفسي واعتزلت عن نظري وفكري وشغلت نفسي بالذكر فإنقدح لي من العلم ما لم يكن عندي ففرحت بذلك وقلت: إنه قد حصل لي ما حصل للقوم، فتأملت فيه قوة فقهية مما كنت عليه قبل ذلك ، فعلمت أنه بعدما خلص لي فعدت إلى خلوتي واستعملت ما استعمله القوم فوجدت مثل الذي وجدت أولا وأوضح وأسنى، فسررت فتأملت فإذا فيه قوة فقهية مما كنت عليه وما خلص لي عاودت ذلك مرارا والحال الحال، فتميزت عن سائر النظار أصحاب الأفكار بهذا القدر ولم الحق بدرجة القوم في ذلك وعلمت أن الكتابة على المحو ليست كالكتابة على غير المحو ألا ترى الأشجار منها ما يتقدم ثمره زهره وهو كمرتبة علماء النظر إذا دخلوا طريق الله كالفقيه والمتكلم ومنه مالا يتقدم ثمره زهره وهو الأمي الذي لم يتقدم علمه اللدني علم ظاهر فكري فيأتيه ذلك بأسهل الوجوه ،وسبب ذلك أنه لما كان لا فاعل إلا الله وجاء هذا الفقيه والمتكلم إلى الحضرة الإلهية بميزاتها ليزنوا على الله وما عرفوا أن الله تعالى ما أعطاهم تلك الموازين إلا ليزنوا بها لله لا على الله فحرموا الأدب ومن حرم الأدب عوقب بالجهل بالعلم اللدني الفتحي فلم يكن على بصيرة من أمره فإن كان وافر العقل علم من أين أصيب فمنهم من دخل وترك ميزانه على الباب حتى إذا خرج أخذه ليزن به الله، وهذا أحسن حالا ممن دخل به على الله ولكن قلبه متعلق بما تركه إذ كان في نفسه الرجوع إليه، فحرم من الحق المطلوب بقدر ما تعلق به خاطره فيما تركه للالتفات الذي له إليه وأحسن من هذا حالا من كسر ميزانه…)).

قلت هذا هو التصوف الذي يدعو إليه الدكتور البوطي يعتبر الفقه عائقا أمام معرفة الله ،و يجعل تصحيح الحديث و تضعيفه صناعة الولي بالإلهام؟!

موقف الغزالي من علم الكلام:

قال الغزالي في (الإحياء) (27/1): (( إن حاصل ما يشتمل عليه علم الكلام من الأدلة التي ينتفع بها فالقرآن والأخبار مشتملة عليه، وما خرج عنها فهو إما مجادلة مذمومة، وهي من البدع، وإما مشاغبة بالتعلق بمناقضات الفرق لها وتطويل بنقل المقالات التي أكثرها ترهات،وهذيانات تزدريها الطباع وتمجها الأسماع، وبعضها خوض فيما لا يتعلق بالدين، ولم يكن شيئا منه مألوفا في العصر الأول، وكان الخوض فيه بالكلية من البدع)).

إن الغزالي وبعكس الدكتور البوطي يرى أن أنفع ما في علم الكلام تلك الآيات والأحاديث التي يزين بها المتكلمون مقالاتهم، وأن القرآن والأخبار مشتملان على أحسن ما فيه، وأما الباقي فلا طائل من ورائه، لأنه مجرد جدل تأنفه النفوس، ومنه ما ليس من الدين في شيء، وأنه بالكلية بدعة عند السلف الصالح.[7]

وما هو بدعة عند السلف الصالح لا يصبح عندنا سنة، فالفضل لهم لا لنا، والعلم منهم لا مِنا؛ وهذه الشهادة من الغزالي لها وزنها، فهي أشد على البوطي وأصحابه من مئة كتاب.

ومع أن الغزالي بعد هذا القدح في علم الكلام، اعتبره من ضروريات العص،لأنه يرد البدع، وهو يقصد بدع المعتزلة والرافضة والفلاسفة، ولم ينتبه إلى أن الشرع استوفى الرد على جميع الطوائف، ولأنه لم يكن يعرف طريقا سوى تلك التي مارسها طول حياته وخبرها، وهي طريق المتكلمين، فاته ما في القرآن والسنة وأقوال السلف الصالح من البراهين والأدلة، التي تفحم المبتدعة، وتقطع دابرهم.

لقد نقض الغزالي كلامه الأول والذي مفاده: أن ما خرج عن القرآن والأخبار مجادلة مذمومة، ومشاغبة، وترهات، وهذيانات؛ وقد يرجع سبب هذا التناقض إلى عجز الغزالي من أن يجد بديلا عن علم الكلام في الرد على الفلاسفة،فاضطر إلى القول بأنه من ضروريات العصر، أو أنه تحفظ به عقيدة العوام من الشبهات.

لقد ذهب الغزالي في قدحه علم الكلام إلى أبعد من اعتباره جهلا وشغبا، عندما قال في (الإحياء): (( فأما معرفة الله تعالى وصفاته وأفعاله وجميع ما أشرنا إليه في علم المكاشفة (أخبار الغيب) فلا يحصل من علم الكلام، بل يكاد أن يكون الكلام حجابا عليه ومانعا عنه)) (28/1)[8] .

وأخذ يحط على علم الكلام، فما أبقى له من قائم، وأحسن ما وصفه به أنه يحفظ عقيدة العوام، وحتى هذه أخطأ فيها أيضا، فمَنْ مِنَ العوام يعرف الممكن والواجب، والهيولي والجوهر، والتسلسل والدوران وغيرها من مصطلحات الكلام، حتى يقال عن علم الكلام: إنه يحفظ عقيدة العوام؟.[9]

قال الغزالي في (الإحياء): (( إن التوحيد قد جعل الآن عبارة عن صناعة الكلام، ومعرفة طريقة المجادلة والإحاطة بطرق مناقضات الخصوم، والقدرة على التشدق فيها بتكثير الأسئلة وإثارة الشبهات، وتأليف الإلزامات، حتى لقب طوائف منهم أنفسهم بأهل العدل والتوحيد، وسمى المتكلمون العلماء بالتوحيد[10]، مع أن جميع ما هو خاصة هذه الصناعة لم يكن يعرف منها شيء في العصر الأول، بل كان يشتد منهم النكير على من كان يفتح بابا من الجدل والمماراة، فأما ما يشتمل عليه القرآن من الأدلة الظاهرة التي تسبق الأذهان إلى قبولها في أول السماع،فلقد كان ذلك معلوما للكل، وكان العلم بالقرآن هو العلم كله، وكان التوحيد عندهم عبارة عن أمر آخر لا يفهه أكثر المتكلمين [11]، وإن فهموه لم يتصفوا به )). (37/1).

وهذا الكلام الجيد في غاية الدقة، رد مفحم على البوطي الذي ادعى أن الغزالي ممن لا يوجد مثله في الدفاع عن العقيدة بالكلام، فلا ندري أنصدق الغزالي المعروفة منزلته في علم الكلام، وهو يذم علم الكلام، ويذم المشتغلين به، أم نصدق البوطي في كلامه عن الغزالي وموقفه من الكلام؟!.

إن هذا الموقف من الغزالي تجاه علم الكلام، وهو القائل في كتب أخرى له: إن علم الكلام منبع العلوم جميعها، وأن من لا يحسنه مقلد في دينه؛ يدل على أنه وكما هو مشهور عنه عند الكل، قد ترك الكلام وأهله، وأقبل على التصوف يلتمس الدواء لحيرته، فإن الغزالي وبصدق طلبه وذكاء نفسه تبين له الباطل الذي يحويه علم الكلام، ولكن حالت دونه عوائق علقت به من الفلسفة إلى الاهتداء إلى طريق الصواب الذي هو طريق الحديث والأثار، فلم يذكر في باب التوحيد إلا الإقرار بالربوبية وبعض مظاهر توحيد الألوهية، وفاته توحيد الأسماء والصفات حلبة الصراع بين السلف والمبتدعة.

فالغزالي اِلتجأ إلى التصوف ظنا منه أنه طريق الحق، واِلتمس فيه الإجابة عن كثير من التساؤلات التي كانت تخامر قلبه، فوجد فيه من الإثبات أكثر مما وجد في علم الكلام، واِستقر به المقام عند المتصوفة برهة من زمن، غير أنه سرعان ما عادت إليه شكوكه، فإنه في مرحلته هذه اِضطر في كثير من المسائل إلى الإجابة بأجوبة كلامية، لأنه لم يجد عند المتصوفة الخوض في تلك المواضيع،ولا هي تتعلق بفنهم، كما فعل في كتاب التوحيد (قواعد الاعتقاد)، فمع أنه انتحى في (الإحياء) منحاً صوفيا إلا أن هذا الكتاب كتاب كلامي لا يمت إلى التصوف بصلة.

وفي قصة القلم المذكورة في كتابه هذا، حيث انطلق يشرح الفناء في التوحيد حتى إذا بلغ الاختيار، والصوفية لا ترى اختيارا للعبد، عاد أدراجه واستغاث بعلم الكلام، وادعـى أنــه يحفظ القلب من الشبهات!.

ولما لم يجد ما يطلبه عند الصوفية وقربت منيته، من الله عليه ونحن نرجو ذلك فمات وهو يقرأ البخاري عماد الطريقة السنية، وإن كان بعض الأفاضل يرى أنه مات على مذهب الفلاسفة الباطنية.

وإذا عرفنا أن الغزالي كان يبحث في تجواله بين العلوم على تصوف فيه الاجابات عن تلك التساؤلات والإشكالات الكلامية حتى ظفر بغايته عند ابن سينا رأس المتفلسفة الصوفية ، وهذا الذي أكده القشيري عندما صرح في تلك الأبيات الشعرية بأن الغزالي مات مريضا بـ (الشفا).

ومن عجيب الأمور أن الغزالي أخذ هذا الداء عن شيخه أبي المعالي الجويني وعابه بذلك، ثم وقع فيما عابه به، قال الصفدي في( الوافي بالوفيات){130/6}: ((وقال ابن مماتي: كنت في مجلس الفاضل فحدثه بعض حاضري مجلسه إن الغزالي لما ورد بغداد سئل عن أبي المعالي الجويني فقال: تركته بنيسابور وقد أسقمه (الشفاء)، وقد كان شرع في مطالعة كتاب (الشفاء) لابن سينا، قال: فجعل القاضي يتعجب من حسن قوله أسقمه ( الشفاء) ويتمايل له ويقول: والله إن هذا كلام حسن بديع، وكان عنده ابن ولد الوزير ابن هبيرة فقال: كلام جدي في هذا المعنى أحسن وأبلغ قال له: وما هو؟ قال: قوله الشفاء ترك (الشفاء)، والنجاة ترك (النجاة)، فقال الفاضل: لا ولا كرامة، بين الكلامين بون لا يطلع عليه إلا أرباب الصنائع.))

وقد لا يفهم الناس شدة اضطراب الغزالي في كتبه، فهو سريع الانتقال من رأي لآخر، و ذلك راجع كما أشرنا إليه من قبل إلى صدق طلبه[12] و ذكائه، وهذان عاملان لا يتركان المرء يستقر على رأي باطل.

إن جل كتب الغزالي كتب أبحاث و دراسة لا تعبر بصدق عن نفسيته ما عدا كتابه (المنقذ من الضلال)، فإنه يشرح كل هذا الذي ذكرناه، ولقد ذكر الغزالي فيه أنه بحث عن الحق عند المتكلمة و الفلاسفة والرافضة والصوفية، وعنوان الكتاب حكم الغزالي على نفسه، وعلى هذه الطوائف.

هذا هو موقف الغزالي من علم الكلام في أجل كتبه وأقربها إلى الشرع، وهو كتاب (الإحياء) يتفق إلى حد بعيد مع بحوثه ودراساته أثناء مرحلته الصوفية وما بعدها، ولعل بعض النقول من كتبه الأخرى تؤكـد هذه النتيجة.

موقف الغزالي من علم الكلام واحد في كل كتبه:

يقول في(جواهر القرآن)(21): (( المقصود لرد الضلالات والبدع وإزالة الشبهات ويتكفل به المتكلمون(…) ومقصود هذا العلم حراسة عقيدة العوام عن تشويش المبتدعة))،وهذه كنت قد بينت زيفها بكلام الغزالي نفسه.

ويقول في (القسطاس المستقيم) (60): (( أما الحديد الذي فيه بأس شديد للذين يتبعون ما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ولا يعلمون أن ذلك ليس من شأنهم وأنه لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم دون أهل الجدل، وأعني بأهل الجدل طائفة فيهم كياسة ترقوا فيها عن العوام، ولكن كياستهم ناقصة إذا كانت الفطرة كاملة لكن في باطنهم خبث وعناد وتعصب وتقليد فذلك يمنعهم عن إدراك الحق)).يقصد هنا أن المتكلمين طائفة فوق العوام بقليل في باطنهم خبث وعناد وتعصب و تقليد!

ويقول في ( فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة)(170): (( مِن أشد الناس غلوا وإسرافا طائفة من المتكلمين كفروا عوام المسلمين، وزعموا أن من لا يعرف الكلام معرفتنا ولم يعرف العقائد الشرعية بأدلتها التي حررناها فهو كافر، فهؤلاء ضيقوا رحمة الله الواسعة على عباده أولا، وجعلوا الجنة وقفا على شرذمة يسيرة من المتكلمين ثم جهلوا ما تواتر من السنة ثانيا )).

وصف المتكلمين هنا بالغلو و الإسراف و جهل ما تواتر من السنة، وعندما يقول المتكلمين فيقصد بالدرجة الأولى الأشاعرة.

ويقول في ( الأربعين في أصول الدين) (181): (( الاعتقاد بالقلب جزما وهو درجة عوام الخلق ودرجة المتكلمين إذ لا يتميزون عن العوام إلا بمعرفة الحيلة في دفع تشويش المبتدعة عن هذه الاعتقادات)).

كما يمكن تأكيد هذه الحملة من الغزالي على علم الكلام بتفحص آخر مؤلفاته في الموضوع وهو كتاب ( إلجام العوام عن علم الكلام ) الذي حاول من خلاله التبرؤ من طائفة المتكلمين، وبوادر التبرم من الأشعرية يظهر في مؤلفات الغزالي التي كتبها قبل (إلالجام).

يقول في (القسطاس المستقيم) (ص:3): (( أما ميزان الرأي والقياس فحاش الله أن أعتصم بهفإنه ميزان الشيطان، ومن زعم من أصحابي أن ذلك ميزان المعرفة فأسأل الله تعالى أن يكفيني شره عن الدين فإنه للدين صديق جاهل، وهو شر من عدو عاقل )).

وفي (الرسالة اللدنية) (ص:64) يقول عنهم: (( يتمسكون بآيات الله تعالى من القرآن ثم بأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم (!) ثم بالدلائل العقلية والبراهين القياسية، وأخذوا مقدمات القياس الجدلي والعادي ولواحقها من أصحاب المنطق الفلسفي، ووضعوا أكثر الألفاظ في غير مواضعها، ويعبرون في عباراتهم بالجواهر والعرض والدليل والنظر والاستدلال والحجة )).

يبين الغزالي في هذا الفصل أن عقيدة الأشاعرة خليط من النصوص التي يفسرونها بالمنطق الفلسفي مع تبديل مواضع الألفاظ الشرعية.

فهذه النقول من كتبه تبين أنه من أول خلوته بدأ ينسلخ عن الأشعرية حتى تم له ذلك في كتابه (الالجام)الذي يترجح عند كثير من الدارسين انه فرغ من تبيضه أياما قلائل قبل وفاته، إذ وفاته كانت في 14 جمادى الآخرة 505 هـ، وفراغه من (الالجام) كان في أوائل جمادى الآخرة من نفس السنة حسب ما ورد في نهاية المخطوط باستنبول، هذا المخطوط الذي يعود نسخه إلى سنة 509هـ.

المهم أن آخر كتبه (الالجام) و(منهاج العابدين)[13]و(الدرة الفاخرة في علوم الآخرة).

ويكتسي (الالجام) أهمية بالغة، لأنه تناول فيه مسائل الصفات الخبرية، وحاول تقعيد قاعدة جامعة في المسألة زاعما أنها مذهب السلف، ولكن يخطئ كثير من الناس عندما يعتقدون أنه رجع فيه إلى مذهب السلف، إذ الكتاب يحوي مغالطات عظيمة تؤكد أيما تأكيد ما قاله عنه القشيري من أنه أمرضه كتاب (الشفا) لابن سينا.

فإن الذي يظهر بجلية من خلال فصول هذا الكتاب أن الغزالي انتهى به المطاف عند فلسفة الحكمة الإشراقية.

مفهوم كلمة ” العوام ” عند الغزالي:

فهو أولا: لا يقصد بكلمة العوام المعنى المعروف عند الناس بل يقصد:

الأديب والنحوي والمحدث والمفسر والفقيه والمتكلم، بل كل عالم سوى المتجردين لتعلم السباحة في بحار المعرفة، القاصرين عليه أعمارهم، الصارفين وجوههم عن الدنيا والشهوات، المعرضين عن الجاه والمال والخلق وسائر اللذات، المخلصين لله في العلوم والأعمال، العاملين بجميع حدود الشريعة وآدابها في القيام بالطاعات وترك المنكرات، المفرغين قلوبهم بالجملة عن غير الله تعالى المستحقرين للدنيا بل للآخرة والفردوس إلاعلى في جنب محبة الله تعالى، فهؤلاء أهل الغوص في بحر المعرفة، وهم مع ذلك على خطر عظيم يهلك من العشرة تسعة إلى أن يسعد واحد بالدر المكنون السر المخزون)) (الالجام ص: 67-68).

ثانيا: وكما عرفت في هذا النقل أنه يقصر معرفة حقيقة الصفات الخبرية على الأولياء الأصفياء، وأحيانا يذكر الأنبياء والصديقين، وفي آخر الكتاب يتناقض فيقول عن هؤلاء أن ما يعرفونه عن الله أو ما يظفرون بمعرفته بمقابل ما يجهلون عنه يجعلهم في حد سواء مع العوام!!!

يقول (ص:85): (( (فإن قيل) فالعارفون محيطون بكمال معرفة الله سبحانه حتى لا ينطوي عنهم شيء، قلنا هيهات، فقد بينا بالبرهان القطعي في كتاب (المقصد الأقصى في معاني أسماء الله الحسنى) أنه لا يعرف الله كنه معرفة إلا الله)).

ويقول(ص:61): (( بل الراسخون في العلم والعارفون من الأولياء إن جاوزوا في المعرفة حدود العوام، وجالوا في ميدان المعرفة، وقطعوا من بواديها أميالا كثيرة، فما بقي لهم مما لم يبلغوه بين أيديهم أكثر بل لا نسبة لما طوى عنهم إلى ما كشف لهم، لكثرة المطوي وقلة المكشوف بإلاضافة إليه وإلاضافة إلى المطوي المستور (….) فأوائل حقائق هذه المعاني بإلاضافة إلى عوام الخلق كأواخرها بإلاضافة إلى خواص الخلق)).

فما يمكن استخلاصه في هذا الوجه الثاني أن الغزالي انتهى إلى قول ابن سينا:

(( الناس إما جدليون أو خطابيون أو برهانيون)).

والغزالي يعد نفسه في كتابه (القسطاس المستقيم) من أهل البرهان الذين يعرفون ميزان المعرفة، ويعلمون به خواص الخلق!

ومما يؤكد هذا أن الغزالي في (الالجام) يحيل على كتبه الأخرى كـ :( الإحياء) و(القسطاس) وغيرها، مما يدل على أن (الالجام) حلقة في انتقال الغزالي من التصوف العملي إلى التصوف الفلسفي.

ثالثا: ادعى على السلف مذهبا غريبا بدون نقل، ولا سند، ولعل هذا الوجه الثالث هو الذي جعل بعض الناس يعتقدون أنه قد رجع إلى عقيدة السلف، والأمر كما ستراه مخالف تماما لهذا الاعتقاد، غير أنه يمكن القول أن دفاع الغزالي عن علم السلف وتبحرهم في الدين، وأن كل من هم دونهم لم يبلغوا شأوهم إلى جانبه كثير من الحق، ولكن هو الحق الوحيد في كتابه هذا.

لقد اختلف الناس فيما يخص مؤلفات الغزالي من بين مُدع له الوصول إلى الحقيقة السامية، وآخر رماه بالتناقض والازدواجبة في التفكير، وإن كانت ظاهرة التناقض تلازم كل مؤلفاته، فهو سريع الانتقال من رأي لآخر إلا أنه فيما يخص التمهيد للحكمة الإشراقية لم يكن متناقضا بل الظروف الاجتماعية والضغوطات التي كانت تحيط به هي التي منعته من التصريح في كثير من الأحيان، فكان يكتفي بالتلميح.

فبمجرد استطلاع عابر لمؤلفاته الصوفية كـ (مشكاة الآنوار)، و(الرسالة اللدنية) و(ميزان العمل)، و(كيمياء السعادة)، و( المضنون به)،و(معارج القدس) تتجلى لك الحكمة الإشراقية ونظرية الفيض المعرفي.

لقد انتهى الغزالي إلى التصوف الإشراقي الفلسفي على طريقة ابن سينا والفارابي، يبين لك هذا المنحى بصورة أجلى.

قد يقول بعض الناس أن ابن سينا لا ينتمي إلى الاتجاه الإشراقي خاصة وقد نفى عنه ذلك السهروردي المقتول أو شك في وجود عناصر خسروانية في كتبه،ولكن من يطالع مقامات العارفين لابن سينا يفهم أنه بدأ يمهد للحكمة الإشراقية و أن العناصر الأفلطونية و السكندرانية تقود حتما للفلسفة الإشراقية.

رابعا: يتفق (الالجام) في محاولته إخراج علماء الإسلام من زمرة العارفين بالله مع كتابه الآخر( الكشف والتبيين في غرور الخلق أجمعين) وكذلك مع رسالة ( قانون التأويل)، حيث جمع العلم والحق في التأويل لخواص الأولياء.

خامسا: في مبحث (النبوة) من هذه المسألة سنبين أن الغزالي انتقل من العقيدة الأشعرية إلى التصوف العملي ثم كوّن لنفسه معتقدا في الحكمة الإشراقية، وفي الفيض، وفي ” نظرية المطاع” مغايرا لما يظنه الناس عنه.

هذه العقيدة التي لم تخل منها حتى كتبه المنطقية كـ (معيار العلم) كما ستراه إن شاء الله.

والآن مع إلالجام:

ليست هذه دراسة كاملة لهذا الكتاب، ولكنها تنكيت عليه لإظهار مدى الاضطرابات التي حواها ومخالفته لمذهب السلف، أما التفصيل فإني أرجيه لموضع آخر إن شاء الله

أولا: الحشوية عند الغزالي هم: الذين اعتقدوا في الله وصفاته ما يتعالى ويتقدس عنه من الصورة، واليد، والقدم، والنزول، والجلوس على العرش، والاستقرار،وما يجري مجراه ،مما أخذوه من ظواهر الأخبار وصورها وأنهم زعموا أن معتقدهم فيه معتقد السلف)) ( ص:51،52).

يظهر من هذه الفقرة أن الغزالي كشيخه أبي المعالي الجويني يعدون أهل السنة ـ الذين يجرون الصفات الخبرية على ظاهرها دون تأويل أو تحريف أو تعطيل ـ حشوية.

وقد أخذ هذا عنهم بعض المتأخرين كالدكتور سامي النشار في كتابه (نشأة الفكر) (1/287) حيث ذكر أن الحشو نشأ في الشيعة وأهل الحديث من السلف)).

وهو إنما أخذ هذا عن الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل) ( ص:105).

ومعلوم أن هذه مجرد دعوى، لا تقوم على برهان إذ ما معنى الحشو؟، وهل يعرف الشهرستاني مقالة السلف؟!

الواقع يقول غير ذلك، فإن الرجل وإن كان واسع الاطلاع على مقالات الباطل،فإنه لا يكاد يعرف قول السلف في العقائد، وكتابه خير شاهد، ولو بحثت في كتبه عن مقالات الحسن البصري، وابن سيرين، وقتادة، وابن عباس، وابن عمر ،ومالك بن دينار، والأوزاعي، ومالك، والسفيانيين، والحماديين وغيرهم لم تجد لها أثرا، فإنه لم يكن يعرف إلاّ ما نقله المعتزلة من مقالات اليونان والرومان والهنود والمجوس أو مقالات أصحابه التي تلقاها عن ابن مجاهد، ومتى جهل الرجل مقالات سلف الأمة وأئمتها كان هو أحق بالحشو.

أما جهله بسنة النبي صلى الله عليه و سلم وآثار أصحابه فقد بلغ عنده مبلغا عظيما، وليست هذه ميزته وحده، بل الجويني والغزالي والرازي ضعفهم في السنة بيّنا ظاهرا ،وهذا مجال موضع آخر نبينه بالأدلة الكثيرة .

والشهرستاني ـ كما سبق وبيّناه ـ ممن كان يتقرب بعلمه للملوك حتى الرافضة منهم، ففي كتابه (المصارعة مع ابن سينا) ينقض الشيعة لأن ابن سينا كان قرمطيا، وفي (الملل والنحل) يتقرب إليهم، ومثل هؤلاء العلماء لا تكون الثقة بمنقولاتهم تامة، فإنه نقل كثيرا من المقالات الفلسفية ولم يذكر مصدر نقله ومراجعه،وبهذا انتقده القفطي.

كما ادعي الكوثري في مقدمة (تبيين كذب المفترى) (( أن الحسن البصري قصد بهذه الكلمة رعاع الرواة الذين تكلموا عنده بالسقط)).

وهذه كذبة باردة نسجها خيال الكوثري للطعن في المحدثين الذين يخالفونه في الاعتقاد، ذلك أن لفظ الحشو يقصد به عوام الناس وهم البسطاءأو الدهماء كما تسميهم العلمانية.

ومهما يكن فإن المخالف للسلف الصالح والراجع إلى عقيدة أمه عند معاينة الموت أحق بالحشو والجهل.

فهذا أول ما خالف فيه الغزالي السلف الصالح الذين رتبوا قاعدة في مسائل الصفات الخبرية تعصم من الردى والزلل، وهي قول مالك الثابت عنه: “(( الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة))،فهذه القاعدة تصلح في جميع الصفات الخبرية فنقول مثلا: النزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وهكذا نفعل مع بقية الصفات.

