الرئيسية / شبهات حول الحديث / حجية خبر الواحد

حجية خبر الواحد

قال “الشافعي: “فإن قال قائل: اذكر الحجة في تثبيت خبر الواحد بنصِّ خبر أو دلالةٍ فيه أو إجماعٍ.
فقلت له أن النبي قال: “نضَّر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرُبَّ حاملِ فقهٍ غيرِ فقيه ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه.
ثلاثٌ لا يَُغِلُّ عليهن قلبُ مسلم: إخلاصُ العمل لله، والنصيحةُ للمسلمين، ولزوم، جماعتهم، فإنّ دعوتهم تحيط من روائهم”. [ رواه البيهقي في المدخل. ورواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه والدارمي عن زيد بن ثابت] فلما نَدَب رسول الله إلى استماع مقالته وحفظِها وأدائها امرأً يؤديها، والامْرُءُ واحدٌ: دلَّ على أنه لا يأمر أن يُؤدَّى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه؛ لأنه إنما يُؤدَّى عنه حلال يُحَل، وحرام يُجتَنَب، وحدٌّ يُقام، ومالٌ يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دينٍ ودنيا.
ودل على أنه قد َيحمل الفقهَ غيرُ فقيه، يكون له حافظاً، ولا يكون فيه فقيهاً.

قال النبي: “لا أُلفِيَنَّ أحدكم متّكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من أمري، مما نهيت عنه أو أمرت به، فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه”
وفي هذا تثبيتُ الخبر عن رسول الله وإعلامُهم أنه لازم لهم، وإن لم يجدوا له نصَّ حكمٍ في كتاب الله، وهو موضوع في غير هذا الموضع.

عن عطاء بن يسار: أن رجلاً قبَّل امرأته وهو صائم، فَوَجَد من ذلك وجْداً شديداً، فأرسل امرأته تسأل عن ذلك، فدخلت على أم سلمة أمِّ المؤمنين، فأخبرتها، فقالت أم سلمة: إن رسول الله يقبِّل وهو صائم. فرجعت المرأة إلى زوجها فأخبرته، فزاده ذلك شراً، وقال: لسنا مثلَ رسول الله، يُحِل الله لرسوله ما شاء. فرجعت المرأة إلى أم سلمة فوجدت رسول الله عندها، فقال رسول الله: ما بال هذه المرأة؟ فأخبرته أم سلمة، فقال: ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك؟ فقالت أم سلمة: قد أخبرتها فذهبت إلى زوجها فأخبرتْه فزاده ذلك شراً، وقال: لسنامثل رسول الله، يُحل الله لرسوله ما شاء. فغضب رسول الله ثم قال:
والله إني لأتقاكم لله، ولأعلمكم بحدوده” [وصله عبد الرزاق بإسناد صحيح عن عطاء عن رجل من الأنصار وأحمد في المسند 5/434 وانظر مجمع الزوائد 3/166]

قال “الشافعي: “في ذكر قول النبي صلى الله عليه: ” ألَّا أخبرتيها أني أفعل ذلك” دلالةٌ على أن خبر أم سلمة عنه مما يجوز قبوله؛ لأنه لا يأمرها بأن تخبر عن النبي إلا وفي خبرها ما تكون الحجةُ لمن أخبرتْه.
وهكذا خبرُ امرأته إن كانت من أهل الصدق عنده.