فهذا الذي سماه الغزالي بالحشو، وهو إجراء الصفات على ظاهرها إجماع منعقد من السلف قاطبة، ذكره الجويني في (النظامية) وحرم تأويلها، وذكر مثله محمد بن الحسن الشيباني كما نقله عنه شيخ الإسلام في (مفصل الاعتقاد) (ص:5).

فهذا الرجل أعني الغزالي لم يعرف حقيقة ما جاء به السلف، ولا ما ذكره اتباعهم ثم يدعي في (الالجام) إنه يبيّن لنا مذهب السلف!.

ثانيا: زعم الغزالي في الصفحة (53) أن مذهب السلف أن كل من بلغه حديث من هذه الأحاديث يجب عليه سبعة أمور: التقديس ـ التصديق ـ الاعتراف بالعجز ـ السكوت ـ الإمساك ـ الكف ثم التسليم لأهل المعرفة.

أقول: مذهب فئة من الناس لا يثبت إلا بالنقل عنهم، فأين النقل عن السلف أنهم أوجبوا على الأمة هذه الشروط السبعة؟!.

ماذا يقصد الغزالي بشروطه السبعة؟

التقديس: قال: فأعني به تنزيه الرب تعالى عن الجسمية وتوابعها.

أقول: لفظ “الجسم” عند السلف لفظ مبتدع لم يثبتوه ولم ينفوه، والجسم عند العرب هو البدن والجثمإن انظر( صحاح الجوهري).

والجسمية بالمعنى الذي يقصده الغزالي اصطلاح اليونانيين الكافرين بالأنبياء والمرسلين، الذي قسموا الموجودات إلى مقالات، والغزالي يقصد بتوابع الجسمية المقولات العشر لأرسطو: الجوهرـ الأين ـ المتى ـ النصبة ـ الملكة ـ الكم ـ الكيف ـ المضاف ـ يفعل ـ ينفعل[14].

فمَنْ مِنَ السلف أو العرب قال: إن الجسم هو هذا؟!.

وأصل هذا المعنى ميتافيزيقي مبني على نظرية تماثل الأجسام، فإن هؤلاء المتفلسفة قالوا: المتقدم في الوجود هو الهيولي والمتأخر هو الصورة، والصورة نوعان مقومة ومتممة، فالصور المقومة جواهر والصور المتممة أعراض والجواهر كلها جنس واحد، وإنما الأعراض مختلفة الأجناس، فذكروا هذه المقولات العشر على أنها أجناس.

و بناء عليه قال المتكلمون: كل جسم فهو مخلوق، وأصل هذه المقولة قياس منطقي سخيف يتكون من مقدمتين موجبتين {في الحقيقة كاذبتين}:

كل جسم فهو مركب، وكل مركب حادث، إذن فكل جسم فهو حادث.

فكما ترى هذا القياس الذي يعتبره الغزالي برهانا قاطعا إن هو إلا مصادرات على مطلوب، إذ كيف يمكنهم أن يبرهنوا أن كل جسم فهو مركب، وهم لم يروا كل الموجودات؟!

وهذه السمـوات هي عندهم أجسام ولا يعلم أنها مركبة، ولا أنها تقبل التفرقة، إذ كل مركب في اصطلاحهم فهو مفتقر إلى أجزائه، وقولهم: كل مركب حادث بحت مصادرة على المطلوب، وهم يقولون عن الجوهر بأنه لا يقبل التجزئة والقسمة، وهو بسيط غير مركب ولا مؤلف، و مع ذلك يقولون: إنه محدث؟!.

والتوحيد عندهم هو أن الله عز وجل واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وهذا التوحيد تلقوه عن المعتزلة الذين تلقوه عن الفلاسفة، ليس هو التوحيد المقرر في القرآن والسنة وعند سلف الأمة، المقصود أن قولهم: واحد في ذاته لا قسيم له؛ يقصدون به سلب تصور الكمية في ذاته، وصفاته سواء متصلة أو منفصلة، لأن التركيب عندهم خمسة أنواع منتفية عنه تعالى، وهو:1 ـ التركيب من الوجود و الماهية، وهذا بسبب خلطهم بين الوجود والعدم، فالوجود عندهم ليس أمرا ثبوتيا بل لا يصفون الله إلا بأوصاف العدم وهو السلب المحض [15]، 2 ـ والتركيب من العام والخاص: الجنس والنوع، 3 ـ والتركيب من الذات والصفات في الكيفية، والتركيب في الكم،4 ـ والتركيب الحسي من المادة والصورة،5 ـ والتركيب العقلي.

والحقيقة هذا الكلام الذي جعلوه دينهم هو شبهات تلقوها تعليما ممن سبقهم ،وهي كما ترى كلها تعبر عن فلسفة الإغريق،ثم يزعم البوطي أو شيخ الأزهر أن الأشاعرة هم أهل السنة ، ومعلوم أن أهل السنة لم يكن الفلاسفة سلفهم.

ومن جهة نفي التشبيه يقول الغزالي في(المقصد الاسنى في أسماء الله الحسنى){ص:47}: (( لمعرفة الله سبحانه وتعالى سبيلان: أحدهما قاصر والآخر مسدود، أما القاصر فهو ذكر الأسماء والصفات، وطريقة التشبيه بما عرفناه من أنفسنا، فإنا لما عرفنا أنفسنا قادرين عالمين أحياء متكلمين ثم سمعنا ذلك في أوصاف الله عز وجل أو عرفناه بالدليل فهمناه فهما قاصرا… فتكون هذه معرفة قاصرة يغلب عليها الايهام والتشبيه، فينبغي أن تعترف بها المعرفة بنفي المشابهة وبنفي أصل المناسبة مع المشاركة في الاسم.

وأما السبيل الثاني المسدود هو أن ينتظر العبد أن تحصل له صفات الربوبية حتى يصيرا ربا كما ينتظر الصبي أن يبلغ فيدرك تلك اللذة، وهذا السبيل مسدود إذ يستحيل إن تحصل لغير الله تعالى تلك الحقيقة)).

وبعد أن أقرّ بأنه لا طريق إلى معرفة الله إلا بطريق التشبيه وإن كانت قاصرة يتناقض مرة أخرى وينفي الصفات والأسماء على شاكلة المعتزلة والفلاسفة فيجعل ظاهر النصوص غير مراد، وظاهر كلامه هو مراد!، فقد عقد فصلا في الكتاب نفسه بيّن فيه وجه رجوع الأسامي الكثيرة لله تعالى إلى ذات و سبع صفات، ثم عقد فصلا بعده بيّن فيه رجوع ذلك كله إلى ذات واحدة على مذهب المعتزلة والفلاسفة، وهذه هي الطريقة العقلية في إرجاع الكثرة للواحد.

وما يمكن أن نقوله عن هذا التوحيد الإغريقي الأرسطي الذي يراد له أن يكون بدل التوحيد النبوي القرآني هو أن الأنبياء جاءوا بإثبات مفصل ونفي مجمل فأثبتوا لله الأسماء والصفات، ونفوا عنه مماثلة الخلق، فالله أخبر في كتابه بأنه حي قيوم عليم حكيم غفور رحيم سميع بصير علي عظيم خالق بارئ مصور،وقال في النفي:{ليس كمثله شيء}،{ ولم يكن له كفؤا أحد}،{هل تعلم له سميا} ،{فلا تجعلوا لله إندادا}،والمؤمن يؤمن بالله، وما له من الأسماء الحسنى، ويدعوه بها، ويجتنب الالحاد في أسمائه وآياته،{ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه}.

والمعطلة المعرضون عن علم النبوة عكسوا القضية وجاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، أي وجود مطلق بشرط النفي أو بشرط الاطلاق، وقد علموا أن المطلق بشرط الاطلاق لا يكون في الخارج، فليس في الخارج إنسان مطلق بشرط إلاطلاق، ولا موجود مطلق بشرط الاطلاق، بخلاف المطلق لا بشرط، الذي يطلق على هذا وعلى هذا فهو يكون في الخارج، ولكنه لا يكون إلا معيّنا مميّزا عن غيره.

فإذا قالوا: الله لا خارج العالم ولا داخله، وقالوا: هو موجود الوجود المشروط بنفي لكل ثبوت عنه، فيكون الله مشاركا لسائر الموجودات في مسمى الوجود متميّزا عنها بالعدم، إذ المخلوقات موجودة داخل العالم، وهو موجود لا داخل العالم ولا خارجه، وقد علمنا أن الشيء لا يكون موجودا حتى يكون متميّزا بأمر ثبوتي، وهم لا يثبتون له شيء يميز وجوده عن وجود خلقه.

وإذا كان الوجود خيرا من العدم يكون أحقر الموجودات خيرا من العدم، والمتميّز بين الموجودين لا يكون عدما محضا بل لا يكون إلا موجودا، وقولهم هذا يلزم منه أن الوجود الواجب ممتنع.

إن إطلاق لفظ “الجسم” في الصفات بدعة عند السلف لا تجوز.

يقول الغزالي في كتابه (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة)(ص:172): (( فليت شعري متى نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ إحضار أعرابي أسلم، وقوله له الدليل على أن العالم حادث أنه لا يخلو من الأعراض، وما لا يخلو عن الحوادث حادث، وإن الله تعالى عالم بعلم وقادر بقدرة زائدة عن الذات لا هي هو، ولاهي غيره ))؟!.

فهل ألزم نفسه بهذا الكلام في الصفات الخبرية وقال: (( فليت شعري متى نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة رضي الله عنهم إحضار أعرابي أسلم، وقوله له الدليل على أن الصفات الخبرية ( الاستواء ـ النزول ـ اليد وغيرها) غير ما قد تظن ، لأنها تقتضي الجسمية، وكل ما كان جسما فهو مخلوق، فإن الاستواء يقتضي الجهة والنزول يقتضي الحركة، واليد تقتضي التشبيه، وهذه كلها خواص الأجسام” ؟!!.

اِعلم أن للسلف قاعدة هي خير بكثير من كلام الغزالي، وهي قاعدة الكمال، فكل كمال ممكن فالله أحق إن يوصف به، وكل نقص ينزه عنه المخلوق فالخالق أولى بالتنزيه منه، ولا يستعمل في الصفات القياس المنطقي الشمولي أو التمثيلي، لأن الله تعالى ليس يقع تحت مقولات أو الأجناس العشر، ولا هو له مثيل بل يستعمل قياس الأولى.

التصديق: قال: الإيمان بما قاله صلى الله عليه وسلم وأن ما ذكره حق، وهو فيما قاله صادق ،وأنه حق على الوجه الذي قاله وأراده.

أقول: أخذ الغزالي هذا من قول الشافعي الذي نقله عنه الربيع من أنه قال: (( آمنت بما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم)).

وإن كانت هذه الكلمة من الشافعي ـ رحمه الله ـ كلمة جامعة لها مقتضاها حسب السياق الذي وردت فيه إلا أنها غير مانعة لسببين اثنين:

أولا: قول مالك رحمه الله الذي قلنا عنه إنه قاعدة السلف قاطبة في الصفات الخبرية أدق وأبعد غورا، ذلك أن ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم للعرب قاله لها بلغة العرب، و كل خطاب عربي يوجب معنى وفهما وإلا كان لغوا.

ثانيا: مراد رسول الله يعرف من جمع كلامه ،ومن كلام صحابته وأتباعهم؛ ثم تصديق رسول صلى الله عليه وسلم فرض على كل المسلمين. [16]

ونحن إذا جمعنا كلام الشافعي في الاعتقاد وجدناه أكثر من هذا بكثير.

الاعتراف بالعجز: قال: فهو أن يقر بأن معرفة مراده ليست على قدر طاقته، وأن ذلك ليس من شأنه وحرفته.

أقول: السلف لم ينفوا ظاهر هذه النصوص، وإنما فوضوا الكيف، فإثبات الصفات عندهم فرع على إثبات الذات، فلا يعقل أن يقول أحدهم: لا أعرف معنى الله أو الرحمـن؟، وإن كانوا يقولون كلهم: لا نعرف كيف الله؟.

فكذلك يعرفون معنى اليد وأنها ليست الرجل، ولا هي الهواء، ولا هي الرحمة ولا هي القدم، ولا هي العرش، ولا هي النعمة، وغير ذلك، ولكن يجهلون كيفيتها، فيفوضون علم كيفيتها إلى الله.

السكوت: قال:” فإن لا يسأل عن معناه، ولا يخوض فيه، ويعلم أن سؤاله عنه بدعة، وأنه في خوضه فيه مخاطر بدنيه….” .

أقول: للسلف أصل جامع في مسائل الاعتقاد يردون به كلام المبتدعة، وفي مقدمتهم الغزالي، وهو:

إننا نعلم بالتواتر ونقل الكافة عن الكافة أن الصحابة بلغوا الدين كما عرفوه،فنقلوا إلينا القرآن والعقائد والأحكام والأخبار والمغازي والسير وكل دقيقة وصغيرة عرفوها، فإذا لم ينقل عنهم كلام تفصيلي في هذه المسائل علمنا أنها لم تكن من الدين بالكلية ـ تفاصيلها التي أحدثها المتكلمون ـ.

وعليه، فما وقفوا عنده يجب الوقوف عنده، وما بينوه يجب بيانه، وهم نقلوا إلينا الصفات الخبرية نقل مؤمن بها موقن بها غير مكذب بها ولا محرف، فيجب أن نقف عندها كما وقفوا ونعلمها للمسلمين كما علموا، ففرق بين تبليغها وتأويلها.

ومما يبيّن فساد اعتقاد الأشاعرة فيما يسمونه الظواهر قو ل الغزالي في (فيصل التفرقة) (ص:43): (( والحق فيه الاتباع والكف عن تغيير الظواهر رأسا والزجر عن الخوض في الكلام والبحث في ما تشابه من الكتاب والسنة)).

ويقول في (الإحياء) (35/1): (( فيكفيك من منفعة العقل أن يهديك إلى صدق النبي صلى الله عليه و سلم ويفهمك موارد إشاراته فاعزل العقل بعد ذلك عن التصرف، ولازم الاتباع ،فلا تسلم إلا به، والسلام)).

إلامساك: قال: (( بأن لا يتصرف في تلك الألفاظ بالتصريف والتبديل بلغة أخرى والزيادة فيه والنقصان منه والجمع والتفريق بل لا ينطق إلا بذلك اللفظ وعلى ذلك الوجه من الايراد والإعراب والتصريف والصيغة )) (ص:54).

وهذا كان صنيع السلف الصالح لا يبدلون ألفاظ الصفات ولا معانيها ويمسكون عن الجدال فيها.

الكف: أن يكف باطنه عن البحث عنه و التفكر فيه.

التسليم لأهله: أن يعتقد أن علمها عند الرسول والصديقين والأولياء.

أقول: لم يلتزم الغزالي بهذه الشروط السبعة التي ادعاها على السلف وراح في نفس الفقرة يحرف الكلام عن مواضعه ويدعي على السلف زورا من الكلام.

قال في شرح الوظيفة الأولى: التقديس: (( معناه إنه إذا سمع اليد والاصبع (….) فينبغي أن يعلم أن اليد تطلق لمعنيين: أحدهما هو الموضع الأصلي وهو عضو مركب من لحم وعظم وعصب، واللحم والعظم والعصب جسم مخصوص وصفات مخصوصة(….) وقد يستعار هذا اللفظ أعني اليد لمعنى آخر ليس ذلك المعنى بجسم أصلا كما يقال: البلدة في يد الأمير(…) فعلى العامي وغير العامي أن يتحقق قطعا ويقينا أن الرسول عليه السلام لم يرد بذلك جسما هو عضو مركب من لحم ودم وعظم)).

أقول: هذا تلبيس،فمن قال: إثبات يد حقيقية لله سبحانه وتعالى يقتضي أنها من لحم ودم وعظم، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

فإن اليد التي ذكرها في قوله: البلدة في يد الأمير، لا يقول عنها عاقل أنها يد تحيط بالبلدة. فكيف يقال عن يد اللـه وهي مضافة إلى الله سبحانه الذي ليس كمثله شيء ولم يكن له كفؤا أحد أنها تقتضي الدم واللحم والعظم؟!

وإذا حصر الغزالي المسألة في معنيين اثنيين ونفى أحدهما لم يبق إلا المعنى الآخر، وهو السلطة والقبضة المعنوية، وهذا هو محض تأويل المعطلة، ومع ذلك لم يثبت عليه وقفــز قفزة طويلة إلى مذهب المفوضة شر طوائف المسلمين فقال: ” وليعتقد بعده أنه عبارة عن معنى من المعاني ليس بجسم ولا عرض في جسم يليق ذلك المعنى بالله تعالى)).

وبلغة أخرى ليس لله صفات خبرية أثبتها القرآن والسنة وإجماع السلف، وكل ما لديه معاني من المعاني فهو متصف بالمعاني لا بالصفات، وهذه المعاني مطلقة غير محددة، وعليه فعقيدة الغزالي في (الالجام) يمكن تلخيصها كالتالي :

لله يد هي معنى من المعاني ليس بجسم ولا عرض،لله استواء هو معنى من المعاني ليس بجسم ولا عرض،لله قدم هي معنى من المعاني ليس بجسم ولا عرض، لله نزول هو معنى من المعاني ليس بجسم ولا عرض إلى غير ذلك حتى تتلخص العقيدة في الصفات الخبرية كلها أنها معنى من المعاني لا يعرفه أحد!

ولهذا السبب يعتبر أمثال محي الدين بن عربي الأشعرية مشبهة المعاني حيث أنهم فروا من التشبيه الحسي فوقعوا في التشبيه المعنوي،لأن النصوص على لازم مذهبهم كلها موهمة للتشبيه ، يقول ابن عربي في (الفتوحات المكية){43/1}: (( ثم إن الأشعرية تخيلت أنها لما تأولت قد خرجت من التشبيه وهي ما فارقته إلا أنها انتقلت من التشبيه بالأجسام إلى التشبيه بالمعاني المحدثة المفارقة للنعوت القديمة في الحقيقة والحد ، فما انتقلوا من التشبيه بالمحدثات أصلا)).

فهل هذا هو اعتقاد السلف المنقول عنهم في دواوين السنة، وكتب خصومهم من المعتزلة والمتكلمة على اختلاف طوائفهم؟!.

هذا هو كتاب (إلجام العوام عن علم الكلام) و إن لم يصب مذهب السلف الصالح فقد اقترب منه نوعا ما، ولكنه أبطل فيه منهج الأشاعرة في العقيدة و ذمه بشدة.

و الحكم الكلي على هذا الكتاب أنه قفزة إلى التفويض الفلسفي أي أن كل العوام بما فيهم المفسرون و المحدثون و الفقهاء لا يعرفون الحق في هذه المسائل و الذي حصر إدراكه في مواضع أخرى بأهل البرهان و أهل التجرد.

فهذا كتاب فيه جهل عظيم بما كان عليه السلف.

ويمكن أن نحكم على هذا الكلام و نبيّن بطلانه وخطورته على الدين عموما وعلى العقيدة خصوصا،وهو كذلك يدل على فساد منهج الأشاعرة في العقيدة(التأويل) من خلال كلام الغزالي نفسه:

يقول الغزالي في(الإحياء) (41.40/1): (( وأما الطامات فيدخلها ما ذكرناه في الشطح، وأمر آخر يخصها وهو صرف ألفاظ الشرع عن ظواهرها المفهومة إلى أمور باطنة لا يسبق منها إلى الأفهام فائدة كدأب الباطنية في التأويلات، فهذا أيضا حرام وضرره عظيم فإن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام فيه ينقل عن صاحب الشرع، ومن غير ضرورة تدعوا إليه من دليل العقل اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ، وسقط به منفعة كلام الله تعالى وكلام رسوله( ص) فإن ما يسبق منه إلى الفهم لا يوثق به، والباطل لا ضبط له، بل تتعارض فيه الخواطر و يمكن تنزيله على وجوه شتى، وهذا أيضا من البدع الشائعة العظيمة الضرر(….) وبهذا الطريق توصل الباطنية إلى هدم جميع الشريعة بتأويل ظواهرها وتنزيلها على رأيهم (…) ومن يستجيز من أهل الطامات مثل هذه التأويلات مع علمه بإنها غير مرادة بالألفاظ ويزعم أنه يقصد بها دعوة الخلق إلى الخالق يضاهي من يستجيز الاختراع والوضع على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هو في نفسه حق، ولكن لم ينطق به الشرع (….) بل الشر في تأويل هذه الألفاظ أطم وأعظم لأنها مبطلة للثقة بالألفاظ وقاطعة طريق الاستفادة والفهم من القرآن بالكلية)).

قلت: فهذا الفصل يقضي على منهج الأشاعرة في العقيدة برمته، و يدلنا على خطورته على الدين و السنة، و هذا سبب عدم اعتمادهم على القرآن و السنة في تقرير الحقائق، وركونهم إلى منطق الإغريق و زهدهم في الألفاظ الشرعية .

ثم قارن بين هذه المقالة و صنعيه في (إلالجام) لتعرف مدى تدهور الغزالي في عقيدته كلما تقدم في السن ،وأنه انتهى إلى التفويض والحكمة الإشراقية.

وأنا الآن أختم هذا البحث بمقالة لأحد أساطين السنة هي (إلزام للإلجام) فخذ بها ودع عنك الغزالي هو أسلم لك وأطهرللفطرة.

قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة فيما نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في (المجموع 4/11): (( عليك بلزوم السنة، فإنها لك بإذن الله عصمة، فإن السنة إنما جعلت ليستن بها ويقتصر عليها، وإنما سنها من قد علم ما في خلافها من الزلل والخطأ والحمق والتعمق، فارض لنفسك بما رضوا به لأنفسهم، فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا ولَهُم كانوا على كشفها أقوى، وبتفصيلها لو كان فيها أحرى، وإنهم لهُمُ السابقون، وقد بلغهم عن نبيهم ما يجري من الاختلاف بعد القرون الثلاثة، فلئن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم: حدثٌ حدثَ بعدهم، فما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، واختار ما نحته فكره على ما تلقوه عن نبيهم، وتلقاه منهم من تبعهم بإحسان.

و لقد وصفوا منه ما يكفي، وتكلموا منه ما يشفي، فمن دونهم مقصر، ومن فوقهم مفرط، لقد قصر دونهم أناس فجفوا، وطمح آخرون فغلوا وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم)).

فإذا كانت هذه هي آراء الغزالي في علم الكلام، كلها انتقادات، وندم على الخوض فيه، فكيف يلوم البوطي ابن تيمية و السلفيين ويشهر بهم لأنهم قالوا في علم الكلام ما قاله الغزالي؟!

وإذا كان هذا هو رأي الغزالي في علم الكلام فلم لا يزال الأشاعرة يتمسكون به و ينسبونه لأنفسهم؟!

الذي يظهر أنهم رفضوا تخليه و انقلابه على علم الكلام فلم ينسجموا مع تحول الغزالي، و بقوا يعتمدون على كتبه الأولى التي قرر فيها علم الكلام.

موقف الغزالي من الفلسفة:

موقف الغزالي من الفلسفة باختصار موقف صديق يعرف صديقه جيدا وكان في يوم ما عدوه[17] ، قال القائل:

احــذر عـدوك مرة واحــذر صديقك ألف مرة

فلربما إنقلب الصديـق فــكان أدري بالمـضــــرة

يصف الغزالي الهندسة والحساب مع أنها علوم لا علاقة لها بالاعتقاد، بأنها مباحات ،وأن أكثر الممارسين لها قد خرجوا منها إلى البدع.

وهذا في نظر البوطي غلو إذا ما عرفنا رأيه في الفلسفة، حيث جعلها من آلات الفهم وتحصيل العلوم، والواقع أن رأي الغزالي في الهندسة والحساب رأي خبير،فقد أثبت التاريخ وعلم التراجم أن جميع الفلاسفة الذين اشتغلوا بالهندسة والحساب انتهى بهم الأمر إلى الضلال والبدع، ولم يوصف أحد منهم بالدين الحسن، ولعل مرجع ذلك أن هذه المواد كانت ممتزجة بالفلسفة فلا يتمكن منها الواحد منهم حتى يتمكن من الفلسفة، وفي ذلك مصرعه.

أما الإلهيات فيقول: إن بعضها كفر وبعضها بدعة، وأن الطبيعيات لا حاجة إليها،[18] أما المنطق الذي عرفه في (الإحياء): بأنه البحث عن وجه الدليل وشروطه، جعله من أقسام علم الكلام، فهو عنده مذموم كعلم الكلام.

يقول الغزالي في (المنقذ من الضلال): (( أما المنطقيات فلا يتعلق شيء منها بالدين نفيا وإثباتا، بل هو النظر في طرق الأدلة والمقاييس، وشروط مقدمة البرهان، وكيفية تركيبها، وشروط الحد الصحيح وكيفية ترتيبه، فإن العلم إما تصور وسبيل معرفته الحد، وإما تصديق وسبيل معرفته البرهان “.[19]

ويعيب الغزالي على المناطقة بأنهم يجمعون للبرهان شروطا يعلم أنها تورث اليقين لا محالة، لكنهم عند الانتهاء إلى المقاصد الدينية لم يمكنهم الوفاء بتلك الشروط، بل تساهلوا غاية التساهل.

أما الإلهيات، فما قدروا على الوفاء بالبراهين على ما شرطوه في المنطق، ولذلك كثر الاختلاف بينهم فيها، فيظن من يستحسن المنطق الذي يراه في الرياضيات أن ما ينقل عنهم من الكفريات في الإلهيات، مؤيد بمثل تلك البراهين في الرياضيات (ص:42).

وكذلك يعيب الغزالي أساسا من أهم أساسات المنطق وهو الحد، فيقول في (المستصفى): (( وأكثر ما ترى من الحدود رسمية إذ الحقيقة عسرة جدا، وقد يسهل درك بعض الذاتيات ويعسر بعضها، فإن درك جميع الذاتيات حتى لا يشد واحد منها عسر، والتمييز بين الذاتي واللازم عسر، فإنك ربما تقول في الأسد إنه حيوان شجاع، ولا يحضرك لفظ السبع، فتجمع أنواعا من العسر)). (14ص)

ويقول في( مدارج القدس): (( إن معرفة الأشياء لا تتوقف على الظفر بحدودها،ووجدان جنسها وفصلها، فكم من موجود لا جنس له ولا فصل، ولا حد ولا رسم، وما له جنس وفصل فربما لا يظفر بجنسه وفصله وأكثر الأمور كذلك،فإن إعطاء الحدود صعب عسر على الأذهان[20]، نعم يستدل على وجوده وحقيقته بآثاره، فإن العقل والنفس وكثيرا من المفارقات تتصور ولا حد لها، ولا رسم، وإنما يدل عليها برهان)). (ص:19)

ومعلوم أن الحدود أساس القياس المنطقي، فإذا تعذر ضبط الأساس تعذر ما يبنى عليه.

2ـ هاجم الغزالي الفلاسفة في كتابه (التهافت) هجوما شرسا فبدعهم في سبع عشرة مسألة وكفرهم في ثلاث، فاهتز الناس لذلك فرحا لكسر طاغوت الفلسفة التي بدأت تعد أيامها، وبينما الناس في غمرة فرحتهم إذا به يخرج عليهم بكتابه (معيار العلم في فن المنطق) ، و قد اِحتضن منطق أولئك الذين هاجمهم بشدة وعنف.

فمن جهة رفض ميتافيزيقا أرسطو واتباعه كالفارابي وابن سينا، ومن جهة أخرى تبنى منطقهم، أوليس منطقهم حلقة في سلسلة الميتافيزيقا؟.

وهل يمكن قبول المنطق ورفض الميتافيزيقا وإنما نَبَعَ منها؟.

وقد أسس أرسطو فلسفته الميتافيزيقية في إثبات العلة الأولى ( الله) وتحديد ما يجوز عليه وما لا يجوز بمقولات المنطق وقياساته من جوهر وعرض وحركة وزمان وخلاء وملاء ومكان ووجوب وامتناع، فإذا قبلنا هذه المقولات تعيّن قبول الميتافيزيقا، فإن مِنَ التناقض الشديد الفصل بينهما.

يقول الغزالي في الجزء الرابع من ( معيار العلم ) في أقسام الوجود وأحكامه: الجوهر والأعراض التسعة: (( الكم والكيف والمكان والزمان والاضافة والملك والفعل والآنفعال والوضع)) وهذه مقولات أرسطو في القطيغورياس لم يغيّر فيها الغزالي شيئا لا في العدد ولا في المفهوم، خالف حتى المتكلمين من طائفته فإن الفلاسفة يقصدون بالجوهر ما يقوم بذاته وميزوا بين الجوهر الأول والجوهر الثاني هو الأجناس والأنواع والفصول واعتبروا الجسم المركب من المادة والصورة جوهرا كما اعتبروا المادة جوهرا والصورة جوهرا، بينما المتكلمون يخصصون اسم الجوهر بالجوهر الفرد الذي لا ينقسم، ويسمون كل ما يقبل القسمة جسما لا جوهرا.

كذلك المتكلمون؛ العقل عندهم فطري بينما ذهب الغزالي تقليدا للفلاسفة إلى التفريق بين العقل الهيولاني والعقل بالملكة والعقل المستفاد والعقل الفعال.

فقال الفارابي وابن سينا بوجود عقول مفارقة فعالة هي جواهر صورية ذات ماهيات مجردة عن المادة يسمونها الملائكة هي المشرفة على إخراج العقل البشري من الاستعداد إلى القبول.

ونفى المتكلمون وجود جواهر قائمة بنفسها وغير متغيرة، ولقد قلد الغزالي أرسطو في الأصول الميتافيزيقية لمنطقه تقليد الأعمى لم يجد سبيلا للاهتداء،ولما شعر بذلك قال في نفس الفقرة: (( فإن قيل: فهذا الحصر أُخذ تقليدا من المتقدمين أو عليه برهان!، قلنا: التقليد شأن العميان (….) بل هو ثابت بالبرهان )) فزعم أن هذه الأجناس العشرة موجودة معلومة بالعقل والحس!

وإذا كان أرسطو بنى فلسفته على أساس تقسيم الموجودات إلى أجناس وأنواع وهو لم يعرف الجن والملائكة بغض النظر عن باقي المخلوقات كالقلم والعرش والجنة والنار وغيرها مما لا يعلمه إلا الله، لأنه لم يكن عنده من أخبارها فقد تكلف الغزالي القول بها، وقال (ص: 158): (( الأشياء تتركب من مبدأين هما المادة والصورة)).

لقد شعر الغزالي بحقارة كتابه (المعيار) الذي يحسن تسميته (المزمار) وأنه مجرد ترديد لحماقات أرسطو فحاول تدارك ذلك بزعمه أنه رتبه للتعريف بمصطلحات القوم حتى تعرف لغتهم ويفهم كلامه في (التهافت)!.

وكذلك حاول مَنْطَقَةَ الفقه الإسلامي فأفسده وأخرجه عن مقصود الشارع زاعما أن المنطق يباين الفقه في مآخذ المقدمات، ولكنه فضل المنطق لأن حسب زعمه الأقيسة المنطقية براهين ذات مقدمات يقينية وهي أربع: أوليات عقلية (ضروريات) ومحسوسات، ومجربات وقضايا تعرف بغيرها، أما مقدمات الفقه فليست يقينية بل ظنية و هي مشهورات ومقبولات ومظنونات!

فلم يفرق بين القياس الفقهي الذي هو استدلال لإثبات حكم شرعي، وبين التدليل على حكم شرعي.

فإذا قلنا في قياس الشمول: كل مسكر حرام،و النبيذ مسكر فالنبيذ حرام أو قلبنا الصيغة والشكل إلى قياس التمثيل وجعلنا الصغرى مناط الحكم والوصف المؤثر فقلنا : النبيذ مسكر وكل مسكر حرام فالنبيذ حرام، فإن هذين القياسين سواء، محتاجين على السواء إلى مقدمات مضمرة.

ذلك أنه على المنطقي أن يبرهن أن كل مسكر حرام بينما الفقيه أخذ هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا يستدل على كلامه، بل يستدل بكلامه لأنه مشرع، فإذا لم يعرف المستدل أن كل مسكر حرام احتاج إلى مقدمة أخرى، وهي أن نبيّن له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم كل مسكر، ثم إذا لم يعرف أن محمدا رسول الله احتاج إلى مقدمة رابعة وهي أن نثبت له أن محمدا رسول الله، وهكذا.

فالقياس الفقهي هو قياس على حكم ثابت شرعا هو مناط التكليف لا يبرهن عليه أو مقدمات البرهان عليه مضمرة، بينما المنطق قياس تفهيمي غالب نتائجه تتضمنها المقدمات ،والطريق إلى العلم بمقدماته يكفي في العلم بالنتيجة، وقد علم البشر أن المعرفة تسبق التعريف فيصبح الحد من لغو الكلام.

والفرق بين المنطق المشائي وأصول الفقه الإسلامي هو أن المنطق لا يعلمنا التفكير بل دوره تحليل التفكير بينما أصول الفقه يعلم العالم والمفكر كيف يفكر.

فإذا قلنا: كل من عليها ميت والإنسان عليها إذن فالإنسان ميت، فإن النتيجة وهو “فالإنسان ميت” متضمنة في المقدمتين فمجرد قولك: كل من عليها ميت يستلزم موت الإنسان لا تحتاج إلى المقدمة الثانية بله النتيجة، ولذلك أنكر بعض الفلاسفة منطق التصور و سماه منطق الحكم.

الكلام على المنطق وأضراره نرجيه إلى موضعه ، المهم أن تعلم أن المنطق هو فلسفة الفلسفة، ومن أخذ به فقد أخذ بلب الفلسفة،ومن زعم أنه يقدر على تخليص المنطق من خلفيته الميتافزيقية فهو واهم إذ التفريق بين الللازم و الذاتي وحده مدخل إلى الزندقة.

وعليه فإن الغزالي أكثرُ فلسفة من بعض المتفلسفة، فهو أولا كما تبيّن لك يتبنى المنطق بأصوله الميتافيزيقية، وثانيا: أخذ بفلسفتهم في الأخلاق والنفس والمعرفة، فقال في مراتب العقل: إنه ينقسم إلى العقل بالقوة والعقل بالفعل و عقل مستفاد ( ميزان العمل ص:11).

وزعم أن للعلوم الإلهية طريقين هما: الكشف الصوفي والبرهان العقلي الفلسفي (ميزان العمل ص:59).

فحطم أركان الإسلام عن آخرها، بل لم يبق للنبوة أثرا، وأخذ بمفهوم العدالة عند أفلاطون، وبتقسيمه لقوى النفس إلى ثلاث قوى: مفكرة وشهوانية وغضبية (ميزان العمل ص: 68‍).

وقال مثل أفلاطون: إن المعرفة عملية فأنكر ضروب المعرفة الأخرى المتلقاة من السمع والأخبار.

وأحيانا لا يستطيع أن يسوق أمثلة من عند نفسه فيقتبسها من كتب ابن سينا كما فعل مع تفسير المشكاة المذكورة في آية النور أخذها عن ابن سينا.

لقد بلغ من تسليمه للفلاسفة أن سلم لهم بأن الكواكب حية، وأنها مدبرة للعالم أسفلها كما ندبر نحن أجسامنا، ولها فعل اختياري وفعل اضطراري وغير ذلك من النزعات الوثنية ( معراج السالكين ص:94).[21]

اسمع ما يقول الغزالي في الفلاسفة الذين جعل طريقتهم أصح الطرق للوصول إلى الله ،قال في (المنقذ ص: 73،74) : (( منتهى إيمان من قرأ مذهب فلسفة الإلهيين منهم أن يقول: لست أقل هذا تقليدا، ولكني قرأت علم الفلسفة، وأدركت حقيقة النبوة، وإن حاصلها يرجع إلى الحكمة والمصلحة، وأن المقصود من تعبدانها ضبط عوام الخلق وتقيدهم عن التقاتل والتنازع والاسترسال في الشهوات؛ فما أنا من العوام الجهال حتى أدخل في حجر التكليف، إنما أنا من الحكماء أتبع الحكمة، وأنا بصير بها مستغن فيها عن التقليد!؟

وتعلم ذلك من كتب ابن سينا و أبي نصر الفارابي، هؤلاء هم المتجملون بالإسلام، و ربما ترى الواحد منهم يقرأ القرآن، و يحضر الجماعات و الصلوات، و يعظم الشريعة بلسانه، و لكنه مع ذلك لا يترك شرب الخمر، و أنواع من الفسق ‏و الفجور! (….) حتى إن ابن سينا ذكر في وصية له كتب فيها:” إنه عاهد الله تعالى على كذا و كذا و أن يعظم الأوضاع الشرعية، و لا يقصر في العبادات الدينية، و لا يشرب تلهيا بل تداويا وتشافيا، فكان منتهى حالته في صفاء الإيمان و التزام العبادات أن استثنى شرب الخمر لغرض التشافي)).

هذا عرض موجز لبعض محطات التفكير الفلسفي عند الغزالي تظهر مدى الاضطراب المعرفي الذي عانى منه ،وإلى أي حد أفسدت الفلسفة فكره .

على أن محطات أخرى ستراها في بحثنا في الفصول القادمة إن شاء الله.

هذا باختصار رأي الغزالي في الفلسفة ،وهو من غير شك لا يتفق مع كلام البوطي عنها، بل يوافق كلام ابن تيمية ويؤيده.

وقبل أن نشرع في استخلاص موقف نهائي من الغزالي، يكون خلاصة دقيقة وصحيحة تعتمد على التحليل العلمي النزيه، لا بد أن نستوفي جوانب أخرى من حياة الغزالي العلمية لها دورها في تقرير وتوجيه هذه الخلاصة، منها:

موقفه من التصوف، وموقفه من مسألة مهمة تقرر اتجاهات الناس في علومهم وهي مسألة النبوة، ثم نعرج على آراء العلماء وبخاصة المقربين من الغزالي، وأخيرا نختم بموقف ابن تيمية منه.

موقف الغزالي من التصوف:

يقول الغزالي في (الإحياء) بعد أن قسم العلم الذي يتوجه به إلى الآخرة إلى علم المعاملة وعلم المكاشفة: (( وأعني بعلم المكاشفة ما يطلب منه كشف العلوم فقط،وأعني بعلم المعاملة ما يطلب منه مع الكشف العمل به، والمقصود من هذا الكتاب علم المعاملة فقط دون علم المكاشفة التي لا رخصة في إيداعها الكتب،وإن كانت هي غاية مقصد الطالبين، ومطمع نظر الصدقين، وعلم المعاملة طريق إليه، ولكن لم يتكلم الأنبياء صلوات الله عليهم مع الخلق إلا في علم الطريق والإرشاد إليه، وأما علم المكاشفة فلم يتكلموا فيه إلا بالرمز والإيماء على سبيل التمثيل والإجماع، علما منهم بقصور أفهام الخلق عن الاحتمال)). (11/1)

إن هذا الكلام الصادر عن الغزالي في غاية الخطورة، فهو كلام الباطنية القائلين بأن الحقيقة سر أودعه الله بعض الناس، وأن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن والحكمة قوة وهمية، وأن الأنبياء دعوا الناس بالتخييل، فخيلوا لهم الأشياء الوهمية في الصور المحسوسة، لأنهم لا يمكنهم إدراك الحقائق على ما هي عليه!

ولقد أكد الغزالي هذا المنحى الخطير في مباحثه في النبوة، واتبع مذهب الفلاسفة القرامطة كابن سينا، وأصابه رشاشهم، بل صبوا عليه عقيدتهم صبا، وهذا ما سنبينه بالأدلة الدامغة لعلنا نقنع الدكتور البوطي أن الغزالي لم يشهد تاريخ الفلسفة رجلا مثله، ذهب ضحية الفلاسفة.

كما إن هذا الكلام أحسن دليل على أن كتابيه ( المضنون بهما) من تأليفه، فإن المادة واحدة.

يقول الغزالي في (الإحياء) كتاب التوحيد: (( فإن قلت كيف يتصور إلا يشاهد إلا واحد وهو يشاهد السماء والأرض، وسائر الأجسام المحسوسة وهي كثيرة، فكيف يكون الكثير واحدا؟، قال: فاعلم أن هذه غاية علوم المكاشفات وأسرار هذا العلم لا يجوز أن تسطر في كتاب، فقد قال العارفون: إفشاء سر الربوبية كفر)). (229/4)[22]

فعند الغزالي أن ما وصف الله به نفسه ووصفه به الرسول ليس هو الحقيقة، وإنما الحقيقة هي علم المكاشفة الصوفي، وهكذا كلما توغلت مع الغزالي في علومه ازددت توغلا في الغموض والباطنية.

وعلم المكاشفة عنده هو نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته، حاصله تجلي المعرفة اليقينية بذات الله سبحانه وتعالى وبصفاته وأفعاله، وبحقائق الأشياء،أي: ارتفاع الحجاب فيتجلى الحق في جميع الأشياء، وأن هذا الإشراق والمكاشفة لا يتم إلا بواسطة الرياضة التي تطهر القلب من تلك الخبائث العالقة به، فبقدر ما ينجلي القلب ويصقل بتلك الرياضات بقدر ما يحصل هذا العلم الذي لا يجوز أن يسطر في الكتب، ولا أن يتحدث به محصله إلا مع أهله على سبيل المذاكرة بطريق الأسرار؛ ولقد حاول أن يستدل عليه بحديث: (( إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله تعالى، فإذا نطقوا به لم يجهله إلا أهل الاغترار بالله تعالى، فلا تحقروا عالما أتاه الله تعالى علما منه، فإن الله عز و جل لم يحقره إذا أتاه إياه )[23] .

وهو حديث، الضعف الشديد باد عليه، فليس له إسناد صحيح وإن ذكره الهروي والغزالي وغيرهما، فإن ألفاظه لا تشبه ألفاظ الأحاديث الصحيحة، ومعناه تبطله الآيات الكثيرة والأحاديث المتواترة، والتكلف ظاهر عليه، كانه يستعطف الناس أن يجلوه ويحترموه، وأن يجعلوا له مكانة عندهم، فإن لم يكن عنده علم الشريعة فإن عنده علم الحقيقة!.

قال الطرطوشي عن الغزالي فيما نقله عنه الذهبي في ( السير)(19/334): (( لم يكن له علم بالأثار، ولا خبرة بالسنن النبوية القاضية على العقل.. شحن أبو حامد (الإحياء) بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا أعلم كتابا على بسيط الأرض أكثر كذبا منه، ثم شبكه بمذاهب الفلاسفة ومعاني (رسائل إخوان الصفا).)).

قلت: وقد بيّن مثل ذلك المازري و ابن الجوزي الذي قال: إنه لم يكن يعلم بضعف تلك الأحاديث أو أنها موضوعة.[24]

والحديث يعبر عن تلك المحاولة التي أراد الصوفية من خلالها تصدر علماء المسلمين بعزلهم الحديث وعلومه عن طريق الآخرة، واعتباره من علوم الظاهر،والظاهر عند الصوفية لا حقيقة له ولا اعتبار، وإنما الاعتبار للباطن وحده.

أما علم المعاملة عند الغزالي فهو العلم بأحوال القلوب وأعمالها، كالصبر والشكر واليقين والزهد والرضا وغيرها من أعمال القلوب.

فعلوم الصوفية ثلاثة أشياء: مكاشفة ومعاملة ورياضة، والرياضة عندهم ترويض النفس بحملها على المشاق كالصوم، والسياحة في البلدان، وترك الزاد، وعدم طلب الرزق، و إلاكثار من الذكر البدعي دون تقيد بسنة.

وهذا الذي تسميه الصوفية رياضة أقصد المشروع منه هو أعمال الإسلام المحمودة، فالصلاة والصوم، والحج والذكر، وقيام الليل، والاقلال من الطعام،والإنفاق في سبيل الله، والزهد في الدنيا من الأعمال التي شرعها الإسلام،فإن لم تكن بعضها من أركانه، فإنها من الأعمال الصالحة التي ندب إليها ورغب فيها، فهي على كل حال أعمال شرعية لا يصح، ولا يجوز تسميتها رياضة إلا في حدود التعبير عن بعض نتائجها، فإنه يمكن تسميتها مطهرات القلوب، أو مزكيات النفوس، أو مكفرات الذنوب وغير ذلك مما لا يدع أي حاجة لتسميتها رياضة كأنها فن أبدعته الصوفية، وليس عند غيرهم، فلا ينسب إلا إليهم.

وإذا كان الأمر كذلك، فما الحاجة إلى هذا العلم؟.

وحاصل رأي الصوفية البدعية والغزالي: أن علم المعاملة: سلوك وما يسمى بالمقامات والأحوال، وعلم المكاشفة: الفناء في توحيد الربوبية!

اجتمعت في الغزالي أفكار متضاربة متناحرة لست أشك أنه كان يعاني من إنفصام نفساني حاد، عبر عنه في كتابه (المنقذ من الضلال)، و ذكر حالة الشك والحيرة التي انتابته، والفراغ النفسي الذي عانى منه ما يزيد على أربعين يوما.

فهو في باب الصفات انتقل من التأويل إلى التفويض، وفي السلوك من التصوف العملي إلى التصوف الإشراقي الفلسفي، فهو في كتبه الصوفية صوفي، لكنه عقلاني منطقي، يولي العقل أهمية بالغة لا تجدها إلا عند المعتزلة والمشائين. ومن المعلوم أن الجمع بين العقل الاعتزالي الفلسفي والكشف الصوفي أمر يكاد لا يكون إلا عند الإشراقيين، فلا يوجد صوفي واحد يزعم في طريقته أن الحق يوصل إليه بطريق النظر، بل لا حق عندهم إلا ما كان من التجرد والكشف.

يقول الغزالي في (ميزان العمل) (ص:222) في آخر فقرة ختم بها كتابه: (( إذ الشكوك هي الموصلة إلى الحق، فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر،ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال)).

وهو بذلك يدعو المسلمين إلى الشك في معتقداتهم وعلومهم[25]، وأن يعيدوا فحصها على ضوء معطيات العقل الفلسفي، وليس التصوف عنده والكشف الصوفي إلا رياضة لاستفراغ النفس مما يعوق إقبالها على العلوم واستعدادها لتلقي العلوم، وبعبارة أخرى العلوم منتقشة في النفس كالنقش على الصينية، ولكن الشهوات كالغبار تحجب النقش فلا يظهر. (مشكاة الآنوار).

المحاور الأساسية لفلسفة الغزالي:

تدور مباحث الغزالي في أخريات كتبه على مبدأين أساسيين هما قطب رحى فلسفته الإشراقية:

الأول: مفهوم السعادة وكيفية إدراكها، فهو ككثير من بنى جنسه يصرح في (ميزان العمل ص:32): (( ثم تعلم أن الكمال الخاص بالإنسان هو حقيقة العقليات على ما هي عليه دون المتوهمات والحسيات التي يشاركه الحيوانات فيها، ثم تعلم أن النفس بالذات متعطشة إليه، وبالفطرة مستعدة له)).

فالسعادة عند الغزالي: (( بلوغ النفس كمالها الممكن لها، وتخليص العقل من رق الشهوات حتى يدرك الحقائق على ما هي عليه وهو في الدنيا)).[26]

فهو بهذا يقول: إن الله يعبد لأمر هو أشرف من طلب الجنة والحذر من النار، وقد بالغ في تأكيد هذا الاتجاه الفلسفي الإشراقي حتى أرجع كمال التقرب إلى الله سبحانه هو النظر إلى جمال حضرة الربوبية لا بالتعبد (ولا بأن تهدى إليه هدية بعبادتك فيفرح بها ويهتز لها فيرض عنك كما يتقرب إلى الملوك بطلب رضاهم وتحصيل أغراضهم فيسمي ذلك تقربا، تعالى الله وتقدس عن المعنى الذي يتصف الملوك به من السخط والرضى) (ميزان العمل ص:216).

وهذا الذي ذكرته عنه محض فلسفة الإشراق، التي تجعل من الله محض الجمال والمحبة، وتعد كل الصفات محض تشبيه، فليس الله عندهم إلا الحب والجمال،ومعلوم مروق هذا الفكر عن الشريعة ، قال تعالى: { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة } (الفتح:18)

وقال:{ الله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين }(التوبة:62)

وقال: { ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه } (محمد:28)

وقال: { أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله } (آل عمرإن:126)

صدق الله وأخطأ الغزالي، حقيقة العبودية طلب رضا الله واجتناب سخطه.

فهذا حال الغزالي يعاند القرآن ويتبع آراء أفلاطون المثالية في جدله التصاعدي.

يعتبر الغزالي إثبات الصفات الخبرية حمقا وبلادة، فهو يصف العامة بأنهم حمير! فيقول: (ص:216): (( وكيف تطمع في رتبة وأنت تعرف الحق بالرجال،بل أنت تعرف الحق بالحمر، فلا فرق بين العوام الذين لم يمارسوا العلوم، وبين حمر مستنفرة فرت من قسورة، أما تراهم كيف اعتقدوا في الله تعالى أنه جالس على العرش تحت مظلة خضراء إلى تمام ما اعتقدوه في المشتبهات، فأكثر الناس مشبهة (يريد إثبات الاستواء والصفات الخبرية) ولكن التشبيه درجات: فمنهم من يشبه في الصورة فيثبت اليد والعين والنزول والانتقال، ومنهم من يثبت السخط والرضى والغضب والسرور، والله تعالى مقدس عن جميع ذلك، وإنما أطلقت هذه الألفاظ في الشرع على سبيل وبتأويل يفهمها من يفهمها وينكرها من ينكرها )).

قلت: فسمى علماء الدين الذين يثبتون لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، وأثبته له سلف هذه الأمة حمرا، لأنه لا يوجد في المسلمين من يأخذ دينه وعقيدته عن العوام فلزم أنه يقصد أئمة الدين، فإن الذين أثبتوا هذه الصفات ابن عباس وابن مسعود والحسن وابن سيرين وعطاء ومالك والسفيانيين والشافعي وغيرهم، فهل هؤلاء حمر مستنفرة فرت من قسورة؟!.

فإن لم يكن يقصد هؤلاء، وكان يقصد أهل الحديث والسنة في وقته فهؤلاء لم يأخذوا اعتقادهم بالشك والحيرة، ولا باتباع أرسطو أو أفلاطون، ولكن بالمشافهة والنقل بالسند عن أولئك.

يقول الغزالي في هذا الإطار الذي نحن بصدده وهو كيف تدرك السعادة الكاملة في الدنيا والآخرة: (( وظائف الضعفاء ليست كوظائف الأقوياء في الدين: حتى قال بعض مشايخ الصوفية: من رآني في الابتداء قال: صديقا، ومن رآني في الانتهاء قال: زنديقا))

قال الغزالي: يعني أن الابتداء يقتضي المجاهدة الظاهرة للأعين بكثرة العبادات،وفي الانتهاء يرجع العمل إلى الباطن فيبقى القلب على الدوام في عين الشهود والحضور، وتسكن ظواهر الأعضاء، فيظن أن ذلك تهاون بالعبادات وهيهات! فذلك استغراق لمخ العبادات ولبابها وغايتها!، ولكن أعين الخفافيش تكل عن درك نور الشمس))(ميزان العمل ص:167).

قلت:إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قرب أجله ضاعف من العبادة بل كلما تقدم في السن تقدم في الاجتهاد كما في الاعتكاف و غيره، فقد أمره الله بعد أن أبلغه بدنو أجله بالتسبيح وإلاستغفار والتوبة كما في سورة الفتح، وقد نهض للصلاة وهو في سكرات الموت، فكيف تسكن ظواهر العابد وقد استقر الإيمان في قلبه، وأدرك لذة العبادة والمناجاة كما هو مفروض في المجتهدين،وكما هي العادة في المسلمين إذا طعنوا في السن، وقطعوا الرجاء من الدنيا، وقلت شهواتهم وسكنت نفوسهم ازدادوا عبادة وتهجدا، فلا يسكن الظاهر إلا عند البطالين وأصحاب سقوط التكاليف لمشاهدة القدر.

قال أبو مسلم الخولاني عندما قال له قائل حين كبر و رق: قصرت عن بعض ما تصنع؟ فقال : (( أرأيتم لو أرسلتم الخيل في الحلبة ألستم تقولون لفارسها دعها و ارفق بها حتى إذا رأيتم الغاية لم تستبقوا منها شيئا قالوا بلى. قال: فإني قد أبصرت الغاية وإن لكل ساعة غاية و غاية كل ساعة الموت فسابق و مسبوق)) (صفة الصفوة).

وقد أفصح الغزالي عن هذه النظرة المزرية للأحكام الشرعية في الصفحة (56) حين قال: (( حتى إني في الوقت الذي صدقت فيه رغبتي لسلوك هذا الطريق شاورت متبوعا مقدما من الصوفية في المواظبة على تلاوة القرآن فمنعني وقال: السبيل أن تقطع علائقك من الدنيا بالكلية بحيث لا يلتفت قلبك إلى أهل وولد ومال ووطن وعلم وولاية، بل تصير إلى حالة يستوي عندك وجودها وعدمها!)).