عن ابن عمر قال: “بينما الناس بقُباءٍَ في صلاة الصبح إذ أتاهم آت، فقال: إن رسول الله قد أُنزل عليه قُرَآن وقد أُمر أن يستقبل القبلة فاستقبَِلوها وكانت وجوههم إلى الشأْم فاستداروا إلى الكعبة”
وأهلُ قباءٍَ أهلُ سابقة من الأنصار وفقه، وقد كانوا على قبلةٍ فرض الله عليهم استقبالها.
ولم يكن لهم أن يَدَعوا فرض الله في القبلة إلا بما تقوم عليهم الحجة، ولم يلقوا رسول الله، ولم يسمعوا ما أنزل الله عليه في تحويل القبلة، فيكونون مستقبلين بكتاب الله وسنة نبيه سماعاً من رسول الله ولا بخبر عامّةٍ، وانتقلوا بخبر واحد، إذا كان عندهم من أهل الصدق: عن فرضٍ كان عليهم، فتركوه إلى ما أخبرهم عن النبي أنه أَحدث عليهم من تحويل القبلة.
ولم يكونوا ليفعلوه – إن شاء الله – بخبر إلا عن علم بأن الحجة تثبُت بمثله، إذا كان من أهل الصدق.
ولا ليُحدثوا أيضاً مثل هذا العظيم في دينهم إلا عن علم بأن لهم إحداثَه.
ولا يدعون أن يخبروا رسول الله بما صنعوا منه.
ولو كان ما قَبلوا من خبر الواحد عن رسول الله في تحويل القبلة، وهو فرض: مما يجوز لهم، لقال لهم – إن شاء الله – رسول الله: قد كنتم على قبلةٍ، ولم يكن لكم تركها إلا بعد علم تقوم عليكم به حجة من سماعكم مني، أو خبرِ عامةٍ أو أكثرَ من خبر واحد عني.

عن أنس بن مالك قال: كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة بن الجرَّاح وأُبيَّ بن كعب شراباً من فضيخٍ وتمرٍ، فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حُرِّمت. فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذه الجِرار فاكسرها، فقمت إلى مِهْراسٍ لنا، فضربتُها بأسفلِه حتى تكسَّرت”. [ رواه البخاري: في الأشربة، وفي خبر الواحد، ومسلم: في الأشربة.] وهؤلاء في العلم والمكان من النبي وتَقَدُّمِ صحبته بالموضع الذي لا يُنكِره عالم.
وقد كان الشراب عندهم حلالاً يشربونه، فجاءهم آت وأخبرهم بتحريم الخمر، فأمر أبو طلحة – وهو مالك الجرار – بكسر الجرار، ولم يقل هو، ولاهم، ولا واحد منهم: نحن على تحليلها حتى نلقى رسول الله مع قربه منا أو يأتينا خبر عامَّة.
وذلك أنهم لا يُهرِيقون حلالاً، إهراقُه سَرَفٌ، وليسوا من أهله.
والحال في أنهم لا يدَعون إخبار رسول الله ما فعلوا، ولا يَدَع – لو كان قبِلوا من خبر الواحد ليس لهم -: أن ينهاهم عن قبوله.

وأمر رسول الله أنساً أن يغدو على امرأة رجل ذكر أنها زَنَت، فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها.

عن عمرو بن سليم الزُّرَقي عن أمه قالت: “بينما نحن بمنى إذا علي بن أبي طالب على جملٍ يقول: إن رسول الله يقول: إن هذه أيامُ طعام وشراب، فلا يصومنَّ أحد، فاتبع الناسَ وهو على جمله يصرخ فيهم بذلك.
ورسول الله لا يبعث بنهيه واحداً صادقاً إلا لزم خبرُه عن النبي، بصدقه عن المنهيين عن ما أخبرهم أن النبي نهى عنه.
ومع رسول الله الحاجُّ، وقد كان قادراً على أن يبعث إليهم فيشافهَهُم، أو يبعث إليهم عدداً، فبعث واحداً يعرفونه بالصدق.
وهو لا يبعث بأمره إلا والحجة للمبعوث إليهم وعليهم قائمةٌ بقبول خبره عن رسول الله.
فإذا كان هكذا مع ما وصفتُ من مقدرة النبي على بعثه جماعةً إليهم: كان ذلك – إن شاء الله – فيمن بعده ممن لا يمكنه ما أمكنهم، وأمكن فيهم: أولى أن يَثبت به خبر الصادق.

عن يزيد بن شيبان قال: كنا في موقف لنا بعرفة يُباعده عمروٌ من موقف الإمام جداً، فأتانا ابن مِرْبَع الأنصاري فقال لنا: أنا [ص:414] رسول رسول الله إليكم: يأمركم أن تقفوا على مشاعركم، فإنكم على إرثٍ من إرث أبيكم إبراهيم.

وبعث رسول الله أبا بكر والياً على الحج في سنة تسع، وحضره الحج من أهل بلدان مختلفة، وشعوب متفرقة، فأقام لهم مناسكهم، وأخبرهم عن رسول الله بما لهم وما عليهم.