فانظر إليه وإلى شيخه المقدم!، قد جعل تلاوة القرآن من علائق الدنيا، ومما يشغل السالك عن العبادة الحقيقية واستفراغ القلب من الكدورات والعلائق المادية!.

هذه حقيقة عبادة الفلاسفة: التفكر بدون أن يستتبعه العبادة و التهجد، وهو ما يسمى بالعبادة العقلية، و التي على منوالها قال التوحيدي بالحج العقلي!

مصادر العلم عند الغزالي:

هذا التصوف الذي انتهى إليه الغزالي، يؤكده النقل من كتبه، بل قد صرح به في كتابه (ميزان العمل) عندما زعم أن تحصيل العلم الإلهي يدور على طريقين لا ثالث لهما: الكشف الصوفي والبرهان العقلي!.

(( طريق الكشف الصوفي هو تطهير محض وتصفية وجلاء بالمجاهدة، ثم استعداد وانتظار الفيض.

أما طريق الفلاسفة الذين لم ينكروا هذه الطريق ولكن استوعروها هو الاشتغال بتحصيل العلوم والبراهين، وذلك بتحصيل ما حصله الأولون ( اليونان) أولا، ثم لا بأس بعد ذلك بالانتظار لما لم ينكشف للعلماء الباحثين عن الأمور الإلهية)) (ميزان العمل ص:57)

وهذا الذي انتهى إليه الغزالي هو نفس ما انتهى إليه ابن سينا القرمطي في (مقامات العارفين)، صدق القشيرى عندما صرح أن الغزالي أمرضته كتب ابن سينا.[27]

والغزالي لتوضيح هذه الخلاصة التي انتهى إليها بعد طول بحث يضرب مثالا عن الطريقتين ملخصه أن أهل الروم وأهل الصين تباهوا بحسن التصوير والنقش عند ملك من الملوك، فسلم إليهم الملك صفة وطلب من الفريقين الاشتغال عليها، وجعل بينهما حجابا، فدخل أهل الروم ومعهم الأصباغ، ودخل أهل الصين ناحيتهم من غير أصباغ، وهم يصقلون جانبهم ويجلونه، فلما انتهى الروم قال أهل الصين: أنتهينا، فإذا بالصور والنقوش التي عملتها الروم قد انعكست وتلألأت من جهة أهل الصين لشدة ما صقلوا الصفة.

فعند الغزالي الصفة هي النفس، والروم هم الفلاسفة، وأهل الصين هم الصوفية، والنفس منقوشة من الداخل تقبل النقش من الخارج.

فطريقة الفلاسفة نقشها من الخارج بالتعلم والنظر والبرهان، وطريقة الصوفية تجلية النقش الداخلي بالتجرد والمشاهده. انظر (ميزان العمل ص:58 ).

وفي الصفحة(61) يقول: (( إن طريق الصوفية هو أفضل للمسن الذي لم يتعلم في شبابه، وطريق الفلاسفة هو أفضل للشاب الذي بدأ تعلمه مبكرا )).

هكذا جمع الغزالي بين التصوف والفلسفة،و أغفل النبوة تماما، وليس هذا إلا فلسفة الحكمة الإشراقية، دين الفارابي وابن سينا والسهروردي المقتول والفيلسوف الشيرازي، فأين دين الأنبياء والصحابة والتابعين؟!.

ثانيا: اعتنى الغزالي بالتدليل للحكمة الإشراقية في كتابه (مشكاة الآنوار) ومهد لها في كتابه الآخر (معراج السالكين) وكان شديد الاعتناء والحرص على إيجاد مستندات شرعية لفلسفته، فاضطر إلى اعتماد حديث العقل الموضوع المكذوب كأساس لفلسفته، وحرف معنى آية النور، ومعنى حديث الحجب فقال في (معراج السالكين ص: 6):

“(( إن لله سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره)).

قال: (( ليس المراد بالحجب إلا الطرق الموصلة إليه، فلو كانت براهين فهي حجب نور، ولو كانت شبها فهي حجب ظلمة ))!.

وشرع في تعطيل هذا النص عن مراده، وتحريفه كما يصنع الباطنية والملاحدة تمهيدا لنظريته الفلسفية الإشرافية، التي مفادها حسب شرحه لهذا الحديث أن الله محجوب عن خلقه بسبعين برهان، من لم يعرفها لم يعرف الله، فعليه بإدراك هذه البراهين العقلية، والجد بالعمل والتجرد لتنكشف له، فيصل إلى الحضرة الإلهية فينعم بالقرب وجمال هذه الحضرة وغير ذلك من أوهامه و سماديره الفلسفية.

فالطريق المعرفي عند الغزالي هو تعلم فلسفة اليونان و إحكامها، أو الاجتهاد في التجرد ثم انتظار أن يفيض عليك الحق و تشرق عليك الأنوار العلوية،أما اتباع الأنبياء قولا وعملا، فهذا طريق العوام الذين حجوبوا عن معرفة الحق!

هذا الحديث ورد في (صحيح مسلم) بغير اللفظ الذي ذكره به الغزالي، وليست فيه لفضة “الظلمة “، فقد رواه مسلم وغيره من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه بلفظ قال: (( قام بيننا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، فقال: (( إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه،يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سُبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه)) صحيح مسلم (1/423) كتاب الإيمان.

فهذا النور المذكور في هذا الحديث نور حقيقي رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، ففي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (( سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت ربك؟، قال: نور أنى أراه))

نقل ابن القيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية إنه قال: معناه: كان ثَم نور، وحال دون رؤيته نور، فأنى أراه،وهذا موافق لما في رواية أخرى عند مسلم: (( هل رأيت ربك؟، فقال: رأيت نورا )).

وعليه، نقل ابن القيم عن عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب الرؤية له: إجماع الصحابة على أنه لم ير ربه ليلة المعراج، وإن كان في مسألة الإجماع خلاف عن ابن عباس، فقد رجح شيخ الإسلام موافقته لبقية الصحابة حيث قال: (( ليس ذلك بخلاف في الحقيقة، فإن ابن عباس لم يقل رآه بعيني رأسه)). (بدائع التفسير) (258/3)

على كل حال الحديث صريح ولم يثبت عن أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة هذا التأويل الباطني الذي جاء في سياق إبطال الشريعة وجعلها أشبه بالجمعيات السرية التي لا يعرف حقيقتها أكثر أعضائها إلا القادة.

ومما يدلك على توغل الغزالي في الفلسفة الإشراقية التي هي وليدة الأفلاطونية المحدثة، قال البيروني في كتابه ( تحقيق ما للهند من مقولة ): قال بروقلس: التذكر والنسيان خاصان بالنفس الناطقة، وقد بان أنها لم تزل موجودة فوجب أن تكون لم تزل عالمة وذاهلة، أما عالمة: فعند مفارقتها البدن، وأما ذاهلة : فعند مقارنتها البدن، فإنها في المفارقة تكون في حيز العقل، فلذلك تكون عالمة، وفي المقارنة تنحط عنه فيعرض لها النسيان لغلبة ما بالقوة عليه)).

ومن ذلك أخذ ابن سينا قصيدته في النفس:

هبطت إليك من المحل الأرفع ورقاء ذات تعزز وتمنع

ومنه قول ابن عربي في (رسالة النفس): النفس جوهر روحاني فاض على هذا القالب وأحياه، واتخذه آلة على اكتساب المعارف والعلوم، حتى يستكمل جوهره بها ويصير عارفا بربه، عالما بحقائق مخلوقاته، فيستعد بذلك إلى الرجوع إلى حضرته، وليا من أوليائه في سعادة لا نهاية لها.))

قال الغزالي في(مشكاة الآنوار) في الموازنة بين العين الحسية والعين القلبية ما نصه: (( العقل أولى بأن يسمى نورا من العين الظاهرة لرفعة قدره عن النقائض السبع)).[28]

وقال مثل ذلك في (الإحياء){3/36}: (( البصيرة الباطنة هي عين النفس التي هي اللطيفة المدركة)).

قال الاسكندرانيون: هذا النور الباطن غير مكشوف في حياتنا هذه، لا يظهر إلا في بعض الأحيان لتراكم ظلمات الحس وغشاوة الشهوات عليه، فينبغي لمن يرغب في الكشف عما استتر في ضميره أن يجتهد في رفع الحجب المسبولة عليه، فأولها: حجاب الحس، وهو الظلام المتكاثف بموجب الطبيعة المادية،والأغراض الحيوانية على نوره المكنون في القلب.

قال أفلوطين في ( الكتاب التاسع): الحياة الكاملة المشبهة بالحياة الإلهية أن ينقطع المرء عن جميع الأمور الدنيوية والملاذ الدنيئة، ويهجر بنفسه إلى الإله)).

فملخص ما أخذه الفارابي وابن سينا والغزالي وابن عربي عن الاسكندرانيين في هذا المسألة هو التزاوج بين الفلسفة والتصوف، و كيف تدرك الحقيقة المطلقة عن طريق إدراك مقام الفناء في الربوبية قالوا:

على طالب الفلسفة أن يزيل أولا الحجاب العقلي، وهذا الحجاب ينشأ من الفكر وما يعتاده الإنسان من التصور والتحليل والتركيب، وأنواع القياسات إلى غير ذلك من أعمال الفكر، مما يعيق توجيه نظر العقل إلى النور الباطن المتعالي عن التغيير، والنابع من النفس، والذي حجبه حجاب العقل وحجاب الجسم الغليظ، فإذا انقشع غمام العقل وصحا جوه بلغ الإنسان السكون التام، وحصل على ما هو الغاية المطلوبة من الفلسفة على قول أفلاطون، وهي تزكية النفس من الكدورات،وحل الرباط الموجود بين الروح والبدن، فإنكشف للبصيرة حقيقة كنهها وتحققت ماهيتها، ورأت أنها من الإله إلهية، ومن النور نورانية فانفتحت عينها وشاهدت ما وراء الحجاب.

قال أفلوطين: وذلك أنه لا يمكن إدراك شيء إلا إذا كانت بين المدرك والمدرك نوع مشاكلة ومحاكاة، فما دامت النفس متلبسة بالطبيعة المتكثرة، لا تستطيع إدراك الواحد المحض البسيط، وإنما إذا تجردت عن العلائق الشخصية فكانها رجعت إلى حالتها قبل أن تهبط للعالم السفلي واستعادت إدراكها فتنزل عليها حينئذ الأنوار والفتوحات الإلهية.

قال في كتاب ( أثولوجيا): إن المرء الصالح إذا ألقى عن نفسه الأشياء الدنية وزين نفسه بالأعمال المرضية أفاض على نفسه النور الأول من نوره وصيرها بهية.

يكون ذلك كالبرق في بداية أمرها ثم تتصل الآنوار وتدوم فيما بعد بتغيب النفس عن الحس والإدراك، وتنتقل في عالم فوق طور العقل، وقد شاهد في فنائها ما لا عين رأت، قال: ومثل ذلك في غاية الندور في حياتنا الدنيا، لا يفوز به المرء إلا المرة والمرتين على فرض وقوعه.

وقد شهد أفلوطين على نفسه حسبما ذكره تلميذه فرفوريوس بحصول ذلك له أربع مرات، وما هذا إلا نموذج للحياة المقبلة المعدة لمن داوم على تصفية نفسه وواظب على الفكر والمراقبة من دون فتور.

قال ابن عربي في( فصوص الحكم): (( إن لك منك غطاء فضلا عن إلباسك في البدن، فاجتهد أن ترفع الحجاب وتتجرد، فحينئذ تلحق فلا تسأل عما تباشره، فإن مت فويل لك، وإن سلمت فطوبى لك، وأنت في بدنك تكون كأنك لست في بدنك وكانك في صقع الملكوت)).

قال في كتاب ( أثولوجيا) مقتبس من الكتاب الرابع من إلهيات أفلوطين: إني ما خلوت بنفسي، وخلعت بدني جانبا، وصرت كأني جوهر مجرد بلا بدن، فأكون داخلا في ذاتي خارجا عن سائر الأشياء، فأكون: العلم والعالم والمعلوم جميعا،فأرى في ذاتي من الحسن والبهاء والضياء ما أبقى له متعجبا بها، فأعلم إني جزء من أجزاء العالم الشريف الفاضل الإلهي، ذو حياة فعالة، فلما أيقنت ذلك، ترقيت بذاتي من ذلك العالم إلى العالم الإلهي، فصرت كأني موضوع فيها متعلق بها، فأكون فوق العالم العقلي كله فأرى كأني واقف في ذلك الموقف الشريف الإلهي فأرى هناك من النور والبهاء ما لا تقدر الألسن على صفته، ولا تعيه الأسماع، فإذا استغرقني ذلك النور والبهاء،ولم أقو على احتماله هبطت من العقل إلى الفكر والروية، فإذا صرت في عالم الفكر والروية، حجبت الفكرة، عن ذلك النور والبهاء.انظر (المذاهب الفلسفية) لسنتيلانتا.

فالعلم عند القوم إذن علمان: علم يتعلق بالعقل والأعمال الفكرية، وعلم يتعلق بالعين الباطنة، أي المكاشفة لا دخل للعقل فيه، ولا يمكن التعبير عنه بوجه،ولذلك انقسمت الفلسفة عندهم قسمين: قسم علمي ينظر في علل الموجودات وارتباطها بعضها ببعض، من العلة الأولى إلى أسفل دركاتها، ثم عروجها إلى مبدئها.

وفلسفة عملية: ترشد الطالب إلى الطريق الموصل لمبدئه، ثم علم مكاشفة لا يبلغ إليه إلا القليل النادر ممن اكتشف على الباطن في القلوب، وهو ذوقي محض لا يدرك إلا بتصفية الباطن، ثم العناية الإلهية.

فإذا قابلنا بين آراء أفلوطين وآراء الفلاسفة الإسلاميين كالفارابي وابن سينا وابن باجة، والرازي، والسهروردي والشيرازي والمتصوفة كالغزالي وابن مسرة وابن عربي وابن سبعين والقونوي وغيرهم، وجدناها متطابقة كل عقيدتهم في النفس، والعلم، والعقل، والفناء، والتجرد، والحقيقة، والعالم العلوي والعالم السفلي مأخوذة عن أفلوطين، وليس عن الكتاب والسنة،و العناصر اليهودية و المسيحية ظاهرة في فلسفة الاسكندرانيين ، مما يعني أن الفلاسفة المنتمين للإسلام لم يتصلوا بفلاسفة الإغريق مباشرة بل عن طريق وسطاء مزجوا فلسفتهم باليهودية و النصرانية،ثم أضاف عليها فلاسفة الإسلاميين العناصر الإسلامية و المتمثلة في بعض المصطلحات الشرعية و العربية.

قال الغزالي في( الإحياء): اِعلم أن علم طريق الآخرة قسمان: علم مكاشفة، وعلم معاملة، وعلم المكاشفة عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة، وينكشف من ذلك النور أمور كثيرة كأن يسمع من قبل أسماءها فيتوهم لها معاني مجملة غير واضحة، فتظهر إذ ذاك المعرفة الحقيقية بذات الله سبحانه، وبصفاته الباقيات التامات، وبأفعاله وبحكمه في خلق الدنيا والآخرة.

فنعني بعلم المكاشفة أن يرتفع الغطاء حتى يتضح له جلية الحسن في هذه الأمور اتضاحا يجري مجرى العيان الذي لا يشك فيه، وهذا ممكن في جوهر الإنسان،لولا أن مرآة القلب قد تراكم صدؤها وخبثها بقاذورات الدنيا.

وإنما نعني بعلم طريق الآخرة، العلم بكيفية تصقيل هذه المرآة عن هذه الخبائث التي هي الحجاب عن الله سبحانه وتعالى، وعن معرفة صفاته وأفعاله، وإنما تصفيتها وتطهريها في الكف عن الشهوات والاقتداء بالأنبياء صلى الله عليهم في جميع أحوالهم، فبقدر ما ينجلي من القلب ويحاذي به شطر الحسن يتلألأ فيه حقائقه)).

فهذا وجه المطابقة في هذه المسائل، ونفس كلام أفلوطين في الطرق المؤدية إلى العلم الإلهي يقول به الغزالي في (ميزان العمل)، و(الإحياء)، و(كيمياء السعادة)، و(إلجام العوام) و(المنقذ من الضلال)، وغيرها من كتبه،وكذلك يقول به ابن سينا وابن رشد نوعا ما.

فتجدهم في كتبهم يقولون: اختلفت الطرق المؤدية إلى علم الإلهيات فمن الطالبين من طلب إدراكه بالبحث والنظر، وهؤلاء زمرة الباحثين ورئيسهم: أرسطو وهذه الطريق أنفع للتعلم لو وفى بجملة المطالب، وقامت عليها براهين يقينية.

ومنهم من سلك طريق تصفية النفس بالرياضة، وأكثرهم يصل إلى أمور ذوقية يكشفها له العيان، ويجل أن توصف بلسان.

ومنهم من ابتدأ أمره بالحث والنظر وانتهى إلى التجريد وتصفية النفس، فجمع بين الفضيلتين، وينسب مثل هذا الحال إلى سقراط وأفلاطون والسهروردي)). انظر( كشف الظنون) و( إرشاد القاصد إلى أسمى المقاصد) و( الإشارات) و(ميزان العمل) للغزالي.

قالوا: وهذا العلم الباطن مما لا ينبغي إفشاؤه إلى غير أهله، ولذلك كان أفلاطون يعلم الناس علانية، ويلحق بذلك درسا خصوصيا للحكمة السرية المضنون بها على غير أهلها، لا يحضره إلا من يختاره من تلاميذه، فهي الحكمة التي لم يودعها الكتب تناقلت على لسان تلاميذه جيلا بعد جيل إلى أن وصلت إلى الاسكندرإنيين.

قال الفارابي في كتاب( الجمع بين أفلاطون وأرسطو): كان أفلاطون يمنع في قديم الأيام من تدوين العلوم وإيداعها بطون الكتب دون الصدور الزكية والعقول المرضية، فلما خشي على نفسه النسيان وذهاب ما يستنبطه اختار الرموز والألغاز قصدا منه لتدوين علومه وحكمته على السبيل الذي لا يطالع عليه إلا المستحقون لها)).

قال ابن أبي أصيبعة ناقلا عن بشر بن فاتك قال: (( كان أفلاطون يرمز حكمته ويسترها و يتكلم بها ملغوزة حتى لا يظهر مقصده إلا لذوي الحكمة)).

وكل هذا يقرب مما التزمه الصوفية من عدم إفشاء علوم المكاشفة عندهم، قال الغزالي في(الإحياء): (( المقصود من هذا الكتاب علم المعاملة فقط دون علم المكاشفة التي لا رخصة في إيداعها الكتب، وهذه هي العلوم التي لا تسطر في الكتب، ولا يتحدث بها من أنعم الله عليه بشيء منها إلا مع أهله، وهو المشارك فيه على سبيل المذاكرة وبطريق الأسرار، وهذا هو العلم الخفي)).

فكل ما يقوله الصوفية المتفلسفة من الرموز، و أن لغتهم مرمزة لحماية الحق عن غير أهله فأصله هذه الفلسفة، و لذلك لا تجد أحدا من كبار المشائخ العارفين قبل أن تدخل الفلسفة التصوف يقول بمثل هذه البدعة.

دعوى التوفيق بين الفلسفة و الدين:

قال الأفلاطونيون المحدثون: إن الفلسفة والعبادة عبارتان من معبر واحد، لا تختلفان إلا من حيث الأساليب والطرق مع اتحاد الغاية فيهما، فإن مطلوب الفلسفة يرجع إلى إصلاح القلب وتهذيب الأخلاق وإسعاف الإنسان على الرجوع إلى الإله ،ولا غاية للعبادة غير ذلك.

فالفيلسوف يطلب الإله عن طريق الفكر والعقل، والعابد يقصده بالذوق والقلب،وانتهاء الطريقين واحد، قال أفلوطين: الكشف عن الإله ثم الاتصال به والخلاف الموجود راجع إلى الظواهر، فإن الملل قد وضعت لتقريب الحقائق الإلهية للأفهام العامية فتلبست بقشور حسية مما يناسب أفكار الجمهور وعوائدهم.

قال برقلس: إن القصص و الروايات المتداولة عن الألهة تخفي الحسن عن غير أهله وتجليه لمن يستحق فهمه.

قالوا: ولا سبيل لذلك إلا التأويل، فإنا إذا أخذنا الاعتقادات على ظاهر معناها لا نتوصل بها إلا إلى الالتباس، قال فرفوريوس: إن عدم الإيمان أحسن من الإيمان بما تعتقد به العامة.

ومنه قال ابن رشد في( الكشف عن مناهج الأدلة): (( الصواب أن تعلم الفرقة من الجمهور التي ترى أن الشريعة مخالفة للحكمة أنها ليست مخالفة لها…. وأن الرأي في الشريعة الذي اُعتقد أنه مخالف للحكمة هو رأي: إما مبتدع في الشريعة لا من أصلها، وأما رأي خطأ في الحكمة أعني: تأويل خطأ عليها)).

الأدلة العقلية على القيمة الشرعية للدعوة السلفية:

لقد اختلف الناس منذ الزمان القديم وإلى يومنا هذا ومعهم المسلمون، في أقوم الطرق التي يجب أن يسلكها الإنسان في العلوم الإلهية ليعرف الحقيقة، ومن ثم يدرك السعادة بمعرفتها، والسعادة باتباعها.[29]

فمنهم من سلك طريق النظر والقياس والعقل ظنا منه أن العقل يفضي دائما إلى النتائج البرهانية، ولما وصل إلى حقائق الغيب توقف وعاد أدراجه بالمنهج التجريبي، عندما أدرك أن الغيب طور آخر لا مطمع للعقل أن يدركه أو يتجاوزه، فأحس الناس بالخيبة إذ أسمى الغايات وهي معرفة الخالق وأسرار هذا الخلق عجز عنه العقل، ولما عجز هذا النوع من العقل عن إدراك هذه المطالب العالية زعم ان الغاية من وجود الإنسان هو أن يتحرر هذا الإنسان ويترفه ويزدهر، فتبرير الهزائم فطرة مغروسة في عقل الإنسان جُبل على طلب الأسباب ومعرفة العلل ليعلم أنه حين لا يقدر على معرفة الأسباب وربط العلل بالمعلولات يستخلص أن هناك عالما وعلما ومعرفة يقصر دونها فعليه أن يلتمس إليه طريقا أخرى.

ولما كان العقل لا يعرف من طرق العلم المزدوجة معه إلا طريق المعرفة القلبية، فإنه أدرك منذ القدم أن جميع نظرياته مبنية على المعارف الضرورية التي يمده بها القلب، وأنه بدونها ينتهي إلى مرضه العضال وهو السفسطة ثم الوساوس.

فإذا كانت البديهيات مغروسة في فطرة الإنسان فيعني أن أحدا قد غرسها وحرص على أن يكون للقلب دور في مسالك العلوم.

إلا أن من أدرك هذه الحقيقة ظن أن المعرفة القلبية طورا أعلى من المعرفة العقلية، ولذلك أراد أن يستقل بها، مهملا المعرفة العقلية، فانتهى به هو الآخر الأمر إلى تعظيم الوله والحيرة والجنون، إذ المعرفة القلبية معرفة وجدانية شعورية تقود غالبا إلى تعظيم المطلق والكلي، والقلب أعجز المسلكين عن تبرير العلل الفرعية، ومعرفة الأسباب العقلية التي لابد للإنسان منها لإعمار الأرض وتحقيق جانبه المادي، فانتهى الأمر إلى الروحانية المفرطة التي أهملت الحياة وبأهمالها الحياة أهملت البناء الأساسي الذي تقوم عليه الروحانيةالحقة .

وعند المسلمين لم يختلف الأمر عن غيرهم، فإما الفلسفة والكلام والعقلانية، وإما الوجد والتجرد والروحانية، فما موقف أهل السنة والجماعة من كل هذا، وأية طريق سلكوا وما حجتهم؟.

إن الذي يلاحظه الباحث في هذا المجال لأول وهلة هو أن المسلمين كلهم أي من الطرق الثلاث يقرون ببعثة الأنبياء، ولكنهم يتعاملون مع مقام النبوة معاملة مختلفة، فأهل الكلام يعتبرون علم النبوة علما سمعيا نقليا، لا يحمل في طياته الأدلة العقلية، والبراهين المنطقية، ولذلك لابد عند توضيحه من الاستعانة بالطرق العقلية، والحجاج عنه ببراهين العقل وطرق الجدال، فدخلوا هذا المضمار، وانتهوا إلى ما يعرفه كثير من الناس إلى التناقض والحيرة أو تكافؤ الأدلة، وضياع الحق والحقيقة بين ذلك.

أما أهل التجرد والوجد فظنوا كأهل الكلام أن الأنبياء جاءوا بعلوم لتنظيم العامة وأن النبوة طور معرفي من أطوار المعرفة القلبية، ولذلك فإن ما يمكن أن يأخذ من النبي صلى الله عليه و سلم يمكن أن يأخذ بواسطة الرياضة والتجرد.


[1] ــ عندما أخرج أبو حامد الغزالي ـ رحمه الله ـ كتابه (تهافت الفلاسفة) فرح المسلمون بذلك، إذ جاء العمل الذي كانوا ينتظرونه من مدة طويلة وهو أن يقوم أحد بالدفاع عن الشرع أمام تسلط الفلسفة وتوسعها المفرط في المجتمع المسلم بدون مواجهة حقيقية يقوم بها رجل يعرف العقيدة الإسلامية، وله إحاطة بإشارات الفلاسفة وصناعتهم.

فلما رأوا الغزالي يهد الفلسفة المشائية ابتهجوا، ولكنهم قبل أن تنقضي فرحتهم إذا به يخرج عليهم بكتابه (معيار العلم)، فالفلسفة التي ذمها و هاجمها إذا به يأخذ بمنهجها في البحث ألا وهو المنطق، ثم ازداد عجبهم عندما أخرج بقية كتبه كـ(ميزان العمل) و(كيمياء السعادة) و(مشكاة الأنوار) و(معراج القدس) وغيرها، فارتمى نهائيا في أحضان فلسفة أخرى هي الفلسفة الإشراقية.

والدكتور البوطي يعرف هذا، فإنه بلا شك يعرف ماذا قال أئمة الأشعرية في الغزالي، وفي تورطه في الفلسفة، ولكن الرجل يفتقد إلى منهج علمي إسلامي صحيح يقيم به دينه، فتعظيمه لطائفته وأئمتها أعظم من تعظيمه للحقيقة الشرعية التي طالما راوغ في إخفائها، وها نحن اليوم نبين منزلته من التحقيق العلمي الذي يزعمه لنفسه.

فكان على فضيلة الدكتور البوطي أن يحاول أولا توجيه انتقادات الأئمة الأشعرية في الغزالي قبل أن يتعرض لابن تيمية فإن انتقاداتهم أشد وأنكى من انتقاد ابن تيمية للغزالي، فهو تقريبا لم يتعرض إلا للجانب الباطني لفلسفته، أما أئمة الأشاعرة فقد انتقدوه في الباطنية، وفي الفلسفة، والتصوف، وغيرها من مسائل.

وعليه، يظهر أن حكم الدكتور البوطي على الغزالي حكم عاطفي وليس بعلمي موضوعي.

[2] ــ قال الدكتور البوطي في كتابه ( السلفية…): (( إن شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ جلس على مائدة الفلسفة فتناول من أطباقها حتى شبع ثم قام و نهى غيره عن الأكل منها)).

أقول: الذي يظهر لي من هذا الكلام هو أن البوطي يعد الفلسفة طبقا شهيا، فهو يريد أن يتناول منها دون أن ينهاه غيره عن ذلك، فيفسد عليه طعامه !

فلم يفرق الدكتور بين من يدخل الفلسفة متشبعا بالكتاب والسنة لينقضها على أصحابها، معتقدا بطلانها وفسادها، وبين من يدخلها شاكا مرتابا معتقدا صلاحها، فيخرج منها نصفه نصف مسلم والنصف الآخر نصف مرتاب، لا هو مؤمن بالكتاب والسنة إيمانا صحيحا، ولا هو مؤمن بالفلسفة إيمان أصحابها بها.

نعم لقد جلس شيخ الإسلام على مائدة الفلسفة ليختم على أطباقها بعبارة:” هذا سم قاتل ” لا ليأكل منها، فإن مكانة الرجل من السنة والإيمان تبين إن كان قد أكل منها أم لا؟ والعبرة بالحقائق مهما شنع المغرضون والمرتابون والجاهلون.

قال الغزالي في ( المنقذ من الضلال ) (ص:45): (( و لعمري لما غلب على أكثر الخلق ظنهم بأنفسهم الحذاقة والبراعة و كمال العقل وتمام الآلة في تمييز الحق عن الباطل، والهدى عن الضلالة وجب حسم الباب في زجر الكافة عن مطالعة كتب أهل الضلالة ما أمكن إذ لا يسلمون عن الآفة الثانية التي ستذكرها أصلا)).

وقال في الصفحة (47): (( فإن من نظر في كتبهم كإخوان الصفا وغيره، فرأى ما ضربوه بكلامهم من الحكم النبوية والكلمات الصوفية، ربما استحسنها وقبلها، وحسن اعتقاده فيها،فيسارع إلى قبول باطلهم الممزوج به لحسن ظن حصل فيما رآه واستحسنه، وذلك نوع استدراج إلى الباطل، ولأجل هذه الآفة يجب الزجر عن مطالعة كتبهم لما فيها من الغدر والخطر (…) يجب صون الخلق عن مطالعة تلك الكتب ))، هذه هي الآفة الثانية التي تحدث عنها الغزالي.

فهذان خصمان قويان للدكتور البوطي فإلى من يلجأ، و قد رجع قول إمامه الغزالي إلى قول شيخ الإسلام بشأن النهي عن مطالعة كتب الفلسفة ؟! .

و إن كان الدكتور من الراسخين في العلم ، و انتهض للرد على المستطيلين على الإسلام من هؤلاء، ملبيا حاجة المجتمع الإسلامي إلى حراس لا يتركونه نهبا لمختلف التيارات الشرقية و الغربية، فلعمر الحق هذا من أعظم الجهاد في سبيل الله، و لكنه يعد الفلسفة طعاما شهيا، و يريد أن يعرض دينه على موازين العقل الفلسفي و المنطق اليوناني، و هل هذا قول علماء الشرع؟!

[3]ـ يعتبر محي الدين بن عربي الغزالي ممن تكلفوا في التوحيد بعيدا عن الحقائق، قال في (الفتوحات المكية){70/1}: (( فإنه يخالف سائر المعلومات من جميع الوجوه ،إذ لا مناسبة بين الله تعالى وبين خلقه البتة، وإن أطلقت المناسبة يوماً ما عليه كما أطلقها الإمام أبو حامد الغزالي في كتبه وغيره فبضرب من التكلف ومرمى بعيد عن الحقائق)).

وقال عنه أيضا{33/5}: ((ولا سيما في العلم الإلهي الذي لا يعلم لحقيقة إلا بإعلامه، فإنه يعز أن يدرك بالأعلام الإلهي، فكيف بالنظر الفكري، لذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التفكر في ذات الله، وقد غفل الناس عن هذا القدر فما منهم من سلم من التفكر فيها، والحكم عليها من حيث الفكر وليس لأبي حامد الغزالي عند نازلة بحمد الله أكبر من هذه، فإنه تكلم في ذات الله من حيث النظر الفكري في (المضنون به على غير أهله) وفي غيره، ولذلك أخطأ في كل مقاله وما أصاب، وجاء أبو حامد وأمثاله في ذلك بأقصى غايات الجهل، وبأبلغ مناقضة لما أعلمنا الله به من ذلك، واحتاجوا لما أعطاهم الفكر خلاف ما وقع به الأعلام الإلهي إلى تأويل بعيد لينصروا جانب الفكر على جانب إعلام الله عن نفسه ما ينبغي أن ينسب إليه تعالى، فما رأيت أحداً وقف موقف أدب في ذلك إلا خاض فيه على عماية إلا القليل من أهل الله، لما سمعوا ما جاءت به رسله صلوات الله عليهم فيما وصف به نفسه وكلوا علم ذلك إليه، ولم يتأولوا حتى أعطاهم الله الفهم فيه بإعلام آخر أنزله في قلوبهم، فكانت المسألة منه تعالى وشرحها منه فعرفوه به لا بنظرهم)).

هنا يعاقب ابن عربي الغزالي على اشتغاله بعلم الكلام و الفلسفة أو على كلامه عن صفات الله بهذين الفنين و كان عليه في نظره أن يخوض في هذه المسائل بعلم الصوفية أي دعوى الإلهام، الأمر الذي لم يلتزم به ابن عربي وراح يفسر عقيدة وحدة الوجود تفسيرا فلسفيا إغريقيا.

[4] – كتاب النبوات لشيخ الإسلام ابن تيمية ( ص: 119 ) طبعة دار الكتب العلمية بيروت 1985.

[5] ــ يقول الغزالي في (الإحياء) (25/1):(( علم الفقه مجاور لعلم طريق الآخرة لأنه نظر في أعمال الجوارح، ومصدر أعمال الجوارح ومنشؤها صفات القلوب )).

وقال: ((…. وأما الصلاة فالفقيه يفتي بالصحة إذا أتى بصورة الأعمال مع ظاهر الشروط، وإن كان غافلا في جميع صلاته من أولها إلى آخرها مشغولا بالتفكير في حساب معاملاته في السوق إلا عند التكبير، وهذه الصلاة لا تـنفع في الآخرة )) (23/1) المصدر نفسه.

ومعلوم ابتعاد هذا الرأي عن مقاصد الإسلام عموما وعن الفقه خصوصا، وهو نوع من الخطابة لإضعاف منزلة الفقه عند الناس، فمجرد نظرة عابرة في كتب الفقه عن مباحث النية والإخلاص والإطمئنان والاعتدال والخشوع، وغير ذاك من الأمور تفند مزاعم الغزالي برمتها.

وإن كان الرجل معذورًا لوجود هذه الصفات التي ذكرها في بعض منتحلي الفقه في زمانه أصحاب الحواشي والمتون ،الذين قال فيهم: (( أين رأيت الرغبة من طلبة العلم صادقة في الفقه الذي صلح عند من لا يخاف الله سبحانه و تعالى التذرع به إلى المباهاة والاستظهار بجاهه و منزلته في المنافسات)) (الإحياء 1/11).

وقال عنهم كذلك: (( و لو سئل فقيه عن معنى من هذه المعاني حتى عن الإخلاص مثلا أو عن التوكل أو عن وجه الاحتراز عن الرياء لتوقف فيه مع أنه فرض عينه الذي في إهماله هلاكه في الآخرة، و لو سألته عن اللعان والظهار والسبق والرمي لسرد عليك مجلدات من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها)) (الإحياء 26/1) – فإن الكلام هنا عن الفقه الشرعي، وفساد نوع من الفقه أو الفقهاء لا يعني فساد جنس الفقه أو الفقهاء، فإن فقه الحديث الذي هو فقه السلف لا يزال والحمد لله إلى اليوم كما كان فقه السنة والأثار.

لقد بلغ تذمر الغزالي من فقه زمإنه درجة جعلته يعتبره نوعا من السياسة والأحكام السلطانية فقال:” فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده إلى طرق سياسة الخلق وضبطهم لتنتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا (….) وحاصل فن الفقه معرفة طرق السياسة والحراسة )) (الإحياء 23/1).

فجعل تعلق الفقه بالآخرة كتعلق اللباس بالصلاة إذ لا تجوز صلاة العريان بغير عذر!.

ومع ذلك نقول: لقد أصاب الغزالي ووفق إلى حد بعيد عندما قال: (( وأدنى درجة الفقيه أن يعلم أن الآخرة خير من الدنيا)) (الإحياء 13/1).

فمن لم يجعل الفقه مطية للآخرة كما يفعله بعض من ابتلي بهم أهل السنة والأثار في كل زمان ومكان أولئك الذين لم يجدوا منفذا لنشر فقههم وآرائهم العقيمة إلا الفتاوى القضائية والأحكام السلطانية الجائرة، بل قد بلغ بهم الإسفاف أن رجحوا في مسائل اجتهادية بأحكام قضائية فخالفوا إجماع المسلمين على أن قول القاضي ليس إلا قول آحاد العلماء يقبل إن كان بدليل وإلا فهو قول من جملة الأقوال.

[6] ــ لقد صنف الغزالي كتابه (الإحياء) للدعوة إلى سلوك التصوف باعتباره أقوم الطرق أو قل الطريق الوحيد عنده للوصول إلى السعادة الأبدية، وعليه لم يكن هذا القصد ليدع له فرصة لمدح الفقه، و” الفقهاء أعداء المتصوفة ” فحط عليه وأراد أن يصرف همم طلبة العلم عن الاشتغال به حتى قال: (( فكيف يظن أنه علم الظهار واللعان والسلم والاجارة والصرف، ومن تعلم هذه الأمور ليتقرب بها إلى الله تعالى فهو مجنون، وإنما العمل بالقلب والجوارح في الطاعات والشرف هو تلك الأعمال))(الإحياء:24/1).

[7] ــ يرجع الغزالي سبب ظهور الكلام وانتشاره إلى الملوك والأمراء الذين كانوا يحفزون الناس للاشتغال بهذه الأمور لأن نفوسهم تميل إلى طلب الغلبة وغير ذلك، يقول: (( فعلمت رغبته إلى المناظرة والمجادلة في الكلام فأكب الناس على علم الكلام وأكثروا فيه التصانيف، ورتبوا فيه طرق المجادلات واستخرجوا فنون المناقضات في المقالات وزعموا أن غرضهم الذب عن دين الله والنضال عن السنة وقمع البدعة (….) ولو مالت نفوس أرباب الدنيا إلى الخلاف مع إمام آخر من الأئمة أو علم آخر من العلوم لمالوا أيضا معهم، ولم يسكنوا عن التعلل بأن ما اشتغلوا به هو علم الدين وأن لا مطلب لهم سوى التقرب إلى رب العالمين )) (الإحياء: 45.44/1).

فهل يتوافق هذا الكلام مع قول البوطي: (( إنه الحجاج عن العقائد بالعقل))؟!.

بل الكلام عند الغزالي شديد الضرر على المسلمين من ناحيتين اثنتين، يقول: (( أما مضرته فإثارة الشبهات وتحريك العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم فذلك مما يحصل في الابتداء ورجوعها بالدليل مشكوك فيه، ويختلف فيه الأشخاص، فهذا ضرره في الاعتقاد الحق الأول: وله ضرر آخر في تأكيد اعتقاد المبتدعة للبدعة، وتثبيته في صدورهم بحيث تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه)) (الإحياء:91/1).

[8] ــ مما لا شك فيه عند أحد من الناس أنه لا يوجد في المتأخرين من الأشعرية من كان له إلمام بعلم الكلام كما كان للغزالي، بل لا يوجد عندهم قديما وحديثا من كان يعرف الفلسفة والمنطق مثل معرفته، يدلك على ذلك أنه لا يوجد شخصية تناولها الأشعرية والفلاسفة بالدراسة وتترسوا خلفها مثل ما فعلوه معه، ومع ذلك فاسمع إليه يقدم إليك خلاصة علمه وتجربته بما يقنعك إقناعا تاما بخطورة الاشتغال بعلم الكلام، وزِنْ كلامه بكلام البوطي يظهر لك مدى الفرق بينهما:

يقول في (الإحياء) (92/1): ((… فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه، وهيهات فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف، لعل التخبـيط والتضليل فيه أكثر من الكشف والتعريف، وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا، فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة، وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين، وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخر تـناسب نوع الكلام وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود، ولعمري لا ينفعك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور ولكن على الندور في أمور جلية تكاد تفهم قبل التعمق في صنعة الكلام )).

هذا هو علم الكلام عند الغزالي طريق مسدود، قد تتعلم منه أن الله موجود وأن السماء مخلوقة!.

[9] ــ كون علم الكلام يحفظ عقيدة العوام يمكن رده بكلام الغزالي نفسه: (( فقس عقيدة أهل الصلاح والتقى من عوام الناس بعقيدة المتكلمين والمجادلين فترى اعتقاد العامي في الثبات كالطود الشامخ لا تحركه الدواهي والصواعق، وعقيدة المتكلم الحارس اعتقاده بتـقسيمات الجدل كخيط مرسل في الهواء تفيئه الرياح مرة هكذا ومرة هكذا )) ( الإحياء: 89/1).

ويقول في الصفحة (28/1): ((والمتكلم إذا تجرد للمناظرة والمدافعة ولم يسلك طريق الآخرة ولم يشتغل بتعهد القلب وصلاحه لم يكن من جملة علماء الدين أصلا، وليس عند المتكلم من الدين إلا العقيدة التي يشاركه فيها سائر العوام (..) وإنما يتميز عن العامي بصنعة المجادلة والحراسة )).

[10] ــ الأشعرية عندهم لا يكون العالم إماما في التوحيد، حتى يكون إماما في علم الكلام البدعي، لأن التوحيد عندهم هو ما يسميه السلف ” الكلام المذموم”، والتوحيد عندهم شيء آخر غير ما هو عند السلف، فمفهوم التوحيد عند المتكلمين له ثلاثة معاني:

التوحيد عند المتكلمين:

المعنى الأول:

أن معنى اسم الله الواحد أنه الذي لا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتعدد ولا يتركب ولا يقصدون من هذه الألفاظ أنه لا ينفصل بعضه عن بعض، وأنه لا يكون إلهين اثنين أو أكثر كما تقول النصارى والمشركين الذين جعلوا الإله متعددا كما يقصد السلف من معنى اسمه الواحد، وإنما مرادهم بذلك أنه لا يرى يوم القيامة، لأنه في زعمهم إذا رؤي كان في جهة،وما كان في جهة كان جسما، وما كان جسما كان متبعضا قابلا للإنقسام والتجزؤ وغير ذلك من ضلالتهم الفلسفية المنطقية الإغريقية.

فحقيقة قولهم: أنه لا يمكن الإشارة إليه، ولا يعلم منه شيء دون شيء فليس له في نفسه حقيقة عندهم قائمة بنفسها يمكنه هو أن يشير منها إلى شيء دون شيء، أو يري عباده منها شيئا دون شيء، بحيث إذا تجلى لعباده يريهم من نفسه المقدسة ما شاء، فهذا المراد عندهم بكونه لا ينقسم ويسمون ذلك” نفي التجسيم!”، إذ كل ما ثبت له ذلك كان جسما منقسما مركبا،والباري منزه عندهم من هذه المعاني.( التسعيينة):{781/3}.

المعنى الثاني:

هو الذي لا شبيه له، وهذه الكلمة أقرب إلى الإسلام، لكن أجملوها فجعلوا نفي الصفات أو بعضها داخلا في نفي التشبيه، فالمعتزلة زعموا أن نفي العلم والقدرة وغير ذلك من التوحيد ونفي التشبيه والتجسيم، والأشعرية زعموا أن نفي الصفات الخبرية كالاستواء والنزول واليد وغيرها، ونفي الصفات الاختيارية كالكلام وغيره من التوحيد ونفي التشبيه والتجسيم،وجعلوا هذا النفي هو أصل الدين الذي يكفر مخالفه، كما ذكر ذلك الجويني في ( الإرشاد) وعبد القاهر البغدادي في ( أصول الدين).

المعنى الثالث:

هو أنه سبحانه لا شريك له في الملك، بل هو رب كل شيء، وهذا معنى صحيح، وهو حق وهو أجود ما اعتصموا به من الإسلام في أصولهم، حيث اعترفوا فيها بأن الله خالق كل شيء ومربه ومدبره، فلم يعرفوا من التوحيد إلا توحيد الربوبية، ومع ذلك أخلوا بهذا التوحيد أيضا، فأنكروا ما خلقه الله من الأسباب، وأنكروا ما نطق به الكتاب والسنة من أن الله يخلق الأشياء بعضها ببعض، فنفوا من أجل ذلك الحكمة، والقدرة التامة، وعندما أرادوا إثبات هذا التوحيد أثبتوه بطرق ملتوية طويلة بعضها فاسد، وبعضها ضعيف كثيرة مقدماته، ولم يعولوا على الفطرة وأنها تدل على الخالق بالضرورة، ولذلك كان كلامهم في الطبيعيات يقود إلى السفسطة. (انظر رسالتي : الأصول الإغريقية السفسطائية لعقيدة الأشاعرة في الأسباب)

فهذه هي معاني التوحيد عند المتكلمين وفيها من البدع ما يخالف الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة الشيء العظيم.

وهذا هو مفهوم التوحيد عند المتكلمين، فمن كان عالما بهذه المقالات، قائلا بها، فهو من أئمة التوحيد، ومن لم يكن كذلك، فليس هو من أهل التوحيد ولا من أئمته، والرد عليهم سنذكره في موضعه ( نقض مفهوم التوحيد عند الأشعرية).

ولكن لا بأس أن نمثل على هذا الظن بما قاله: أبو بكر بن العربي في كتابه( العواصم من القواصم)(جزء الكلاميات)، فإنه ذكر قصة تخص الحافظ أبا بكر الإسماعيلي، صاحب رسالة ( اعتقاد أهل الحديث ) مفادها أنه لم يكن من أئمة التوحيد، فلا بأس من مناقشته وبيان عورات كلامه و عيوبه:

زعم أبو بكر بن العربي في ( العواصم من القواصم ) أن هذا الحافظ كان شديد الذم للكلام وأهله، ومع ذلك استفاد منه في أحرج المواقف التي صادفته، فأحببت أن أبين من خلال هذه الفقرة قوة احتجاج الاسماعيلي وإن لم يتلبس كلامه بالعبارات الهائلة، والمصطلحات الباهرة التي يحسبها غالب الناس علما، وليست هي في الحقيقة بأمر ذي بال، بل إن صحت فهي من قبيل النقض فقط، وأنه لم يكن في حاجة إلى الكلام ليرد على المبتدعة على اختلاف أصنافهم.

مناقشة أبي بكر بن العربي فيما ادعاه على الإسماعيلي:

قال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي الأشعري في كتابه ( العواصم من القواصم )( جزء الكلاميات)(ص: 66): (( وشرح ذلك أن الإمام أبا بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي الجرجاني قال: (( كنت أبغض الناس في من يقرأ علم الكلام)).

وذلك لأنه كان مقدما في علم الحديث، عارفا به، قال: (( فدخلت يوما الري فعمدت إلى جامعها فدخلته واستقبلت سارية أركع عندها، و إذا فيما يجاورني رجلان وهما يتذاكران علم الكلام، فتطيرت بهما، وقلت في نفسي: أول مادخلت هذا البلد سمعت فيه ما أكره، وجعلت أخفف الصلاة، حتى أبعد منهما، فعلق بي من قولهما: إن هؤلاء الباطنية أسخف خلق الله عقولا، وينبغي للنحرير أن لا يتكلف لهم دليلا، ولكن يطالبهم بلم؟، فلا قبل لهم بها، ولا معدل معهم عنها، وسلمت مسرعا، وشاء الله بعد ذلك أن يكون رجل من الإسماعيلية، وهم القرامطة يلقون الأمر إلى معرفيهم، فكشف القناع في الإلحاد وجعل يكاتب وشمكير الأمير،يدعوه إلى الإلحاد، ويقول له : إني لا أقبل دين محمد إلا بالمعجزة، فإن أظهرتموها رجعنا إليكم، وانجرت الحال إلى أن اختاروا رجلا جلدا منهم، له دهاء ومنة، فورد على وشمكير رسولا، فقال له: إنك أمير، ومن شأن الأمراء والملوك أن تتخصص عن العوام، ولا تقلد في عقيدتها، وإنما حقهم أن يفحصوا عن البراهين، فقال له وشمكير: اختر رجلا من أهل مملكتي، و لا أنتدب للمناظرة بنفسي ، فيناظره بين يدي، فقال له الملحد: اخترت أبا بكر الإسماعيلي لعلمه بأنه ليس من أهل التوحيد، وإنما كان أماما في الحديث، ولكن كان وشمكير يعتقد فيه أنه أعلم أهل الأرض بأنواع العلوم، فقال له وشمكير: تيك مرد، أي: رجل جيد، فأرسل الملك إلى أبي بكر الإسماعيلي بجرجان ليرحل إليه إلى غزنة، حتى يناظر الإسماعيلي لِما كان يسمع من ذكره، وإمامته في الحديث.

والملك بعاميته يعتقد أنه قائم على كل علم، وأنه ليس فوقه أحد، ولا وراءه مطلب، فلم يبق أحد من العلماء إلا يئس من الدين، وقال سيبهت الإسماعيلي الكافر مذهبا، الإسماعيلي الحافظ نسبا، ولم يمكنهم أن يقولوا للملك: لا علم عنده لئلا يتهمهم بالحسد، فلجأوا إلى الله أن ينصر دينه وعولوا عليه، قال الإسماعيلي: فلما جاءني البريد، وأخذت في المسير، وتدانت الدار، قلت: إنا لله، وكيف أناظر فيما لا أدري، وأتكلم بما لا أعلم، هل أتبرأ عند الملك أولا،وأرشده إلى من يحسن الجدل، ويعلم حجج الله في خلقه على صحة دينه، وندمت على ما سلف من عمري، ولم أنظر في شيء من علم الكلام، ثم أدركني الله ما كنت سمعته من الرجلين بجامع الري فقويت نفسي، وعولت على أن أجعل ذلك عمدتي، وبلغت البلد، وتلقاني الملك واستراح، ثم جمع الخلق، وحضر الإسماعيلي المذهب مع الإسماعيلي النسب، وقال الملك للإسماعيلي الباطني: اُذكر قولك يسمعه الإمام، فلما أخذ في ذكره، واستوفاه قال له الاسماعيلي الحافظ: لم؟، فلما سمعها الملحد قال: هذا إمام قد عرف مقالتي، فبهت، فقال له الملك ” إذ ناشمند ورضين” ورجع إلى أصحابه وهو يشير إلى الإسماعيلي، وهو يقول” أجور مردد إنشمند” وروي أنه قال :” يا كشنخان خوستي كه بيك” فرد مناظره وطرده، قال الاسماعيلي:فخرجت من ذلك، وأمرت بقراءة علم الكلام، وتحققت أنه عمدة من عمد الإسلام)) انتهى كلام ابن العربي.

قلت: هذه القصة فيها مدح كبير لعلم الكلام الذي كان السلف قاطبة يذمونه، وقد احتج بها أبو بكر بن العربي وهو متكلم صناعته الكلام والجدل، ومذهبه في العقيدة يخالف مذهب الإسماعيلي والسلف، بل هو فاسد الرأي في أهل السنة والحديث، وإن كان يمتاز عن غيره من المتكلمة بقربه من الشرع أكثر منهم، فلقد كانت له بعض الدراية بعلم الحديث، ومساهمة في الفقه المالكي، وفيه نوع دفاع عن الشرع ضد مبتدعة الأحكام كالصوفية، غير أنه في الأصول كان على طريقة المتكلمة يعتقد أن ذلك هو الحق.

وعلى قصته استدراكات نوجزها فيما يلي:

1ـ لم يذكر أبو بكر بن العربي سند القصة، ولا موضعها من كتب الاسماعيلي، فإنه قال: “قال الإسماعيلي”، ولم يعين في أي كتاب أو رسالة، وللإسماعيلي من الكتب: (اعتقاد أهل الحديث) ولا توجد فيه، ( مسند عمر بن الخطاب) و( المستخرج على الصحيح) و ( العوالي) و ( الفرائض ) وهذه كتب حديث عدا ( الفرائض) فاحتمال وجود هذه القصة فيها ضعيف، كما له كتاب آخر هو ( المعجم) وهو مطبوع بتحقيق الدكتور: زياد بن منصور كما ذكر الدكتور الخميس، وهو غير متوفر لي لأنظر فيه هذا الوقت.

قال ابن تيمية في ( الدرء)(215/3):” وما نقله عنه[ يقصد القاضي أبا يعلى الفراء] أبو بكر بن العربي في (العواصم) كذب عليه عن مجهول لم يذكره أبو بكر وهو من الكذب عليه مع أن هؤلاء – وإن كانوا نقلوا عنه ما هو كذب عليه ففي كلامه ما هو مردود نقلا وتوجيها وفي كلامه من التناقض من جنس ما يوجد في كلام الأشعري والقاضي أبي بكر الباقلاني وأبي المعالي وأمثالهم ممن يوافق النفاة على نفيهم ويشارك أهل الإثبات على وجه يقول الجمهور: إنه جمع بين النقيضين.

ويقال: إن أبا جعفر السمناني شيخ أبي الوليد الباجي قاضي الموصل كان يقول عليه ما لم يقله: ويقال عن السمناني أنه كان مسمحا في حكمه وقوله)).