وبعث عليَّ بن أبي طالب في تلك السنة، فقرأ عليهم في مجمعهم يوم النحر آيات من {سورة براءة} ، ونبذ إلى قوم على سواءٍ وجعل لهم مدداً، ونهاهم عن أمور. فكان أبو بكر وعليٌّ معروفين عند أهل مكة بالفضل والدين والصدق، وكان من جَهِلَهما أو أحدَهما من الحاجّ وجد من يخبره عن صدقهما وفضلهما.
ولم يكن رسول الله ليبعث إلا واحداً الحجةُ قائمة بخبره على من بعثه إليه، إن شاء الله.

وقد فرَّق النبي عمّالًا على نواحي، عرفنا أسماءهم، والمواضع التي فرّقهم عليها.
فبعث قيسَ بن عاصم والزِّبرقانَ بن بدر وابن نُوَيرة إلى عشائرهم بعلمهم بصدقهم عندهم.

وقدِم عليهم وفد البحرين، فعرفوا من معه، فبعث معهم ابن سعيد بن العاص.

وبعث معاذ بن جبل إلى اليمن، وأمره أن يقاتل مَن أطاعه مَن عصاه، ويعلِّمهم ما فرض الله عليهم، ويأخذ منهم ما وجب عليهم لمعرفتهم بمعاذ، ومكانِه منهم وصدقِه.
وكل من ولَّى فقد أمره بأخذ ما أوجب الله على من ولَّاه عليه.
ولم يكن لأحد عندنا في أحدٍ ممن قدِم عليه من أهل الصدق: أن يقول: أنت واحد وليس لك أن تأخذ منا ما لم نسمع رسول الله يذكر أنه علينا.
ولا أحسبه بعثهم مشهورين في النواحي التي بعثهم إليها بالصدق: إلا لِمَا وصفتُ من أن تقوم بمثلهم الحجةُ على من بعثه إليه.

وفي شبيهٍ بهذا المعنى أمراءُ سرايا رسول الله: فقد بعَث بَعْث مؤتةَ فولَّاه زيدَ بنَ حارثة، وقال: فإن أصيب فجعفرٌ، فإن أصيب فابنُ رواحة. وبعث ابنَ أُنيس سريَّةً وحدَه.
وبعث أمراء سراياه، وكلُّهم حاكم فيما بعثه فيه؛ لأن عليهم أن يدعوا من لم تبلغه الدعوة، ويقاتلوا من حلَّ قتاله.
وكذلك كلُّ والي بعثه أو صاحبِ سريَّة.

ولم يزل يمكنُه أن يبعث واليين وثلاثة وأربعة وأكثر.

وبعث في دهرٍ واحد اثنى عشر رسولاً إلى اثنى عشر ملكاً، يدعوهم إلى الإسلام، ولم يبعثهم إلا إلى من قد بلغته الدعوة، وقامت عليه الحجة فيها، وألاّ يكتب فيها دلالاتٍ لمن بعثهم إليه على أنها كتُبُهُ.
وقد تحرّى فيهم ما تحرى في أمرائه: من أن يكونوا معروفين، فبعث دَِحْية إلى الناحية التي هو فيها معروف.

ولو أن المبعوث إليه جهل الرسول كان عليه طلبُ علمِ أن النبي بعثه ليستبرىء شكَّه في خبر رسول الله، وكان على الرسول الوقوفُ حتى يستبرئه المبعوثُ إليه.
ولم تزل كتب رسول الله تَنْفُذ إلى ولاته بالأمر والنهي، ولم يكن لأحد من ولاته تركُ إنفاذ أمره، ولم يكن ليبعث رسولاً إلا صادقاً عند من بعثه إليه.
وإذا طلب المبعوثُ إليه عِلمَ صدقه وَجَدَه حيث هو.
ولو شك في كتابه بتغييرٍ في الكتاب أو حالٍ تدل على تهمةٍ، من غفلة رسولٍ حَمَلَ الكتابَ: كان عليه أن يطلب علم ما شك فيه حتى يُنفِذَ ما يَثبت عنده من أمر رسول الله.
وهكذا كانت كتب خلفائه بعده وعمالُهم، وما أجمع المسلمون عليه: من أن يكون الخليفة واحداً والقاضي واحدٌ، والأمير واحدٌ، والإمامُ.
فاستخلفوا أبا بكر، ثم استخلف أبو بكر عمرَ، ثم عمرُ أهلَ الشورى ليختاروا واحداً، فاختار عبدُ الرحمن عثمانَ بن عفان.
قال: والولاة من القضاة وغيرهم يقضون، فتَنفُذُ أحكامهم، ويقيمون الحدود، ويُنفِذُ مَن بعدهم أحكامهم، وأحكامُهم أخبارٌ عنهم.