قلت: قال ابن حزم في(الفصل في الملل و النحل){37/2} في السمناني: (( إن الله حامل لصفاته في ذاته هذا نص قول أبي جعفر السمناني المكفوف قاضي الموصل وهو أكبر أصحاب الباقلاني ومقدم الأشعرية في وقتنا هذا وقال هذا السمناني ـ أيضاً ـ من سمى الله تعالى جسماً من أجل أنه حامل لصفاته في ذاته فقد أصاب المعنى وأخطأ في التسمية فقط وقال هذا السمناني إن الله تعالى مشارك للعالم في الوجود وفي قيامه بنفسه كقيام الجواهر والأجسام و أنه ذو صفات قائمة به موجودة بذاته كما ثبت ذلك فيما هو موصوف بهذه الصفات من جملة أجسام العالم وجواهره هذا نص كلام السمناني حرفاً حرفاً..)).

ونقل هذا الكلام عن ابن حزم الذهبي في (سير أعلام النبلاء){651/17}.

2 ـ رواية المخالف المخاصم غير مقبولة عند أهل العلم، والقاضي أبو بكر العربي مخاصم لأي يعلى في علم الكلام، داع إلى علم الكلام، بل يناظر عليه ويجادل من أجله، ولو كان لهذه القصة سند لذكره كما فعل في مواطن من كتابه، كذلك لو كان لها كتاب مسمى لذكره، قال في ( العواصم){ ص:283}: (( أخبرني من أثق به من مشيختي أن أبا يعلى محمد بن الحسين الفراء، رئيس الحنابلة ببغداد، كان يقول: إذا ذكر الله تعالى وما ورد من هذه الظواهر في صفاته، يقول: ألزموني ما شئتم فإني ألتزمه إلا اللحية والعورة))!.

قلت: هذه المقالة مشهورة نسبتها إلى الكرامية كما في كتب المقالات، وأبو يعلى لم يثبت عنه مثل هذا الكلام بل ثبت عنه شيء من التأويل المذموم في الصفات، والقاضي المتكلم لم يذكر من هم مشيخته الذين حكوا له هذه الحكاية، والغالب على الظن أنهم بعض خصوم الحنابلة كالسمناني شيخ شيخه الباجي، خاصة إذا علمنا أن القاضي أبا يعلى الفراء، كان رئيس الحنابلة في فتنة ابن القشيري في بغداد، عندما بدأ يدرس في النظامية عقيدة المتكلمين، وأنه كان المتسبب في طرد ابن القشيري من بغداد، بالتعاون مع الشريف جعفر الحنبلي.

وقد ذكر أبو بكر بن العربي في الصفحة (282) عن جماعة من أهل السنة ( في مفهومه) بمدينة السلام ( بغداد) أنه ورد بها الاستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري الصوفي من نييسابور، فعقد مجلسا للذكر، وحضر فيه كافة الخلق، وقرأ القاريء:{ الرحمـن على العرش استوى}، قال لي أخصهم: فرأيت ـ يعني الحنابلة ـ يقومون في أثناء المجلس ويقولون: قاعد، قاعد بأرفع صوت، وأبعده مدى ،ثم ذكر عنهم الحرف والصوت وغير ذلك.

قلت: ولا ريب أنه يوجد في الحنابلة غلاة في الإثبات في ذاك الزمان، لكن هذا الذي نسبه للقاضي أبي يعلى لا أثر له في كتبه، ولم يذكره عنه أئمة النقل والتاريخ، وإنما هو نتاج الصراع الحاد الذي كان قائما بينه وبين الأشعرية في بغداد، فوضعوا عليه مثل هذه القصص، كما وضعوا مثلها على البربهاري والأنصاري، بل و ضعوا صنما من نحاس في محراب الأنصاري وأخبروا الملك بأنه يعبد الأوثان، وهي قصة ثابتة في( سيرأعلام النبلاء)، فتلك كانت حالة التعصب المقيت الذي مرت به الأمة، ولا تزال تتجرع مرارته بسبب بعض من يحييه فيها كالدكتور البوطي.

وعليه، فقصته من نسج الفتنة التي أحدثها القشيري في بغداد، والقشيري معروف بأنه أخذ اِعتقاده من أبي بكر بن فورك، وتفقه على أبي إسحاق الاسفرائيني، وصحب أبا علي الدقاق وتزوج ابنته ولم يكن الدقاق أشعريا، وهو في رسالته عن اعتقاد الصوفية ينصر عقيدة ابن كلاب، وما يذكره عن مشايخ الصوفية، إما ألفاظ يأولها في غير محلها، أو ما فهمه هو عنهم، بل قد قال شيخ الإسلام في ( الاستقامة){84/1}: (( عامة المشايخ الذين سمأهم أبو القاسم في (رسالته) لا يعرف عن شيخ منهم أنه كان ينصر طريقة الكلابية والأشعرية، التي نصرها أبو القاسم، بل المحفوظ عنهم خلافها، ومن صرح منهم فإنما يصرح بخلافها، حتى شيوخ عصره الذين سمأهم)).

وبهذا يسقط الاحتجاج بكلامه في نقل الأخبار في مسائل العقائد، إن لم يذكر سنداً يمكن النظر فيه، والحكم عليه بناءً على النقد الحديثي.

بيان سوء ظن ابن العربي في أهل السنة:

وأبو بكر بن العربي كان سيء الظن في أهل السنة قال في الصفحة {280}: (( وقد بينا في غير موضع إن الكائدين للإسلام كثير، والمقصرون فيه كثير، وأولياؤه المشتغلون به قليل، فمن كاده الباطنية، وقد بينا جملة أحوالهم، وممن كاده الظاهرية، وهم طائفتان: أحداهما: المتبعون للظاهر في العقائد والأصول[ يقصد الظاهرية كابن حزم ]، الثانية: المتبعون للظاهر في الأصول [ يقصد أهل السنة والجماعة كأهل الحديث]، وكلا الطائفتين في الأصل خبيثة، وما تفرع عنهما خبيث مثلهما، فالولد من غير نكاح لغية، والحية لا تلد إلا حية، وهذه الطائفة الأخذة بالظاهر في العقائد، هي في طرف التشبيه، كالأولى في التعطيل)).

فأهل السنة عنده طائفة خبيثة كالباطنية، كائدة للدين تريد إبطاله وهدمه، لا حول ولا قوة إلا بالله كيف أفقدت البدعة و التعصب لها من له بعض العقل عقله وأدخلته في صنف الذين لا يعتد بأقوالهم بله النظر فيها، وبذل الجهد لردها فقد حكم على نفسه وأئمته بالخبث والكيد للدين، فما يذم به أهل الحديث تذمه به المعتزلة والمتفلسفة، فإن ذم أهل الحديث بإثبات الصفات ذمته المعتزلة والمتفلسفة بإثباته لبعضها ثم ألا يعقل هذا الرجل ما يقول، إلا يعلم ما عليه الأشعري من اعتقاد في كتابه( الإبانة) وما صرح به في( المقالات) وعقيدة الباقلاني والباهلي وغيرهم في إثبات الصفات الخبرية معروفة مشهورة، ولكنه ولد الغزالي ولا يلد الحيران إلا حيران مثله.

وإذا كانت هذه نظرة أبي بكر بن العربي المتكلم الطاعن في السنة وأهلها في أصول الدين، وعلم الكلام لم يكن حجة في نقل الأخبار المتعلقة بالتوحيد، والأخبار المنقولة عن أهل السنة إلا بذكر السند الصحيح، خاصة وأنه ينقل عن مثل شيوخه كالقشيري و الباجي و السمناني، وينقل عن أهل السنة من أهل الحديث ما لم يقف عليه من كتبهم وكلامهم، فهو ضعيف المعرفة بمقالات أهل الحديث في الاعتقاد، بل لا يعرف قول إمام أهل السنة أحمد بن حنبل في الرد على الجهمية، ولا يعرف قول أئمة المالكية أمثال: عبد العزيز بن الماجشون، وابن وهب وابن القاسم، وأشهب، وجل ما يعرفه تلقاه مشافهة من أصحابه أو من كتبهم.

وهو كسلفه يحكي عن أهل الحديث أنهم نابتة، وحشوية، وغثاء، وغثر، ومجسمة، ومشبهة،وهو شديد الإعجاب بنفسه يمدح نفسه على لسان خصومه من الباطنية الذين كان يجالسهم بالقدس وصيدا وصور، وحصون البحر بالشام، ويشهد لهم بالوفاء وحسن العشرة كما تراه في كتابه ( العواصم) الجزء الثاني، فقد شحنه بذكر الباطنية، فهو وأمثاله إذا ناظروا الباطنية في الإمامة وتولية المفضول وظهروا عليهم بالقول ظنوا أنهم نصروا السنة ونصروا الدين، ورأوا أنهم هم أهل السنة بحق، لقد رحل ابن العربي إلى المشرق رفقة والده للقاء الغزالي لغرضين، الأول ذكره في كتبه، وفي كتابه ( ترتيب الرحلة) وهو الاستفادة من العلم، والثاني لم يذكره إلا عبرا وهو مهمة سياسية كلفه بها سلطان المرابطين يوسف بن تاشفين ليحصل له من الغزالي على فتوى تشرع ولاية المرابطين على الأندلس، وقد تحصل على مرسوم بذلك، ورسالة توصية من الغزالي يطالب يوسف بن تاشفين الاعتناء بأبي بكر بن العربي، فلذلك لم يتعرض للأذى من المغاربة الذين أكثر الشكوى والتذمر منهم في كتابه ( العواصم) وأخبر ما جرى لبقية أهل العلم، فإن سلم منهم فلقربه من الملوك..

بيان التناقضات الموجودة في الحكاية:

3ـ المقالة أو الحكاية المنقولة عن الاسماعيلي تحمل بين جنباتها بعض ما لايصح نسبته لعوام أهل السنة فضلا عن أئمتهم كالاسماعيلي، منها:

أولا:

قوله:”فتطريت بهما”، معلوم عند من له أدنى علم بالسنة أن الطيرة باطلة، قد نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيّن أنها من أعمال الجاهلية واعتقاداتها فقال: (( العين حق والطيرة باطل))، ورجل من مثل الاسماعيلي معرفة بالحديث والسنة والفقه والأثار لا يلزم نفسه بترك مثل هذا الباطل الصغير الذي يقدر عليه آحاد الناس من أمحل المحال، نعم يكره ما سمعه من المتكلمين عند دخوله المسجد لكن أن يتطير بهما فأمر مستبعد.

ثانيا:

سمعاه لقولهما: ” ولكن يطالبهم بلم”، قلت: إن كان مطالبة أحد الخصوم “بلم” عند ذكره مقالته هو علم الكلام الذي تعلمه الاسماعيلي من هذين المتكلمين، والذي ندم على عدم اشتغاله به فيما مضى من حياته فما أسخف هذا العلم، إذ المطالبة بلم[ الاستفهام] دأب جميع البشر في محادثاتهم، لا يحتاجون إلى نوع علم لمعرفته، وأكثر كلامهم مملوء بهذا الاستفهام!.

وعلى فرض أن المتكلمين قد عرفا مقالة الباطنية بحكم مخالطتهما لهم، وأنها مبنية في غالبيتها على النقض ولا أساس عندهم، فهم مجرد مشككون بقلب السؤال عليهم ينتقضون، لم يقل أحد العقلاء أن مناظرتهم لا تكون إلا بالنقض بهذا الوجه، وهو سؤالهم لم؟ ،بل طرق الرد والمناظرة غير محصورة، وكل إنسان يرد بعلمه و بما يحسنه، وقد تكون بعض الطرق الجدلية أنفع وأفضل من البعض الآخر، وليس في هذا أي مزية لطريقة المتكلمين، ولذلك سمع الاسماعيلي هذين يقولان:” هؤلاء الباطنية أسخف الناس عقولا وينبغي للنحرير أن لا يتكلف لهم دليلا”.

ومعلوم أن جواب النقض أو القلب يهدم استدلال المعارض من غير أن يقرر الحق، فليس هو إلا طريقة في الاعتراض، بينما لو أجابهم الاسماعيلي بما كان يعرفه من علم السنة لكان قد نقض جوابهم وبيّن لهم الدليل الحق، الدليل الهادي، فغرض العالم ليس النقض والهدم فقط للأدلة الباطلة، ولكن غرضه زيادة على ذلك بيان الحق والطريق إليه، وهداية الغالطين والمتأولين، وإقامة الحجة على المعاندين، وهذا الجواب أو النقض بـ” لم” لم يقرر حجة الحق، ولم يقيم الحجة على الباطنية، غاية مافيه أنهم انقطعوا عن الجواب.

ثم يقال: ماهو علم الكلام؟ هل هو الاستفهام بـ ” لم” ؟ أم هو صناعة لها قوانينها ومبادؤها، لا يعرفه إلا من درسه واعتنى به ؟.

وكوني أعرف الطريق إلى مكة، لأني أعرف الجهة التي تقع فيها، ويوجد آخر يعرف طريقا معينة، قصيرة لا يعني أني لا أعرف الطريق إلى مكة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر والرجل لا خلاق له)) وعليه فكون بعض المعتزلة ردوا على ابن الرواندي لما كتب كتابه ( الدامغ للقران) طاعنا في القرآن والسنة والرسول، لا يعني أنهم أهل الحق الملتزمون بهدي الرسول، وكون بعض المتكلمين رد على الباطنية والرافضة كما فعل الباقلاني والجويني والغزالي وأبو بكر بن العربي وغيره، أو رد على النصارى واليهود كما فعل القرطبي وابن حزم لا يستلزم أن صناعتهم أو مفصل اعتقادهم صواب وحق، وهم إنما ردوا على هؤلاء بما أصابوا فيه السنة، وبالسنة علموا اختلاف الذين ردوا عليهم، وعلموا غلطهم وخبثهم،وإلا فعلومهم (الكلامية) لا علم فيها أصلا بالباطل، إذ لا يعرف الباطل إلا من عرف الحق فبضدها تتميز الأشياء، ولا يقال: من عرف الباطل عرف الحق، لأن الباطل لا يدل على الحق بل لا يدل إلا على باطل مثله أو أكبر منه، بينما من عرف الحق وهو الكتاب والسنة وقول السلف عرف الباطل الذي عليه الناس.

قال النبي صلى الله عليه و سلم صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ لما كلفه بحراسة الصدقة وكان يأتيه الشيطان ويسرق منها فيقبضه أبو هريرة، فيعلمه الشيطان قراءة آية الكرسي عند الخلود إلى النوم: (( لقد صدقك وهو كذوب)) فأخبر النبي صلى الله عليه و سلم أن ماذكره صدق ولكن لم يجعله بذلك صادقا بل بقيت صفة الكذب لازمة له، لأنه إنما ذكر الكلمة الصادقة بحكم الضرورة والخوف، فكذلك المتكلمة وإن كانوا أحيانا يذكرون أدلة حقا أو توافق الحق أو يدل عليها، فإنه لا يمنع ذلك من أنهم أهل انحراف وزيغ عن الحق، فإصابتهم بعض الحق لا تجعل منهم أهل الحق .

ثالثا:

قال أبو بكر بن العربي على لسان الاسماعيلي الباطيني عن الاسماعيلي المحدث:” ليس من أهل التوحيد، وإنما كان أماما في الحديث، لاعلم عنده”.

يرى أبو بكربن العربي أن الاسماعيلي لم يكن من أهل التوحيد ولا علم عنده به، بمفهوم أبي بكر بن العربي للتوحيد على طريقة المتكلمين، وقد ترجم ابن تيمية أبا بكر بن العربي وشيخه الباجي ، قال شيخ الإسلام في ( التسعينية){203/1}عن علم أبي بكر بن العربي في العقائد: (( و أما من تكلم في ذلك من فقهاء المالكية المتأخرين كالباجي وأبي بكر بن العربي ونحوهما، فإنهم في ذلك يقلدون لمن أخذوا ذلك عنه من أهل المشرق المتكلمين معترفين بأنهم لهم من التلامذة المتبعين، ليس في كلام أحد من هؤلاء استيفاء الحجة في هذا الباب من الطرفين، ولا النهوض بأعباء هذا الحمل الذي يحتاج إلى فصل الخطاب في القولين المتعارضين.))

[11] ــ يقول الغزالي في (الإحياء:28/2): (( فلقد قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آلاف من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كلهم علماء بالله، أثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن فيهم أحد يحسن صنعة الكلام)).

فهذا الكلام رد على البوطي الذي زعم أن من الصحابة من خاض في علم الكلام كما نقلناه عنه في مسألة “هل خاض الصحابة في علم الكلام ؟”.

قال الحسن البصري الذي زعم عليه البوطي أنه كان من المتكلمة: (( لقد تكلم مطرف على هذه الأعواد بكلام ما قيل قبله ولا يقال بعده، قالوا: وما هو يا أبا سعيد؟ قال: الحمد لله الذي من الإيمان به الجهل بغير ما وصف به نفسه )) (التمهيد)(7/147)لابن عبد البر.

[12] ــ صدق الطلب؛ يعني أنه كان باستمرار يبحث عن الحقيقة التي لم يجدها عند المتكلمين، فكان سريع الانتقال من رأي لآخر، بخلاف من بقي على رأي خطأ ولم يتحول عنه.

وإذا كان الغزالي بتركه لكثير من الآراء اللاتي عرف بها قد فقد نوعا من النفوذ والمآرب الشخصية، فهذا يدل على صدق طلبه، وكما يعرف الجميع لابد للعمل حتى يكون مثمرا شرطان اثنان: إلاخلاص وهو غير الصدق، فالأول توحيد المطلوب والثاني توحيد الطلب.

وثانيا: موافقة السنة، والغزالي وإن كان صادقا في طلبه إلا أنه لم يعرف السنة ولا وافقها، أما الإخلاص فهذا أمر لا يطلع عليه إلا الله.

[13] ـ قلت: يشك بعض الناس في نسبة هذا الكتاب إلى الغزالي قال يقوت الحموي في( معجم البلدان){211/2}: (( وأبو المعالي الحسن بن علي بن الحسن الداوري له كتاب سماه (منهاج العابدين) وكان كبيراً في المذهب نصيحاً، له شعر مليح، فأخذه من لا يخاف الله ونسبه إلى أبي حامد الغزالي، فكثر في أيدي الناس لرغبتهم في كلامه، وليس للغزالي في شيءٍ من تصانيفه شعر، وهذا من أدل الدليل على أنه كتاب من تصنيف غيره، وما حكي في المصنف عن عبد الله بن كرَام فقد أسقط منه لئلا يظهر للمتصفح، كتبه في سنة 445 بالقدس قال ذلك السلفي.)).

[14] ـ قلت: ولذلك فإن حقيقة اعتقاد هؤلاء هو التشبيه أي شبهوا الخالق بالمخلوق الذي أثبتوا له هذه المقولات ثم قالوا: يجب نفيها عن الخالق فهم المشبهة على الحقيقة، فحكموا خيالاتهم وأوهامهم في وصف الخالق تعالى الله عن خيالهم علوا كبيرا.

[15] ـ هذه الشبهة إنجر خلفها بعض فضلاء العلماء، فقال ابن حجر العسقلاني في(فتح الباري): (( الحقائق الإلهية لا تعرف إلا بطريق السلب كما في العلم لا يدرك منه إلا إنه ليس بجاهل)).

وهذا قول ضرار بن عمرو من المعتزلة، فعنده إن الله عالم بمعنى ليس بجاهل، وقادر بمعنى ليس بعاجز، وحي بمعنى ليس بميت، وهذا كلام باطل يقود إلى التعطيل المحض، فقولهم عالم بمعنى أنه ليس بجاهل جعلوا صفة العلم مجازا بمعنى السلب والاضافة، ويقال لهم: ومعلوم أن السلوب لا نهاية لها، فيقال: سميع بصير بمعنى ليس أصم و لا أعمى، وهكذا إلى ما لا نهاية، كما يقال لهم: معرفة الله ليست معرفة صفات السلب، فالأصل فيها صفات الإثبات، والسلب تابع، وبالتالي لم يكن السلب طريقا إلى العلم بصفات الله كالإثبات، إلا ما كان من صفات السلب المحض كنفي الشريك عنه سبحانه و تعالى.

والفرق بين الإثبات والسلب هو إن الإثبات أمر وجودي والسلب أمر عدمي، فالسلب لا يتضمن العلم بالأشياء، فهو لا يتعلق إلا بالنفي والعلم يتعلق بالموجود والمعدم، وإذا كان السلب لا يقتضي إلا النفي والعدم لا يقتضي الوجود كان السلب المحض لا مدح فيه.

وعليه فإن السلب إن لم يتضمن إثباتا لم يكن مدحا وكمالا، فكل تنزيه مدح به الرب ففيه إثبات كالتسبيح يتضمن تنزيه الله من العيوب والنقائص ويتضمن تعظيمه، فالسلب تابع للإثبات والمقصود منه تكميل الإثبات، كما في قوله تعالى:{ الله لا إله إلا هو الحي القيوم} إثبات مقدم { لا تأخذه سنة ولا نوم} نفي مؤخر، فنفى عن نفسه السنة والنوم للإثبات القيومية، وهكذا في القرآن والسنة.

على كل حال عقيدة السلوب قد بينت بطلانها في رسالة خاصة بعنوان(الموقف الشرعي من طريقة السلوب في الصفات)

[16] ـ قاعدة : كيف نعرف مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم:

سبب تعويل المتكلمين على اللغة:

معظم تعويل المتكلمين في الأصول الرجوع إلى أهل اللغة، فيأخذون المسألة ويتكلفون في تحصيل ذاتياتها وترتيب حد جامع لها، وهذه الطريقة فيها عجز كبير عن تلقي جميع الأحكام الشرعية من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم للأسباب التالية:

1 ـ لقد تبيّن من خلال ما نقله المسلمون من تفسير القرآن، ونقل معاني السنة ومعرفة أحكامها أن الله ورسوله لم يدع شيئا من القرآن والسنة إلا بيّن معناه للمخاطبين، ولم يحوجهم إلى شيء آخر.

كيف نعرف لغة المتكلم وقصده:

2 ـ من المعلوم عند العقلاء أن التكلم باللفظ المطلق من كل قيد لا وجود له أبدا ، فلا يتكلم العاقل إلا بكلام مؤلف مقيد مرتبط بعضه ببعض، وإلا صار كلامه لغوا لا قصد من ورائه،فالألفاظ عند بني البشر لا تستعمل إلا مقيدة بقيود لفظية وحالية تتعلق بالمتكلم، يدل عليها السياق، والمسار العام للمقال أو عادته في الكلام.

معرفة عادة المتكلم معينة على فهم كلامه:

3 ـ لغات الناس تعرف بعاداتهم في الكلام، لإن دلالة اللفظ على المعنى دلالة قصدية إرادية اختيارية، فما اعتادوا إن يعبروا به عن تلك الأشياء بتلك الأسماء هو لغتهم .

كيف نعرف لغة القرآن و السنة:

4 ـ ولذلك يعرف أهل الحديث والفقهاء لغة الرسول أكثر من غيرهم، لكونهم لهم عناية بألفاظ الرسول ومراده، فيعرفون عادته في الكلام وفي خطاباته، فيتبيّن لهم مراده بقدر لا يتبيّن لغيرهم.

5 ـ من يريد أن يعرف معاني الألفاظ التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم بها يجمع نظائرها في كلامه، حتى يعرف عادته في استعمال تلك الألفاظ، وبه يتبيّن له مقصوده،وبهذا الطريق يعرف لغة القرآن والسنة .

6 ـ ينظر في كلام الناس، وكلام أهل اللغة فإن وجدهم يستعملون تلك الألفاظ في نفس المعاني التي استعملت فيها في القرآن والسنة، علم أن هذا الكلام أو هذه اللغة مشتركة بين الرسول وغيره، وهي لغة قومه.

وعليه لا يجب أن نحمل بطريق مباشر كلام الله وكلام رسوله على مقاصد أهل اللغة دون القيد السابق، فما بالك بإلاصطلاحات الحادثة بعده كالذي درج عليه كثير من أئمة اللغة الضلال من الجهمية والمعتزلة كابن الجني، والجاحظ وأبي علي الفارسي، والزمخشري، والحميري، والراغب، وابن المقفع، وجهال الشعراء الضالين كبشار بن برد وغيره.

7 ـمما ينبغي أن يعلم أن القرآن والحديث إذا عرف تفسيره من جهة النبي صلى الله عليه و سلم لم يحتج في ذلك إلى أقوال أهل اللغة، فإنه قد عرف تفسيره وما أريد بذلك من جهة النبي صلى الله عليه و سلم ، لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم، ولهذا قال الفقهاء:” الأسماء ثلاثة أنواع” نوع يعرف حده بالشرع كالصلاة والزكاة، ونوع يعرف حده باللغة كالشمس والقمر، ونوع يعرف حده بالعرف كلفظ القبض، ولفظ المعروف في قوله:{ وعاشروهن بالمعروف }.( النساء)

8 ـ كذلك معرفة دلالة الألفاظ على المعاني، فإن عامة انحراف المتكلمين عن السنة كان بهذا السبب، فإنهم صاروا يحملون كلام الله ورسوله على ما يدعون أنه دال عليه، ولا يكون الأمر كذلك.

9 ـ أهل السنة يتميزون عن غيرهم بأنهم يفسرون كلام الله ورسوله ببعضه البعض، ثم بكلام الصحابة والتابعين، ولا يعودون إلى اللغة المدونة في العصور المتأخرة عن عصر الصحابة والتابعين إلا في النادر، وبضوابط ذكرناها سابقا، لأن الذين جمعوا لغة العرب أمثال الأصمعي أو الكسائي أو الخليل بن أحمد الفراهيدي، وابن الاعرابي، وغيره لا يقول عاقل: إنهم أعلم بلغة العرب من الصحابة والتابعين!

فإن هؤلاء غايتهم أنهم يجمعون ما يسمعونه، وهم يتجولون في القبائل العربية ممن قد يكون عنده دين وعقل، أو قد لا يكون كذلك، أما الصحابة والتابعون فهم أهل اللغة التي كانوا يتكلمون بها، وليسوا جامعين لها، وبعض ألفاظها غريبة عنهم .