ففيما وصفتُ من سنة رسول الله، ثم ما أجمع المسلمون عليه منه: دلالةٌ على فرقٍ بين الشهادة والخبر والحكم.

ألا ترى أن قضاء القاضي على الرجل للرجل إنما هو خبر يخبر به عن بينة تثبت عنده، أو إقرار من خصمٍ به أقر عنده، وأنفذ الحكم فيه، فلما كان يلزمه بخبره أن يُنفِذَهُ بعلمه كان في معنى المخبِرِ بحلال وحرام، قد لزمه أن يُحِلَّه ويحّرمه بما شهد منه.
ولو كان القاضي المخبرُ عن شهودٍ شهدوا عنده على رجل لم يُحاكَم إليه، أو إقرارٍ من خصم لا يلزمه أن يحكم به، لمعنى أنْ لم يُخاصَم إليه، أو أنه ممن يُخاصَم إلى غيره، فحكم بينه وبين خصمه ما يلزم شاهداً يشهد على رجل أن يأخذ منه ما شُهِدَ به عليه لمن شُهِدَ له به: كان في معنى شاهدٍ عند غيره، فلم يقبل – قاضياً كان أو غيرَه – إلا بشاهد معه كما لو شهد عند غيره لم يقبله إلا بشاهد، وطلب معه غيره، ولم يكن لغيره إذا كان شاهداً أن يُنفِذَ شهادته وحده.
أخبرنا سفيان وعبد الوهاب عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيَّب: أن عمر بن الخطاب قضى في الإبهام بخمسَ عشرة، وفي التي تليها بعشر، وفي الوسطى بعشر، وفي التي تلي الخنصر بتسع، وفي الخنصر بست.
قال “الشافعي”: لما كان معروفاً – والله أعلم – عند عمر أن النبي قضى في اليد بخمسين وكانت اليد خمسة أطراف مختلفةِ الجمال والمنافع: نزَّلها منازِلَها، فحكم لكل واحد من الأطراف بقَدْره من دية الكفِّ، فهذا قياس على الخبر.
فلما وجدنا كتاب آل عمرو بن حزم فيه: أن رسول الله قال: وفي كل إصبع مما هنالك عشرٌ من الإبل صاروا إليه.
ولم يقبلوا كتاب آل عمرو بن حزم – والله أعلم – حتى يثبت لهم أنه كتاب رسول الله.
وفي الحديث دلالتان: أحدهما: قبول الخبر، والآخر: أن يُقبل الخبر في الوقت الذي يثبت فيه، وإن لم يمضي عمل من الأئمة بمثل الخبر الذي قبلوا.
ودلالةٌ على أنه مضى أيضاً عملٌ من أحد من الأئمة، ثم وَجَدَ خبراً عن النبي يخالف عملَه لترك عمله لخبر رسول الله.
ودلالةٌ على أن حديث رسول الله يثبت بنفسه لا بعمل غيره بعده.
ولم يقل المسلمون قد عَمِل فينا عمر بخلاف هذا بين المهاجرين والأنصار، ولم تذكروا أنتم أن عندكم خلافَه ولا غيرُكم، بل صاروا إلى ما وجب عليهم، من قبول الخبر عن رسول الله، وترك كل عمل خالفه.
ولو بلغ عمرَ هذا صار إليه – إن شاء الله – كما صار إلى غيره فيما بلغه عن رسول الله، بتقواه لله وتأديته الواجبَ عليه، في اتباع أمر رسول الله، وعلمه وبأنْ ليس لأحد مع رسول الله أمرٌ، وأن طاعة الله في اتباع أمر رسول الله.