10 ـ ولهذا تجد المعتزلة والرافضة وغيرهم، يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم، وما تأولوه من اللغة، ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث النبي صلى الله عليه و سلم والصحابة والتابعين وأئمة المسلمين، فلا يعتمدون على السنة، ولا على إجماع السلف وآثارهم، وإنما يعتمدون على العقل واللغة، وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثورة والحديث، وآثار السلف وإنما يعتمدون على كتب الأدب وكتب الكلام التي وضعها رؤوسهم، وهذه طريقة الملاحدة أيضا، إنما يأخذون ما في كتب الفلسفة، وكتب الأدب واللغة، وأما كتب القرآن والحديث والأثار فلا يلتفتون إليها، هؤلاء يعرضون عن نصوص الأنبياء إذ هي عندهم لا تفيد العلم، وأولئك يتأولون القرآن برأيهم وفهمهم بلا آثار عن النبي صلى الله عليه و سلم وأصحابه.

وهم لا يرجعون إلى كتب الأدب واللغة لأن أصحابها أعلم من المفسرين، ولكن لأن فيها المذاهب الفاسدة، فمعلوم للمسلمين أن المفسرين أعلم بالقراءات ولغة القرآن من غيرهم.

من هم أهل اللغة المحتج بهم ؟

11- أهل اللغة قسمان:

المتكلمون بها النبي و أصحابه و التابعون، ونقلتها كأبي عمرو، والاصمعي والخليل ونحوهم :

ومعلوم أن نقلتها لم ينقلوا كل ما كان قبل الإسلام بإسناد ثابت، وإنما ينقلون ما سمعوه من العرب في زمانهم، بينما المتكلمون بالعربية كالنبي صلى الله عليه و سلم ، والصحابة والتابعين هي لغتهم، وليسوا نقلة لها عن غيرهم، وما نقله المسلمون من التفسير للقرآن والحديث عن النبي صلى الله عليه و سلم ، وعن الصحابة، والتابعين أضعاف أضعاف ما ينقله نقلة اللغة كما ونوعا.

12 ـ وعليه، لم نكن بحاجة إلى معرفة اللغة قبل نزول القرآن لتفسير القرآن أو الحديث،لاستغنائنا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد فهم ما أريد به الصحابة، وبلغوا ذلك بلاغا متواترا حتى وصل إلينا، فالعلم بمعاني القرآن غير متوقف على العلم بما في كتب اللغويين والأدباء، ولو قدر أن قوما وثقهم الله ورسوله سمعوا كلاما أعجميا وبلغوه لنا بلغتهم لم نحتج إلى معرفة اللغة التي خوطبوا بها أولا.

13 ـ ما وافق معاني الكتاب والسنة من أقوال أهل اللغة والأدب فهو للتعضيد والاستشهاد،وما لم يوافق ذلك فلا حاجة لنا به أبدا ، إذ معاني الكتاب والسنة متوقفة على لغة النبي صلى الله عليه و سلم والصحابة، لا على لغة غيره، مع فرض أن بين لغتهم واللغة المنقولة فرقا، وإلا فَهُم أهل اللغة بلا شك، ومن نقل من اللغويين ما يخالف لغتهم فالخطأ قطعا في نقله وفهمه.

14ـ الذين يخالفون السلف في مدلولات بعض العبارات الشرعية من المعتزلة والجهمية والمتكلمين عموما يحتجون باللغة فلا شك أن ما يحتجون به فاسد ولو استشهدوا عليه باللغة .

فهؤلاء الذين يعظمون الاشتغال باللغة على حساب السنة والاثر، ويريدون أن يتحاكموا إليها في النزاعات الناشئة بينهم، أئمتهم في اللغة كابن الجني والزمخشري وابن منظور المؤول للصفات، وغيره يعتقدون أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها، فيجعلون نظيرا لما ليس مثله، كما قالوا في قوله تعالى :{ ما منعك إن تسجد لما خلقت بيدي }( ص)

قالوا: هو مثل قوله :{ أو لم يروا إنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا إنعأما }(يس)

وهذا ليس مثل هذا، لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدي، فصار شبيها بقوله:{بما كسبت أيديهم}، وفي الآية الأولى أضاف الفعل إليه فقال:” لما خلقت” ثم قال:” بيدي”.

فهؤلاء لم يعطوا النصوص حقها من الدلالات، ولم يحكموا لغة العرب الفصيحة وابتدعوا أحكاما لغوية جديدة لمضاهاة تفسير الصحابة.

قاعدة في بيان لغة القرآن و السنة:

15-السلف كانوا يقولون ـ كما في الأسماء والصفات ـ: الله أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر أو ضلال، فكيف يقدر الكلامي والفلسفي على إيضاح كلامه حيث لا يتوهم خلافه، ولا يقدر العزيز الحكيم، أليس هذا انتقاص للرب أو انتقاص للنبوة، إذ اللازم الثاني أن الأنبياء خاطبوا الناس بما ظاهره الكفر!

فالمتكلمون والأصوليون يعرفون التأويل بأنه صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به، بينما التأويل عند المفسرين؛ هو تفسير الكلام حتى يعرف معناه أو تعرف علته ودليله، أو هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام كما في قول آخرين، ولذلك نقل شيخ الإسلام عن أبي عبيد وغيره قوله: الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة كما ذكروا في تفسير اشتمال الصماء،

قال ابن فارس في ( الصاحبي) نقلا عن أبي عبيد: ((وإنما فسرنا هذا لئلا يقدم أحد على الفقهاء فينسبهم إلى الجهل، ويتوهم عليهم أنهم أقدموا على كتاب الله جل ثناؤه بغير ما أرداه الله جل وعز، وهم كانوا أعلم بالتأويل وأشد تعظيما للقرآن.))

لأن الفقهاء يعلمون تفسير ما أمر به ونهى عنه، لعلمهم بمقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم، كما يعلم اتباع ابن سينا من مقاصده ما لا يعلم بمجرد اللغة.

فمهما كانت مرتبتك في اللغة عالية فإنك لا تستطيع فهم مقاصد ابن سينا في ( الإشارات ) أو ( الشفا) حتى تنظر في شروحهما عند الرازي أو الطوسي أو الامدي، كذلك سائر الكتب التخصصية لا تتوقف على معرفة اللغة، لأن لكل فن اصطلاحه، ووجه تخصص الكتاب والسنة هو ما احتواه من الحقائق الشرعية التي لا عهد للغويين بمعرفته.

16 ـ اللغويون جمعوا اللغة ودونوا، ولكنهم في التقسيم والتحليل ذهبوا مذاهب غير التي ذهب إليها فقهاء ومفسرو وأئمة الإسلام، قال أبو بكر بن العربي في ( العواصم){ص:219}: (( وما رتبه النحاة من الذات والصفات في العبارات لا ينبني عليه حكم ، لأن العرب لم تنتح به ما أنتحوا، ولا أضمرت ما أضمروا ،والقوم مشكورون على ما رتبوا غير مأموم بهم فيما قدموا من المعاني وصوروا)).

شروط حمل الألفاظ على المعاني:

قال ابن القيم : (( وحمل الألفاظ على المعاني يراد به صلاحيتها لها تارة ، ووضعها لها تارة أخرى ، فإن أريد بالحمل الأخبار بالوضع طولب مدعيه بالنقل والسند ، و إن أراد صلاحيته لم يكف ذلك في حمله عليه ، لأنه لا يلزم من الصلاحية له أن يكون مرادا به ذلك المعنى ، هذا إن أريد بالحمل الأخبار عن مراد المتكلم ، وإن أريد به إنشاء معنى يدعيه صاحب الحمل ثم يحمل عليه الكلام ـ [كما يحمل المتكلمون والقياسيون ألفاظ الشارع على غير مقاصد السلف منها] ـ فإن ذلك يكون وضعا جديدا ، فيتأمل هذا من قولهم: يحمل اللفظ على كذا وكذا، فكثير من النظار أطلق ذلك، ولا يحصل معناها)) (بدائع الفوائد){207/4}.

والعجيب أن المتكلمين يأتون للفظ المشهور في استعمال الناس فيحملونه على معنى لا يعرفه أحد!

ضوابط حمل كلام الله ورسوله على معنى من المعاني:

1 ـ أن يكون ذلك المعنى حقا في دين الإسلام يصلح إخبار الرسول عنه،فلا نستورد ألفاظا من الإغريق لها مدلولات في فكرهم الوثني غير ما تعرفه العرب و دلت عليه النصوص كـ لفظ جسم و التجسيم.

2 ـ أن يكون قد دل عليه بالنص لفظ يدل عليه دلالة لفظ على معناه.

لا تفسر الألفاظ لمجرد المناسبة:

و الألفاظ الشرعية لا تفسر بكل معنى صحيح لمجرد المناسبة،لأن دلالة اللفظ على المعنى سمعية، فلابد أن يكون اللفظ مستعملا في ذلك المعنى لا يكفي أن يصلح وضع اللفظ لذلك المعنى، إذ اللفاظ التي يصلح وضعها للمعاني ولم يوضع لها لا حصر لها فمجرد المناسبة بين اللفظ و المعنى لا يكفي لحمل ذلك اللفظ على ذلك المعنى.

و إذا علمنا أن الشارع يحمل اللفظ على المعنى المعين من خلال استقراء النصوص فلا يجوز ان نحمله على معنى آخر لم يقصده الشارع فإن ذلك كذب عليه.

وعليه فحمل اللفظ على ما يدل عليه في سائر الآيات والأحاديث أولى من حمله على ما لا يدل عليه في شيء من الكتاب والسنة.

وعلى هذا الأساس عرفنا أن المحدثين أعلم بمعاني الكتاب والسنة من الأصوليين، لأنهم يعرفون موارد استعمال هذه الألفاظ في تلك المعاني، وغيرهم يستعمل هذه الألفاظ ولكن في غير ما تدل عليه في الكتاب والسنة، وبهذا كذلك عرفنا أن أهل الحديث أقدر على القياس باعتبار تحمل اللفظ لذلك المعنى أم عدم تحمله.

قال ابن القيم في ( بدائع الفوائد){208/4}: (( ما يذكره المجتهد العالم باللغة من موضوع اللفظ شيء، وما يعين له مجملا خاصا في بعض موارده من جمله محامله شيء.

فالأول حكم قوله فيه حكم قول أئمة اللغة فيقيد بشرطه، والثاني حكم قوله فيه حكم ما يفتي به فيطلب له الدليل، مثاله قوله: الباء في:{ وامسحوا برؤوسكم} للتبعيض، فهذا حمل منه للباء على التبعيض في هذا المورد، وليس هو كقوله: ابن السبيل هو: المسافر الذي انقطع عن أهله ووطنه، ونظائر ذلك .

فهذا نقل محض اللغة، والأول استنباط وحمل، ومن لم يفرق بين الأمرين غلط في نظره، وغالط في مناظرته.))

هذه بعض ضوابط الرجوع إلى اللغة عند السلفيين تجعلهم يستفيدون من اللغة دون أن يكون لذلك خلفيات بدعية على أصولهم في العقائد والأحكام، فالسلفي الأصل عنده الكتاب والسنة على فهم وعمل السلف الصالح، واللغة أو أصول الفقه من وسائل العلم، وليس من أصوله وأغراضه، فيجب التفريق بين إلاداة والغرض، بين مادة العلم الشرعي وصورته، فإذا أصبح الغرض أداة وإلاداة غرضا انقلبت الموازين وارتدت المعرفة الشرعية على نفسها، وهي غير مرتدة على نفسها لأن الأصل الكتاب والسنة والبقية فرع، وعليه فالسلفي يعظم العلم بالكتاب والسنة وما يعظمه من علوم فتبعا لذلك، وليس استقلالا عنه.

[17] ــ يعتقد كثير من الناس أن الغزالي هاجم الفلسفة في كتابه ( التهافت) لإبطالها ،وهذا مجرد ظن وقع لهم لانتقاده بعض الأصول الميتافيزيقية للفلاسفة المشائين، والحقيقة أن الغزالي انغمس في الفلسفة إلى حد بعيد، ولكنها فلسفة أخرى هي فلسفة الإشراق والفيض، فهو لم ينتقد سوى نوعا من الفلسفة كما ستراه في التعليق القادم.

[18] ــ يقول في (الإحياء” (27/1): (( الإلهيات: هو بحث عن ذات الله سبحانه وتعالى وصفاته وهو داخل في الكلام أيضا.

أما عن المنطق فيقول في الصفحة نفسها: ((هو بحث عن وجه الدليل وشروطه، ووجه الحد وشروطه وهما داخلان في علم الكلام)).

يعني أن لها نفس حكمه من تحريم الاشتغال بهما، وأنهما لا يفيدان طريقا إلى الله.

[19] ـ قلت: هذا كلام ابن سينا في( المدخل من كتاب الشفاء) المأخوذ أصلا عن الفارابي،المأخوذ عن أرسطو، وهو كلام من لم يعرف الأنبياء أو لم يجعلهم من مصادر العلم والمعرفة بالله سبحانه، إذا العلم الإلهي أولا وقبل كل شيء خبر الأنبياء عن الله، وهم فيما يخبرون صادقون مصيبون، إذ ما اختصوا به من جنس العلم الإلهي لا يشركهم فيه غيرهم،

والعلم الإلهي قسمان: علم بالله و علم بأمره و نهيه، وهذين لا يعرفهما إلا الأنبياء بواسطة الوحي، فكيف يكون العلم تصور و تصديق فقط؟!

المهم انهم يقصدون أن العلم : إما ” تصور ” وهو معرفة المفردات، وإما ” تصديق ” وهو العلم بنسبة بعضها إلى بعض بالنفي أو الإثبات، وكل من العلمين : إما ” بديهي ” لا يحتاج إلى طريق، وإما ” نظري ” مفتقر إلى الطريق، وطريق التصور هو ” الحد ” وطريق التصديق هو ” القياس ” الذي يسمونه البرهان – إن كانت مقدماته يقينية.

وهنا النقاش معهم كبير جدا.

ولهذا طالما جرى الغزالي خلف الفلاسفة ظنا منه أنه قد يجد عندهم العلم الإلهي فانتهى إلى الحيرة والاضطراب والتناقض.

[20] ـ بعض الملاحظات على المنطق الصوري:

ينقسم المنطق إلا ثلاثة أقسام: نظرية التصور والحد، ونظرية الحكم والقضية، ونظرية الاستدلال الذي يعبر عنه في الغالب بالقياس.

لم تستطع الفلسفة التخلص من إشكالية الدور في التعريف فإذا كان الحاد للشيء لا يحده إلا بمعرفة سابقة للحد قد تكون مجملة تعقبها بواسطة الحد معرفة أكثر تفصيلا منها، علمنا أن عملية التحديد التي يجريها الفيلسوف هي عملية استثمار للمعرفة المجلة يبقى الإشكال هو أن المعرفة المجملة هي الفكر الأول والمعرفة التي تعقب التحديد المنطقي فكر ثان،و الفكر الأول أخصب و أغنى من الفكر الثاني، ذلك أن حقيقة التصور أنه باق طرح فكلما تقدم الحاد طرح صفات فيتفتقر الفكر و المعرفة، بينما المعروف عند الناس أن الفكر و المعرفة و الثقافة حاصل جمع لا باق طرح، ، فهاهنا قضيتان:

1ـ ليس التحديد وحده من طرق التعريف والتمييز، مادام مسبوقا بمعرفة وهذه المعرفة أنتجت معارفا منها المنطق، بينما بقي المنطق عقيما لا ينتج معرفة ملموسة بحيث إننا وجدنا المعارف المنطقية عند ممارسة المعرفة تصطدم دائما بالمعارف الحسية والتجريبية وتصير مجرد نظرية لها نوعا من القوة والوجود ما دامت في إطار التجريد الذهني.

2 ـ التحديد هو وصف اصطلاحي لعملية فكرية فطرية، فمن المتفق عليه بين العقلاء أن الإنسان يمكنه أن يفكر بدون المنطق، تماما كما يمكنه أن يبصر دون أن يدرس البصريات،فإذا كان تفكيره بعد دراسة المنطق لا يعدو القدرة على التصنيف والمقابلة لم يكن في هذا أي مدح للمنطق، لأن قدرة الإنسان على الابصار دون أن يدرس البصريات لا تتغير بعد أن يدرسها .

إن المنطق ليس أكثر من تحويل تصورات ذهنية مجردة إلى أفكار بحسبها وأقصد بالأفكار اصطلاحات لحركة الفكر داخل الذهن كاللغة بهذا الاعتبار هي عمل من أعمال الفكر، ومع ذلك إذا تكلم إنسان باللغة لم نقل عنه: إنه مفكر، فكذلك مجرد وصف الفيلسوف لعمل من أعمال الفكر لا يعني أنه يفكر، فإذا قال: إن ما يتصوره الإنسان في ذهنه معتقداًَ وجوده في الخارج يسمى الشيئية، وهذا يسمى الحد الأول، وهذا يسمى الحد الاوسط، وهذه تسمى مقدمة، وهذا يسمى كل وبعض، لم يعد عاقل هذه التسمية فكرا شاملا!.

لا يمكن استبعاد التصور في دراسة الواقع فلكي ننظر في شيء ما يجب أن نكون متصورين له، لكن لا يلزم من ذلك أن يكونه العقل بدون مواد من الخارج والواقع.

وعليه، فالعلم يكون بالاهتمام بالمضمون الواقعي للتصور لأنه هو المضمون الحقيقي للتصور، فإن تجريد التصور يوقعنا في مكننة الفكر ويتردى بنا في الآلية الصرفة التي لا تنسجم مع نفسية الإنسان وطبيعة عقله، فتجريد التصور من كل مضمونه الواقعي يتيه معه الإنسان في مماحكات سخيفة تنتهي به إلى الاستدلال الفارغ من كل مضمون.

وإذا كان التصور هو إدراك العقل موضوعه في ماهيته دون إثبات ولا نفي، وقد علمنا أن هذا لا يكون إلا في الذهن، فإنه في الخارج لا واسطة بين النفي والإثبات،والوجود و العدم، فالشيء إما موجود و إما معدوم، ومن هنا لم يكن التصور واقعيا، بل كان نظريا بحثا.

وبهذا تعرف أن الاستمرار في تحليل الظواهر الذهنية إلى أقصى حد كما هو في المنطق الصوري يكدر العقل البشري، ولا ينتج معرفة ذات قيمة واقعية.

إذا كان الإنسان في حاجة إلى المنطق لإدرك المجهولات من المعلومات، فإن هذا المنطق إما أن يكون من جملة الأوليات البيّنة بنفسها، المستغنية عن الاستدلال، وإما أن يكون من جملة المعلومات التي إنما تعرف بغيره، فإن كان من قبيل الأول استغنى عن تعلمه، وإن كان من قبيل الثاني افتقر إلى نفسه وصار تعلمه متوقفا على العلم به، وهو أمر محال، فلزم أن تعليم قواعد المنطق من باب تحصيل الحاصل.

والنتيجة الكلية في القياس المنطقي عديمة الفائدة و تكرارية لأنها مجرد جمع، ولا يحصل بها تحول حقيقي في المعرفة، والخلاصة أن القياس المنطقي عقيم لا طائل وراءه، بل إنه مصادرة على المطلوب، فكونه تحليليا يجعله عقيما فإذا كانت النتيجة مطابقة للكبرى فما الفائدة في التكرار، وإذا كانت جزءا فقط من الكبرى فما الفائدة من التضييق، فالتفكير لا يتقدم لا في هذه الحالة ولا في الحالة الأخرى، بل التجربة وحدها هي التي تتيح التقدم للعقل،فالمنطق في أحسن أحواله يعين على الكلام لأن أصحابه لا يستطيعون وضع قياس صحيح يؤدي إلى نتيجة صادقة إن لم يحصلوا مادته من قبل، أي إن لم يعرفوا قبل ذلك صدق ما يستنتجون في قياسهم.

فمن المجمع عليه أن القياس يكون فاسدا إن كان في النتيجة أكثر مما في المقدمتين، وهذا معناه في الحقيقة إنه لم يثبت بواسطة القياس أي شيء لم يكن معروفا أو مفروضا فيه أنه معروف من قبل، إن إدراج قضية عامة لا يضيف شيئا للدليل فهو دور فاسد.

إن المنطق لا ينتفع به الباحثون عن الحقيقة، في أحسن أحوله يصلح لبيان أسباب معروفة بصورة أفضل لغيرنا.

وهو ليس سوى عمل لفظي تحسب فيه قشور الألفاظ لب الأشياء،كما يقول ديكارت.

إن المنطق الصوري لا يشرح نظرية الاستدلال البشري، فنظرية الفحوى بيّنت أن التصور ليس له دلالة ثابتة،ذلك أن الحد بقطع النظر عن المعنى الذي يعبر عنه، فهو يستطيع أن يتلقى جملة من المعاني ينطوي عليها بنحو من الآنحاء، فمثلا رابطة الإسناد تدل على الوجود العيني مثلما تدل على الوجود الذهني أو على مجرد علاقة الموافقة.

الفحوى هي دلالة الحد التقديرية أي ما يمثله من حقيقة منطقية بحيث تبقى هذه الحقيقة ثابتة أثناء جميع مدة الاستدلال الذي ينصب على هذا الحد، فلا يكون لهذا الحد إلا نفس المعنى الواحد أبدا ،و بعبارة أخرى فإن الحد مع احتفاظه بمعناه الخاص هو في الواقع عرضة لتغيرات في المعنى، ولفروق تؤول إلى السياق والمسيرة العامة للمقال، فلفظ الوجود يمكن إن يدل على الوجود الواقعي كما يمكن إن يدل على الوجود الذهني ويؤدي اللبس الذي يقع في الذهن بالنسبة لهذين الوجودين الذين يعبر عنهما حد واحد إلى أخطاء منطقية فادحة.

بيان أوجه العقم في المنطق الصوري:

1 ـ إذا قدر بعض الناس كابن سينا والغزالي وغيرهم أن المنطق هو علم الشروط العليا للصدق المعرفي لأنه أداة عصمة العقل من الزلل، وقد تبيّن أن المنطق الصوري لا يكفي نفسه بنفسه، وأنه معمول من أجل العلم الفلسفي فهو غير خارج عن أصول الفلسفة، ومعمول لتبرير هذه الأصول، فنظرية القياس فيه ليست سوى عمل تمهيدي لنظرية البرهان والعلم الموجودة في التحليلات الأخيرة عند أرسطو، والتي الغرض منها تبرير فلسفة أرسطو في الوجود،وتقسيمه إلى مادة وصورة.

2 ـ إن علم المنطق هو علم الكلي والكليات وقال أرسطو: إن العلم موضوعه التصور والمعنى العام والكلي، لذلك كانت قواعده تجري في عالم مثالي هو العالم الذهني وهذه القواعد عديمة التأثير على العمليات الفكرية الواقعية لأنها لا تفرق بين الحقيقة المنطقية التي هي حقيقة ذهنية وبين الحقيقة الطبيعية التي هي حقيقة واقعية، ولا تفصل بين الضرورة المنطقية التي همها إرجاع العلل إلى العلة الأولى بناءً على تصور أرسطو للوجود وبين الضرورة العلية التي لا تغفل العلل الثانوية والتي هي مناط التجربة والحس، فالحد الأوسط في المنطق الصوري الذي هو العلة وهو الماهية وهو الكلي يمثل العلة الساكنة أو العلاقة السكونية بين الأجناس والأنواع، لأن الماهية لا تستخلص إلا من الصفات الساكنة في كل جنس ونوع، وتغفل الصفات المتحركة التي هي عندهم عرضية غير ذاتية، ومعلوم أن هذه الصفات هي مناط التأثير والحكم الحقيقي بمعنى الواقعي لا العلاقات الساكنة الذهنية.

إذا كان التصور في المنطق الصوري يعبر عن ماهية الشيء دون الوصول إلى الواقع فلا يهتم بمضمون التصور الواقعي ولا بالتكوين النفسي للتصور ولا بقيمة التصور الموضوعية بل موضوعه الصحة الذاتية للتصور لزم أنه عقيم لا ينتج علما يتفاعل مع الواقع ويبقي الإنسان المفكر في الخيال المحض.

وإذا جاز أن نقول: إن الحد الأوسط وإن كان هو العلة و يمثل الجانب التجريبي في المنطق الصوري، إذ لا يستخلص الحد الأوسط إلا من الحس، وهذا يعطينا قيمة التجربة الحسية في بناء المعرفة التي لم يتركها أرسطو تنطلق إلى وجهتها حتى جاء المنطق التجريبي ومنطق الاستقراء، لأن المنطق وقياسه بقي رغم تجريبية الحد الأوسط (وهذا يعني أن المنطق الصوري ليس فيه من التجربة إلا بقايا تجريبية لإحساسات) بقي مرتبطا بمتيافزياء الوجود التي هو أداتها رغم أنف المتكلمين فهو في الحقيقة منهجية موضوعة لعلم الطبيعة وهنا لا يجب أن نقف بل نستمر لنقول: علم الطبيعة الذي هو أساس وأصل علم ما وراء الطبيعة عند أرسطو،فأرسطو يقيس ما وراء الطبيعة على ما عرفه من الطبيعة ،ولذلك يجد من يأخذ بمنطقه صعوبة في إثبات صفات الله ،فإن فر من التشبيه الحسي وقع في التشبيه المعنوي، و كل من يأخذ بهذا المنطق ويثبت بعض الصفات فلأجل بقايا الشرع في تفكيره و إلا فهو متناقض.

إن الكلي في التصور المنطقي الصوري حال في الأفراد الذين يبقون هم الواقع الوحيد، وهذه الكلية يعبر عنها الحد الأوسط في القياس، وهي تعرف بحدس يدرك الماهية، وهذه الكلية تابعة لضرورية المعنى التي هي مجرد لازم عنها، فيلزم من ذلك أن الموضوع الحقيقي للعلم ليس هو الكلي أو العام بل الضروري، و إذا كان العام يقوم على الماهية، وإذا لم يكن من الجزئي علم “صوري” فليس لكونه فرديا بل بسبب احتوائه على الإمكان، والتناقض هنا هو أن موضوع الواقع هو الفرد وموضوع العلم إنما هو الكلي، والعلم تابع للواقع أي الوجود ليس تابعا للنظر المجرد أي الذهن، ولهذا كان المدرسيون يقولون:” الوجود للأفراد والعلم من الكليات”.

وإذا كان الفرد وحده هو الواقعي وأن الكلي “النوع مثلا” مجرد تمثل للواقع على أساس أن التصورات الحقيقية هي صور الأشياء، وهذا عند ستوارت مل حيث قال: لقد أفسدت نظرية المعاني العامة المنطق القديم كله، فموضوعات الفكر الحقيقية هي الصور الجزئية الإنسان الفلاني وليس الإنسان، ولأن كل استدلال يؤول إلى استنباط الجزئي من الجزئي.