فإن قال قائل: فادلُلْني على أن عمر عمل شيئاً، ثم صار إلى غيره بخبرٍ عن رسول الله.
قلت: فإن أوجدْتُكَهُ؟
قال: ففي إيجادكَ إياي ذلك دليل على أمرين: أحدهما: أنه قد يقول من جهة الرأي إذا لم توجد سنة، والآخر: أن السنة إذا وُجدت وجب عليه ترك عمل نفسه، ووجب على الناس ترك كل عمل وُجدت السنة بخلافه، وإبطالُ أن السنة لا تثبت إلا بخبرٍ بعدها، وعُلم أنه لا يُوهِنُها شيء إن خالفها.
قلت: أخبرنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب كان يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً. حتى أخبره الضّحّاك بن سفيان أن رسول الله كتب إليه: أن يُوَرِّث امرأة أَشْيَمَ الضِّبَابيِّ من ديته، فرجع إليه عمر.
وقد فَسَّرت هذا الحديث قبل هذا الموضع. [كتاب الأم 6/77 والحديث رواه أحمد 3/452 وأبو داود والترمذي وابن ماجه.] سفيان عن عمرو بن دينار وابن طاوس عن طاوس: أن عمر قال: أُذَكِّرُ اللهَ امرأً سمع من النبي في الجنين شيئاً، فقام حَمَلُ بن مالك بن النابغة، فقال: كنت بين جارتين لي – يعني ضرتين – فضربت إحداهما الأخرى بِمِسْطَح فألقت جنيناً ميتاً، فقضى فيه رسول الله بِغُرَّةٍ . فقال عمر: لو لم أسمع فيه لقضينا بغيره.
وقال غيره: إن كِدْنا أن نقضي في مثل هذا برأينا.
فقد رجع عمر عما كان يقضي به لحديث الضّحّاك إلى أن خالف حكم نفسه، وأخبر في الجنين أنه لو لم يسمع هذا لَقَضَى فيه بغيره، وقال: إن كِدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا.
قال “الشافعي”: يخبر – والله أعلم – أن السنة إذا كانت موجودة بأن في النفس مائةً من الإبل، فلا يعدو الجنين أن يكون حياً فيكونَ فيه مائةٌ من الإبل، أو ميتاً فلا شيء فيه.
فلما أُخبر بقضاء رسول الله فيه سَلَّمَ له، ولم يجعل لنفسه إلا اتِّبَاعه، فيما مضى بخلافه، وفيما كان رأياً منه لم يبلغه عن رسول الله فيه شيء، فلما بَلَغَه خلاف فعله صار إلى حكم رسول الله، وترك حكم نفسه، وكذلك كان في كل أمره.
وكذلك يلزمُ الناسَ أن يكونوا.
أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن سالم: أن عمر بن الخطاب إنما رجع بالناس عن خبر عبد الرحمن بن عوف.
قال “الشافعي”: يعني حين خرج إلى الشام، فبلغه وقوع الطاعون بها.
مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن عمر ذكر المجوس، فقال: ما أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف: أشهد لَسَمِعت رسول الله يقول: سُنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب. [رواه مالك في الموطأ 1/264 وهذا إسناد منقطع؛ لأن محمداً لم يلقَ عمر ولا عبد الرحمن بن عوف. لكن معناه متصل من وجوه حسان. انظر شرح الزرقاني على الموطأ 2/73 وفتح الباري 6/186] سفيان عن عمرو: أنه سمع بَجَالَةَ يقول: ولم يكن عمر أخذ الجزية حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن النبي أخذها من مجوس هَجَرٍَ.

قال “الشافعي”وكل حديث كتبته منقطعاً، فقد سمعته متصلاً أو مشهوراً عن من رُوي عنه بنقل عامةٍ من أهل العلم يعرفونه عن عامةٍ، ولكني كرهت وَضع حديثٍ لا أتقنه حفظاً، وغاب عني بعض كتبي، وتحققت بما يعرفه أهل العلم مما حفظتُ، فاختصرت خوف طول الكتاب، فأتيت ببعض ما فيه الكفايةُ دون تقصِّي العلم في كل أمره.

فقبل عمر خبر عبد الرحمن بن عوف في المجوس، فأخذ منهم وهو يتلو القُرَآن {من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} ، ويقرأ القُرَآن بقتال الكافرين حتى يسلموا، وهو لا يعرف فيهم عن النبي شيئاً، وهم عنده من الكافرين غيرِ أهل الكتاب، فقبل خبر عبد الرحمن في المجوس عن النبي فاتبعه. وحديث بَجَالة موصول، قد أدرك عمر بن الخطاب رجلاً، وكان كاتباً لبعض ولاته.

فإن قال قائل: قد طلب عمر مع رجل أخبره خبراً آخر؟
قيل له لا يطلب عمر مع رجلٍ أَخبَرَه آخرَ إلا على أحد ثلاث معاني:
[ص:433] إما أن يحتاط فيكونَ، (1) وإن كانت الحجة تثبت بخبر الواحد، فخبر اثنين أكثر، وهو لا يزيدها إلا ثبوتًا.
وقد رأيت ممن أثبت خبر الواحد مَن يطلب معه خبراً ثانياً، ويكونُ في يده السنة من رسول الله من خمس وجوه فَيُحَدِّثُ بسادس فيكتبُهُ، لأن الأخبار كلما تواترت وتظاهرت كان أثبتَ للحجة، وأطيبَ لنفس السامع.
وقد رأيت من الحكام مَن يَثبت عنده الشاهدان العدلان والثلاثةُ، فيقول للمشهود له: زدني شهوداً وإنما يريد بذلك أن يكون أطيبَ لنفسه، ولو لم يَزِده المشهود له على شاهدين لَحَكَمَ له بهما.
ويحتمل أن يكون لم يعرف المخبر فيقفَ عن خبره حتى يأتي مخبرٌ يعرفه.
[ص:434] وهكذا ممن أخبر ممن لا يُعرف لم يُقبل خبره. ولا يُقبل الخبر إلا عن معروف بالاستئهال له، لأن يُقبل خبره.
ويحتمل أن يكون المخبر له غير مقبول القول عندَه، فيَرُدُّ خبره حتى يجد غيره ممن يَقبل قولَه.

فإن قال قائل: قد طلب عمر مع رجل أخبره خبراً آخر؟
قيل له لا يطلب عمر مع رجلٍ أَخبَرَه آخرَ إلا على أحد ثلاث معاني:
اما أن يحتاط، وإن كانت الحجة تثبت بخبر الواحد، فخبر اثنين أكثر، وهو لا يزيدها إلا ثبوتًا.
وقد رأيت ممن أثبت خبر الواحد مَن يطلب معه خبراً ثانياً، ويكونُ في يده السنة من رسول الله من خمس وجوه فَيُحَدِّثُ بسادس فيكتبُهُ، لأن الأخبار كلما تواترت وتظاهرت كان أثبتَ للحجة، وأطيبَ لنفس السامع.
وقد رأيت من الحكام مَن يَثبت عنده الشاهدان العدلان والثلاثةُ، فيقول للمشهود له: زدني شهوداً وإنما يريد بذلك أن يكون أطيبَ لنفسه، ولو لم يَزِده المشهود له على شاهدين لَحَكَمَ له بهما.

ويحتمل أن يكون لم يعرف المخبر فيقفَ عن خبره حتى يأتي مخبرٌ يعرفه.
وهكذا ممن أخبر ممن لا يُعرف لم يُقبل خبره. ولا يُقبل الخبر إلا عن معروف بالاستئهال له، لأن يُقبل خبره.
ويحتمل أن يكون المخبر له غير مقبول القول عندَه، فيَرُدُّ خبره حتى يجد غيره ممن يَقبل قولَه.

فإن قال قائل: فإلى أي المعاني ذهب عندكم عمر؟
قلنا: أما في خبر أبي موسى فإلى الاحتياط، لأن أبا موسى ثقة أمين عنده، إن شاء الله.
فإن قال قائل: ما دل على ذلك؟
قلنا: قد رواه مالك بن أنس عن ربيعة عن غير واحد من علمائهم حديثَ أبي موسى، وأن عمر قال لأبي موسى: وأَمَا إني لم أتهمك، ولكن خشيت أن يَتَقَوَّلَ الناس على رسول الله.
فإن قال: هذا منقطع.
فالحجة فيه ثابتة، لأنه لا يجوز على إمام في الدين – عمرَ ولا غيرِهِ -: أن يقبل خبر الواحد مرة، وقبولُه له لا يكون إلا بما تقوم به الحجة عنده، ثم يَرُدُّ مثله أخرى. ولا يجوز هذا على عالم عاقل أبداً، ولا يجوز على حاكم أن يقضي بشاهدين مرة، ويمنع بهما أخرى، إلا من جهة جَرحهما أو الجهالَةِ بِعَدلهما. وعمر غايةٌ في العلم والعقل والأمانة والفضل.