وعندما يقول المناطقة الصوريون: إن موضوعات الفكر هي المعاني لا الأشياء، وأنه لا علم إلا من العام، فهذا مجرد مصادرة أو تعنت فقط، فكون التصور موجود، وليس هو تجمعا آليا للصور، وهو يتمثل في إدراك الوحدة بين مختلف التمثلات لزم أن له طابعا إيجابيا كما يزعمون، فهذا تعنت إذا لم يبرهنوا أنه موجود في الواقع، ومجرد الوجود الذهني لا يستلزم الصدق فإن بحار من المرق وجبال من الذهب توجد في الذهن ويمكن تصورها ومع ذلك ليست حقيقية، فالتصور في المنطق موجود لا ينازع في ذلك أحد، ولكنه وجود ذهني كسائر الممكنات التي لا وجود لها في الخارج، أما كونه يعبر عن الوحدة بين مختلف التمثلات فهو صحيح، ولكن هذه التمثلات لها ما يوحدها غير ما في التصور المنطقي الصوري، ولهذا لم يكن إيجابيا.

فالقياس هو الأداة الضرورية للعلم المشائي ونحن لا نناقش هذا ولكن نناقش هل العلم المشائي في شقه الطبيعي والميتافيزيائي علم صادق خال من التناقض أو علم انتهى اتباعه إلى اليأس منه والاكتفاء بدراسة النبات والحيوان، كما بينته في مقدمة مراحل الفلسفة.

ـ من المعلوم لكل قارئ يقرأ أقسام العلوم عند الفلاسفة ومقدمتهم في المنطق أنهم جعلوه علما يكتسي طابعا وثوقيا ذهنيا ثم يتبين أن القائلين به لم يتفقوا على شيء واحد مما ينتجه هذا المنطق عند ممارسته في المعرفة ، نعم قد يكونون متوافقين عليه في إطاره النظري، أو قل متوافقين على المنطق اللفظي منه، أما عند إعماله لم نجدهم متفقين على شيء حتى المقولات أو المحمولات اختلفوا فيها زيادة ونقصا، وهذا يدل على عقمه.

ـ من المعلوم أن إمكان التصور هو صلاحيته الميتافيزيائية للوجود، فالموجودات المنطقية إنما ينظر إليها من حيث هي ممكنات سيان وجودها بالفعل وعدمها، بل يمكن أن تكون موجودات ذهنية أو تعبيرا عن مجرد نفي”العدم” وهذا هو العقم بعينه، ولذلك عندما اخذ الأشاعرة بهذا المنطق في العلم الإلهي انتهو ا إلى إثبات موجود لا يتصف بأية صفة ثبوتية فوجوده وجود ذهني فقط.

وإذا سلم أهل هذا المنطق بأننا لا نفكر بدون صورة والصورة المجموعة في التصور لا تطابق صور أفراد المجموع فردا فردا، لزم أن صورة المجموع مشوهة للحقيقة.

وبهذا تعرف أن التصور ليس شيئا آخر غير صور جمعية تم تعديلها، وبالتالي لا يكون وحدة صالحة لسلسلة غير محدودة من الوقائع، وقد يزعمون أن المنطق الارسطي يفترض فلسفة عامة واقعية، وهم يسلمون بأنه لا واقع إلا من الفرد، ولا علم إلا من الكلي، فهذا تناقض بين واقعية فردية وواقعية عامة، فلما أدركوا إنه لم يبق للواقع في منطق أرسطو إلا بقايا مندثرة في الحد الأوسط ،والواقع هو ما يضفي صفة الثبوت على علم ما زعموا أنه يقوم على فلسفة عامة واقعية ليزعموا له نوعا من الثبات، وقد علمنا أن تقسيم الوجود إلى مادة وصورة ليس في الواقع في شيء.

[21] ـ ولو نظرنا في قول الغزالي : (( ليس بإلامكان أكثر مما كان)) ثم نظرنا في قول أفلاطون وأرسطو: إن بداية الفلسفة التعجب ومنتهاها عدم التعجب، حيث يتحقق الإنسان أن الوجود لا يمكن أن يكون على غير ما هو عليه ، علمنا مأخذ الغزالي وكيف أن المتكلمين دخلوا في الفلسفة ولم يستطيعوا الخروج منها.

وهذا المذهب هو أصل القول الذي أخذته المعتزلة والصوفية من أنه ليس في الإمكان أحسن من هذا العالم، لأنه في عرفهم لما أوجدت العلة الأولى هذا العالم فمجرد خروجه للوجود هو في ذاته نقص عن كمال العلة الأولى، وليس في مقدور العلة الأولى أن يصدر عنها عالم يساوقها في الكمال،لان العالم يصدر عنها بفعل اضضطراري و ليس اختياري، فهذا العالم أقصى ما صدر عن قدرة الواحد المحض لأنه صدر عن غير اختياره وإرادته.

وعليه لزم أنه لم يختار صورته وكماله، فلم يكن بمقدوره أن يصدر عنه في غير ما هو عليه لإنعدام الاختيار، ففي عرف هؤلاء الهمج ليس في مقدور الباري أن يخلق عالما أكمل من هذا العالم ودون كمال الباري!

وبهذا تعرف أن عالم المثل وعالم المعاني، وعالم الآنوار عند الصوفية هو عالم الله ليس عالم الآخرة، فعالم الآخرة عالم محسوس مخلوق، الجنة والنار مخلوقتان، وقد علمنا أن الجنة أكمل من الدنيا، بل وهي درجات، درجة أكمل من درجة، وكما قال تعالى:{ ولدينا مزيد}، والنار أسوأ من الدنيا، فلزم أن الله خلق العالم على هذه الصورة بمشيئته واختياره ووفقا لحكمته، فالعالم الآخروي أكمل من العالم الدنيوي.

أما تقسيم الوجود إلى عالم المثل والمعاني والآنوار والعقل فهذا تقسيم يوناني فلسفي باطل وإن قال به بعض المنتسبين للإسلام لأن القرآن يقسم الوجود إلى عالم الشهادة وعالم الغيب، وعالم الغيب ليس عالما مثاليا أو عقليا نورانيا بل هو عالم محسوس، يحس فيه المؤمن بالنعيم، والكافر بالعذاب، ولكنه غيبي غير مشاهد.

وبهذا تعرف أن قول بعض المتصوفة كالغزالي بالمعراج القدسي لا يقصدون انتقال الروح إلى العالم الآخروي المحسوس بل إلى عالم عقلي نوراني مثالي.

هذه المقالة:” ليس في الامكان أبدع مما كان” قال الزبيدي في(إتحاف السادة المتقين) في شأنها : ((أنه يفهم من العبارة العجز من الجانب الإلهي عن الاتيان بإلاحسن، وهو كفر صريح،غير أن العبارة ذهل الناس عنها في بعض الأحيان لاستشعارهم بجلالة قدر الغزالي ، و استحالة صدور عبارات عنه، يستشعر منها مخالفة لأصل من أصول العقيدة)).

وقد أنكر هذه المقالة أبو بكر بن العربي فقال: (( إن شيخنا أبا حامد الغزالي قال قولا عظيما انتقده عليه أهل العراق قال: ليس في القدرة أبدع من هذا العالم في الاتقان و الحكمة، و لو كان في القدرة أبدع منه و ادخره لكان ذلك منافيا للجود … إلى أن قال: ونحن و إن كنا قطرة في بحر فإنا لا نرد عليه إلا بقوله ثم قال: فسبحان من أكمل بشيخنا هذا فواضل الخلائق ثم صرف به عن هذه الواضحة في الطرائق!)).

وممن رد هذه المقالة ناصر الدين بن المنير الاسكندري في(الضياء المتلألئ في تعقب الإحياء للغزالي) قال: (( المسألة المذكورة لا تتمشى إلا على قواعد الفلاسفة و المعتزلة))

وكذلك رد عليه برهان الدين البقاعي في كتاب خاص ( دلالة البرهان على أن في الامكان أبدع مما كان)) مخطوط في دار الكتب الوطنية بتونس رقم 17934.55 ـ أ ـ80 ـ أ[ذكره عدة باحثين منهم الطاهر المعموري].

وقد اضطر الغزالي في عصره إلى تأويلها فذكرها في (الأجوبة المسكتة)،كذلك تأولها له ابن عربي و الجيلي وعنهم نقل الشعراني.

و الطائفة الثالثة: أنكرت نسبة المقالة إلى أبي حامد و أنها مدسوسة في كتبه، مستندهم في ذلك أنهم عرضوها على كلامه في كتبه فوجودها مع كلامه على طرفي نقيض، و المقالة مناقضة لما ورد في مواضع من (الإحياء) و (المنقذ من الضلال) و (المستصفى).(إتحاف السادة المتقين){1/33}

قلت: من الذين تأولوا للغزالي ابن عجيبة في شرحه للحكم العطائية (إيقاظ الهمم شرح متن الحكم){36/1} قال: (( قال بعض العارفين: ليس في الامكان أبدع مما كان وتأويله أن ما سبق في علم الله يكون لا يمكن غيره فلا أبدع منه)).

و كما ترى الغزالي في واد وهو في واد، فإن الغزالي يتكلم عن الابداع و المقصود هنا القدرة لا العلم و المشيئة.

أما قول الزبيدي: إن هذه المقالة تأولها ابن عربي للغزالي فليس بدقيق بل استغلها في تقرير عقيدته، وهي وحدة الوجود وأنه متى كان الوجود واحدا لم يكن بينه فرقا قال في ( الفتوحات المكية){290/1}: (( فصدق قول الإمام أبي حامد : ليس في إلامكان أبدع من هذا العالم، لأنه ليس أكمل من الصورة التي خلق عليها الإنسان الكامل فلو كان لكان في العالم ما هو أكمل من الصورة التي هي الحضرة الإلهية وصل سر إلهي كل خط يخرج من النقطة إلى المحيط مساو لصاحبه وينتهي إلى نقطة من المحيط بذاتها إذ لو كان ما تقابل به نقطة من المحيط غير ما تقابل به نقطة أخرى لإنقسمت ولم يصح إن تكون واحدة وهي واحدة فما قابلت النقط كلها على كثرتها إلا بذاتها فقد ظهرت الكثرة عن الواحد العين ولم يتكثر هو في ذاته فبطل قول من قال إنه لا يصدر عن الواحد إلا واحد)).

فابن عربي يقصد هنا التكثر في الواحد و الواحد في الكثرة، وقد احتفل بهذه المقالة في (الفتوحات المكية) احتفالا كبيرا بحيث دار على جميع جهاتها، فذكرها مرات عديدة لأنها تصب في عقيدته مباشرة ولهذا نقل عنه أنه لام الغزالي على عدم التصريح بعقيدةوحدة الوجود و أنه قيده الشرع!

[22] ــ قال في ((إشكالات الإحياء)) (35/5‏): (( [إفشاء سر الربوبية كفر] فيخرج على وجهين، أحدهما: أن يكون المراد به كفرا دون كفر، ويسمى بذلك تعظيما لما أتى به المغشي وتعظيما لما ارتكبه)).

تشبه الصوفية البدعية الرافضة إلى حد بعيد، فالرافضة يعلقون دينهم بأمر وهمي هو الإمام المعصوم المختفي في جحر سمراء، وبذلك يشدون الناس إليهم ويجذبونهم، فيعلقون أمالهم في ظهور دينهم بخروج الإمام المعصوم من جحره!.

وكذلك الصوفية لا تستطيع إثبات ما تدعيه من حقائق، حتى إن الشعراني ذكر العلوم التي تستفاد بعد الخروج من الخلوة فذكر خرافات وأساطير لا توجد في حكايات اليونان وقدامى المصريين، وعليه يدعون السر، فيبقى السالك يجري وراء سراب هذا السر حتى يأتيه اليقين ولم يجد شيئا، والحقيقة أن التصوف أشبه بالتجسس الصناعي، أحفظ معادلة التركيب حتى لا تصنع المواد التي تقوم بصناعتها وبيعها، فادعوا أن الربوبية سر، وكأن كشف ‏هذا السر يبطل الربوبية أو القدر، فتوقفت ربوبية الله على سرية مخلوقاته !.

نقل الغزالي في (إشكالات الإحياء) (42/5) عن سهل أنه قال : (( للإلهية سر لو انكشف لبطلت النبوات، وللنبوات سر لو انكشف لبطل العلم، و للعلم سر لو انكشف بطلت الأحكام)) و لا أعتقد ثبوت مثل هذا الكلام عن سهل التستري.

وقد رد هذا الكلام في (الإحياء) (1/100) عندما قال: ((وهذا القائل إن لم يرد بذلك بطلان النبوة في حق الضعفاء لقصور فهمهم فما ذكره ليس بحق بل الصحيح أنه لا تناقص فيه وأن الكامل من لا يطفي نور معرفته نور ورعه وملاك الورع النبوة)).

المهم أنهم علقوا عقائدهم بأوهام باطلة تبطل الدين، فإن الدين صحيح، والصحيح لا يتناقض،وإنما غرهم سراب الفناء.

[23] ـ قال العراقي في(تخريج أحاديث الإحياء){71/1}: (( رواه أبو عبد الرحمن السلمي في الاربعين له في التصوف من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف)).

قال الألباني في( الضعيفة)(2/262): (( ضعيف جدا))، و أشار إلى ضعفه المنذري في (الترغيب)(1/62).

[24] ـ قال ابن الجوزي في ( المنتظم في تاريخ الملوك و الأمم){63/5}:

(( وأخذ في تصنيف كتاب (الإحياء) في القدس، ثم أتمه بمدمشق، إلا أنه وضعه على مذهب الصوفية، وترك فيه قانون الفقه ….. وذكر في كتاب (الإحياء) من الأحاديث الموضوعة وما لا يصح غير قليل، وسبب ذلك قلة معرفته بالنقل، فليته عرض تلك الأحاديث على من يعرف، وإنما نقل نقل حاطب ليل.

وكان قد صنف للمستظهر كتاباً في الرد على الباطنية، وذكر في آخر مواعظ الخلفاء، فقال: روي أن سليمان بن عبد الملك بعث إلى أبي حازم ابعث إلي من إفطارك، فبعث إليه نخالة مقلوة، فبقي سليمان ثلاثة أيام لا يأكل، ثم أفطر عليها، وجامع زوجته فجاءت بعبد العزيز،فلما بلغ ولد له عمر بن عبد العزيز.

وهذا من أقبح الأشياء؟، لأن عمر ابن عم سليمان، وهو الذي ولاه فقد جعله ابن ابنه، فما هذا حديث من يعرف من النقل شيئاً أصلاً.

وكان بعض الناس شغف بكتاب (الإحياء) فأعلمته بعيوبه، ثم كتبته له فأسقطت ما يصلح إسقاطه. وزدت ما يصلح أن يزاد.)).

[25] ــ قد يقول بعضهم: إن الشك الذي يريده الغزالي هو ترك حسن الظن في العلم، وتحقيق الدين بالبحث والعلم، وليس تلقيه بمجرد التقليد، وهذه المعاني صحيحة وإن عبرنا عنها بلفظ مثل لفظ الشك؟

فنقول له: يجب حينئذ التفريق بين الثوابت القطعية وبين ما يجوز التوقف فيه وإعادة النظر،كما نقول أيضا: لو أنه انتهج هذا المنهج مع الفلسفة الإشراقية وعلم الكلام فلربما قاده إلى معرفة هدي السلف الصالح، ولكنه انتهجه مع النصوص فلم يوقف الحقيقة عليها وأوقفها على النظر الفلسفي والتجرد الصوفي!

[26] ــ أخذ الغزالي هذا المفهوم للسعادة عن ابن سينا القائل: ” فكمال الجوهر العاقل إن تتمثل فيه جلية الحق بقدر ما يمكنه إن ينال منه ببهائه الذي يخصه، ثم يتمثل فيه الوجود كله على ما هو مجردا عن الشواب مبتدئا فيه بعد الحق الأول بالجواهر العقلية العالية، ثم الروحإنية وإلاجرام السماوية ثم بعد ذلك تمثلا لا يمايز الذات، فهذا هو الكمال الذي يصير به الجوهر العقلي بالفعل، وما سلف فهو الكمال الحيوإني”.”الإشارات”{91/2}.

وفي أقسام العارفين يزيد الأمر وضوحا ويجعل الحاجة للإنبياء للعوام فقط، وربما قد أدرك ابن سينا السعادة العقلية الباطنية بكثرة شرب الخمر التي كان مولعا بها؟.

أما عند العلماء والعباد وأهل الدين فإن صلاح النفس في محبة المعلوم المعبود وهي عبادته لا في مجرد علم ليس في ذلك، فالسعادة في الكتاب والسنة في العلم بالله وما يقرب إليه، فالسعادة في الإسلام والإيمان أي السعادة في طاعة الله والشقاوة في معصيته وما سوى ذلك سفسطة.

[27] ـ والحقيقة تقال إن تأثير الإغريق على الفلاسفة والمتكلمين وبعض المتصوفة المسلمين عميق جدا، فأفلاطون صاحب المثل أو المعاني يقول: ما من شيء في هذا العالم إلا وله في العالم العقلي معنى يقابله، هو عماد وجوده ومنبع حياته وأصل حركته وموضوع علمنا به.

فكل ما استقر وجوده في العالم السفلي له في العالم العلوي مثال بسيط مجرد عن قشور المادة، مفارق للمادة قائم بنفسه، فهما عالمان متطابقان: عالم الحس والمشاهدة، وعالم العقل واليقين أو المثل. نظرية المثل عند أفلاطون.

وهذا الكلام نجده عند الفارابي وابن سينا والغزالي والرازي، فابن سينا يقول: فالحيوان الواحد لا يحصل واحدا، وقد تقدمه معنى الوحدة الذي به صار واحدا ولولاه لم يصح وجوده،فإذا هو الشرف الأبسط الأول، وهذه صورة العقل.

قال الرازي في(مفاتيح الغيب){333/4}: (( مذهب حكماء الإسلام أن الموجودات الغائبة عن الحواس علل أو كالعلل للموجودات المحسوسات وعندهم أن العلم بالعلة علة للعلم بالمعلول فوجب كون العلم بالغيب سابقا على العلم بالشهادة)).

يقول أفلاطون: كنا أدركنا حينئذ المعاني العقلية في أول الفطرة قبل الهبوط إلى هذا العالم السفلي، فإذا شرعت في التعلم فكأنها قد أفاقت من نومها وفتحت بصرها وتذكرت ما رأته في حياتها السابقة، فإذا واظبت على ذلك ولم تكسل حصل لها العلم شيئا فشيئا، وهو في نفس الأمر رجوع النفس إلى جوهرها واتصالها بعالمها الذي منه هبطت وإليه تعود.

وهذا الكلام بعينه يقوله الغزالي في (الإحياء) و(ميزان العمل) و(الرسالة اللدنية){ص:245}: (( العلوم مركوزة في أصل النفس بالقوة كالبذر في الأرض، والجوهر في قعر البحر، أو في قلب المعدن، والتعلم هو طلب خروج ذلك الشيء من القوة إلى الفعل)).

ويقول{ص:345}: (( وليس التعلم إلا رجوع النفس إلى جوهرها وإخراج ما في ضميرها إلى الفعل… فاشتغال النفس بالتعلم هو إزالة المرض العارض عن جوهر النفس لتعود إلى ما علمت في أول الفطرة)).

فهذه كلها أفكار أفلاطونية محضة مبسوطة في المحاورات الأفلاطونية سيما ( بثاتيتوس ) و(فيدون).

[28] ـ سماها قبله أفلوطين الجوهر النوراني: الإنسان الباطن، والعقل الأول، ذروة العقل، عين القلب.

[29] ــ يعتقد بعض أهل الدين أن السعادة في الدنيا والآخرة لا تكون إلا في الدين، وهذا صحيح، ولكن الإشكال في تعريف السعادة، فهناك سعادة الروح، وسعادة النفس، والسعادة المادية، فلا ينكر عاقل أن المال من أسباب السعادة، والدين ليس من أسباب تحصيل المال بل العمل هو السبيل الوحيد لتحصيل المال المشروع.

وعليه، فعندما نسمع بعض أهل الدين يخاطبون الناس بأنهم بمجرد تدينهم تنتهي مشاكلهم المالية، ويجعل لهم الله من كل ضيق مخرجا وتنتهي مشاكلهم يصير هؤلاء الدعاة باعة للوهم والخيبة إذ لم يفرقوا بين أنواع السعادة ، بين السعادة التي كفلها الدين للمتقين، وبين أصناف السعادة الأخرى التي يزعمون خطئا أن الدين جالب لها ضامن لها ضرورة.

السعادة عند بعض المفكرين والفلاسفة تكون في مجرد أن يعلم الإنسان الوجود على ما هو عليه، وعند آخرين أكثر تديّنا من هؤلاء هي مجرد العلم والتصديق بالله، ولا يشترطون عملا يؤديه الإنسان من فعل طاعة واجتناب معصية، فهؤلاء حصروا السعادة في العلم فمتى علم الإنسان حقيقة الشيء كان سعيدا، ولكننا لم نجد إنسانا يتكون من قوة العلم فقط، بل وجدنا أن العلم هو أحد قوتي النفس، وليس هو القوة الوحيدة لها، فإن للنفس قوتين: قوة العلم و التصديق، وقوة الإرادة والعمل، كما أن الحيوان له قوتان: قوة الحس وقوة الحركة بالإرادة.

ولا ينحصر صلاح الإنسان في مجرد أن يعلم الحق ويدرك حقائق الوجود دون أن يحب الحق ويريده ويتبعه، كما أنه ليس سعادته في أن يكون عالما بالله، مقرا بما يستحقه دون أن يكون محبا لله ،عابدا لله، مطيعا لله، فأشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه، فإذا علم الإنسان الحق وأبغضه وعاده كان مستحقا من غضب الله وعقابه ما لا يستحقه من ليس كذلك.

كما أن من كان قاصدا للحق طالبا له، وهو جاهل بالمطلوب وطريقه كان فيه من الضلال ما لا يستحقه من ليس مثله، ولهذا أمرنا الله أن نقول { اهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين إنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين).

فهؤلاء المغضوب عليهم علموا الحق فلم يحبوه ولم يتبعوه، والضالون قصدوا الحق لكن بجهل وضلال به وبطريقه، فهذا عالم فاجر، وهذا عابد جاهل.

قال النبي صلى الله عليه و سلم صلى الله عليه وسلم : (( اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون)) الترمذي في( التفسير){2954} وأحمد{4/378}.

والعلمانيون والفلاسفة أسوأ حالا من اليهود والنصارى فإنهم جمعوا بين جهل هؤلاء وضلالهم وبين فجور هؤلاء وظلمهم، فصار فيهم من الجهل والظلم ما ليس في اليهود والنصارى، حيث جعلوا السعادة في مجرد أن يعلموا الحقائق حتى يصير الإنسان عالما معقولا مطابقا للعالم الموجود، ولم ينالوا من معرفة الله وأسمائه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله وخلقه وأمره إلا شيئا نزرا قليلا.

فهؤلاء جهلهم أعظم من علمهم، وضلالهم أكبر من هداهم، فهم مترددون بين الجهل البسيط والجهل المركب، وكلامهم عن التقنيات والعلوم السياسية والاجتماعية والاستراتجيات الدولية والاختراعات والاكتشافات في مجال الالكترونيك والفيزياء والمعلوماتية والهندسة الوراثية لا يفيد كمال النفس وصلاحها، وإنما يحصل ذلك بالعلم الإلهي، وهم فيه أجهل من حجر.

أما كلامهم في الله فهو حق قليل وباطل كثير، هذا إن لم يعادوا الدين كلية.

سعادة الإنسان لا تحصل إلا بزكاة نفسه فهما مرتبطان، والنفس تزكو بفعل ما يحبه الله ورسوله وترك المكروه، فالسعادة بفعل الحسنات وترك السيئات، ذلك أن الحسنات إذا انتفت عنها السيئات زكت، وبالزكاة تطيب النفس من الخبائث، وتعظم في الطاعات، كما أن الزرع إذا أزيل عنه الدغل زكا وطهر وعظم.

فأصل السعادة ومنتهاها في اتباع النبي صلى الله عليه و سلم فلقد كان في المشركين زهاد وفي أهل الكتاب زهاد، وفي أهل الزيغ زهاد، ومع ذلك لم تزكوا أنفسهم، ولأن من الناس من يزهد لطلب الراحة من تعب الدنيا، ومنهم من يزهد لمسالمة أهلها والسلامة من آذاهم، ومنهم من يزهد في المال لطلب الراحة، وإنما أمر الله ورسوله أن يزهد فيما لا يحبه الله ورسوله،ويرغب فيما يحبه الله ورسوله، فيكون زهده هو الإعراض عما لم يأمر الله به ورسوله أمر إيجاب ولا أمر استحباب.

أصل السعادة:

قال النبي صلى الله عليه و سلم: (( القلب أشد تقلبا من القدر إذا استجمعت غليانا)) رواه أحمد{416} و الطبراني في الكبير{253/20} والحاكم في ( المستدرك){289/2} وقال: (( هذا حديث على شرط البخاري ولم يخرجاه)) ووافقه الذهبي.

فإذا كان القلب بمثل هذا التقلب والغليان ما يكون أعلاه يصير أسفله، وما يكون أسفله يصير أعلاه، لم يكن مالكا زمام أموره كلية، فيستحيل عليه أن يهدأ ويهمد من غير سبب يوجب له ذلك، فكان بحاجة إلى من يعينه على الثبات والاستقرار، فإن هداه الله علمه ما ينفعه وما يضره، فيريد ما ينفعه ويترك ما يضره.

والله سبحانه تفضل على بني آدم بأمرين هما أصل السعادة:

الأول: أن الإنسان يولد على الفطرة، كما في ( الصحيحين) البخاري{2599} ومسلم{2658/2} قال النبي صلى الله عليه و سلم عن ربه: (( إني خلقت عبادي حنفاء)) فالنفس بفطرتها إذا تركت كانت محبة لله، تعبده لا تشرك به شيئا، ولكن يفسدها من يزين لها من شياطين الإنس والجن.

الثاني: أن الله تعالى هدى الناس هداية عامة بما جعل فيهم من عقل يفكر وينظر ويميّز بين الأقوال، وبما أنزل إليهم من الكتب، وأرسل إليهم من الرسل قال تعالى: { اقرأ باسم ربك الذي خلق } إلى قوله: { ما لم يعلم } (العلق).

وقال تعالى: { الرحمـن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان } وقال : { سبح اسم ربك إلاعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى }( إلاعلى) وقال: { وهديناه النجدين }( البلد).

(شوهدت 186 مرة, و 1 اليوم)