وفي كتاب الله تبارك وتعالى دليل على ما وصفتُ:
قال الله: {إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه} [نوح 1] وقال: {ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه} [هود 25 والمؤمنون 23 والعنكبوت 14] وقال: {وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل} [النساء 163] وقال: {وإلى عاد أخاهم هوداً} [الأعراف 65 وهود 50] وقال: {وإلى ثمود أخاهم صالحاً} [الأعراف 73 وهود 61] وقال: {وإلى مَدْينَ أخاهم شعيباً} [الأعراف 85 وهود 84 والعنكبوت 36] وقال: {كذَّبت قومُ لوطٍ المرسلين. إذ قال لهم أخوهم لوطٌ: ألا تتقون. إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون} [لشعراء 160 – 163] وقال لنبيه محمد صلى الله عليه: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح} [النساء 163] وقال: {وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل} [آل عمران 144]

فأقام جل ثناؤه حجته على خلقه في أنبيائه في الأعلام التي باينوا بها خلقه سواهم، وكانت الحجة بها ثابتة على من شاهد أمور الأنبياء ودلائلهم التي باينوا بها غيرهم، ومَن بعدهم، وكان الواحد في ذلك وأكثرُ منه سواءً، تقوم الحجة بالواحد منهم قياماً بالأكثر.
قال: {واضرب لهم مثلاً أصحابَ القرية إذ جاءها المرسلون. إذ أرسلنا إليهم اثنين، فكذبوهما، فَعَزَّزنا بثالث، فقالوا: إنا إليكم مرسلون. قالوا: ما أنتم إلا بشرٌ مثلُنا، وما أنزل الرحمن من شيءٍ. إن أنتم إلا تَكْذبون} [يس 13 – 15] قال “الشافعي”: فَظَاهَرَ الحُجَجَ عليهم باثنين، ثم ثالثٍ، وكذا أقام الحجةَ على الأمم بواحد، وليس الزيادة في التأكيدِ مانعةً أن تقوم الحجة بالواحد، إذ أعطاه ما يبايِنُ به الخلْق غيرَ النبيين.

أخبرنا مالك عن سعد بن إسحاقَ بن كعبِ بن عُجْرَةَ عن عمته زينبَ بنتِ كعبٍ: أن الفُرَيْعةَ بنت مالك بن سنانٍ أخبرَتْها أنها جاءت إلى النبي تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خُدْرَةَ، فإن زوجها خرج في طَلَبِ أَعْبُدٍ له، حتى إذا كان بِطَرَفِ القدوم لَحِقَهُم، فقتلوه، فسألتُ رسول الله أن أَرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم يتركني في مسكنٍ يملكه، قالت: فقال رسول الله: نعم. فانصرفْتُ، حتى إذا كنتُ في الحُجرة أو في المسجد دعاني، أو أمر بي فَدُعِيت له، فقال: كيف قُلتِ؟ فَرَدَدْتُ عليه القصة التي ذكرت له من شأن زوجي، فقال لي: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجلَهُ. قالت: فاعتددت فيه أربعةَ أشهر وعشراً، فلما كان عثمانُ أرسل إلي، فسألني عن ذلك، فأخبَرْتُهُ، فاتَّبَعَهُ، وقضى به. [رواه في الأم أيضاً 5/208 ورواه أبو داود والترمذي والنسائي كلهم من طريق مالك انظر شرح الزرقاني.] وعثمان في إمامته، وعلمه يقضي بخبر امرأة بين المهاجرين والأنصار.

__________
الشافعي في الرسالة ج1 ص401

(شوهدت 14 مرة, و 1 اليوم)

شاهد أيضاً

شبهة ضياع خمسمائة خطبة نبوية:

  هذه شبهة جديدة أملاها الشيطان على بعض منكري السنة المعاصرين، ثم أخذ الآخرون يرددونها …