الرئيسية / شبهات حول الصحابة / الرد على مقطع سبع حقائق عن أبي هريرة لاتعرفها

الرد على مقطع سبع حقائق عن أبي هريرة لاتعرفها

متى يكفّ بعض العرب عن القابلية للاستحمار؟
(صبي الكونغرس الأمريكي وطعنه بأبي هريرة نموذجا)

فيديو جديد تنشره صفحة “أصوات مغاربية” بعنوان “7 أشياء صادمة عن أبي هريرة؟ ولماذا يعتبره البعض من أكثر الشخصيات غموضا في التاريخ الإسلامي؟”.
إنها جولة أخرى من تسطيح العقل العربي والتي تتحفنا بها مؤسسة “أصوات مغاربية”، وهي مؤسسة تعرّف نفسها في موقعها الرسمي بأنّها “تابعة لشبكة الشرق الأوسط للإرسال MBN، التي تدير أيضا قناة “الحرة” و”راديو سوا”، وهي مؤسسة لا تبغي الربح، يمولها الكونغرس الأميركي من خلال هبة مقدمة من مجلس أمناء البث الإذاعي والتلفزيوني BBG وهو وكالة فيدرالية مستقلة”. طبعا يموّلونها احتسابًا عند الله!
في هذا الفيديو القصير المكوّن من 4 دقائق هناك حشد هائل من المغالطات التي لا تنطلي إلا على الجهلة الذين لا يقرأون. نعم، هذا الصبي الجاهل يستخفّ بعقولهم ويطمئنّ أنكم لا تقرأون ولا تراجعون وراءه!
ولنبدأ ببيان المغالطات بإيجاز:

– أولا: بخصوص اسم أبي هريرة: اسمه أبو هريرة. هكذا ببساطة، أشهر من نار على علم، لقيه مئات التابعين وعرفوه وأقرّوا له بالعلم بحديث رسول الله، وعرفه عدد من كبار الصحابة وذكروه كما هو موثّق في كتب السنّة. وكمثال أقول: لا أحد يعرف أنّ اسم أبي “محمد جابر” في مدينتي عكا، عدد هائل يعرفه باسم “شريف” (وهو اسمي!)، وآخرون يعرفونه باسم “أبو سهيل”، وغيرهم يعرف أنّه محمّد فقط. فماذا يعني ذلك وهو معروف عند الناس؟ وبخصوص أبي هريرة فقد ذهب معظم أهل الحديث إلى أن اسمه عبد الرحمن بن صخر. وقد ذكر الذهبي في السير وغيره أسماء أكثر من 300 من أعلام الصحابة والتابعين الذين التقوا به ورووا عنه، ويوجد عن كل واحد من هؤلاء بيانات في كتب التراجم، فكيف يُجهل من كان هذا حاله؟!

– ثانيا: يقول إنّ أبا هريرة روى 5374 حديثا، ويتساءل: من أين جاء بها جميعا ولم يكن الرسول مكثارا؟ وكيف أتيح له سماع 5374 حديثا في عام ونصف؟ والرد على النحو التالي: أما صحبة أبي هريرة للرسول صلى الله عليه وسلم فلم تكن عامًا ونصف، بل كما قال فيما روي عنه في صحيح البخاري: “صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين لم أكن في سنيّ أحرص على أن أعيَ الحديث مني فيهن”. وأما بخصوص العدد فإليكم هذه المفاجأة: هذا العدد هو عدد الروايات المكررة المنسوبة لأبي هريرة في دواوين السنة، يعني مثلا: لو حدّث (أ) عن (ب) عن (ج) عن أبي هريرة، وحدّث (ه)ـ عن (و) عن (ز) عن أبي هريرة نفس الحديث؛ سيتم عدّ روايتين. وعندما يحدّث أبو هريرة في مجلس حديثا واحدًا يسمعه عنه 10 وتنتشر رواياتهم عن تلاميذهم فاحسب معي كم يمكن أن يُضاعف عدد الرواية الواحدة له. والأصل أن نعدّ رواياته هو لا ما تكرّر بعده. والحاصل أنّه بعد حذف المكرر في الكتب سنجد أنّ أحاديث أبي هريرة لن تزيد عن 1500 حديث فقط. أما ما تفرّد به، أي ما رواه ولم يروه غيره من الصحابة فهو نحو 100 حديث فقط! هذا وقد أخذتُ بأكثر الإحصائيات عددا. وهذه الأحاديث التي تفرّد بها ليس فيها من الأحكام سوى نحو 9 أحاديث في مسائل فرعية، ومعظمها في الفضائل والترغيب والأخلاق والآداب (مستفاد من بحث للأخ محمد بن علي المطري). فما العجب في هذا العدد إذا علمنا أنّه صحبه نحو 3 سنين؟ وإذا علمنا أنّ بعض هذه الأحاديث كان يسمعه من كبار الصحابة بعد وفاة الرسول؟
فإذا كنتم تشكّكون في العدد الكبير ها قد ظهر العدد الحقيقي، وإذا كنتم تشكّكون في الأحاديث ذاتها فغالبيّتها الساحقة مروية عن غيره من الصحابة!

– ثالثا: لاحظ كيف قال “صاحبُ كتابُ سيرُ أعلام النبلاء”، برفع كلمتي “كتاب” و”سير” وحقّهما الخفض، فهل هذا أهلٌ ليفهم علم الحديث وهو لا يحسن إعراب هذه الكلمات الواضحة؟!

– رابعا: قال الصبي إنّ الذهبي ذكر في السير “أنّ أبا هريرة كان يدلّس ويلقي أحاديث غريبة بالمئات”. والصحيح أن ما ذكره الذهبي هو التالي: “قال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: كان أبو هريرة يدلس”. ولم يذكر أنه كان يلقي أحاديث غريبة بالمئات! ولاحظ معي أيها القارئ أنه لا علاقة بين مصطلح “التدليس” وبين الأحاديث العجيبة، فهذا الصبي يستغل جهل المسلمين بمعنى مصطلح “التدليس”، ويعتمد على الظلال السلبية الحادّة للكلمة في عصرنا، بينما هي تعني في الحديث أن يحدّث عمّن سمع منه ما لم يسمعه منه، فمثلا يمكنني أن أقول: “قال أبي كذا وكذا”، بينما أنا سمعت الكلام من أخي عن أبي؛ فرويته عن أبي مباشرة ثقةً بأخي واختصارا للكلام. فمثلا: لو سمع أبو هريرة حديثا عن الرسول صلى الله عليه وسلّم من أبي بكر الصدّيق، فإنّه قد يحدّث في مجلس من المجالس قائلا: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم…”، وليس في هذا عيب، ولهذا علّق الذهبي مباشرة بعد نقله لقول شعبة (وهو ما لم ينقله الصبيّ): “قلت: تدليس الصحابة كثير ولا عيب فيه؛ فإن تدليسهم عن صاحب أكبر منهم، والصحابة كلهم عدول”. والخلاصة أن وصف شعبة لأبي هريرة بأنه “كان يدلّس” ليس ذمّا بل هو توصيف علمي.

– خامسا: قوله “صحابة لازموا النبي 23 عام لم يرووا عنه إلا بضعة أحاديث” كذب محض، فانظر أيها القارئ إلى هذه الإحصائية للمكثرين من الرواة (وهي عن بحث للأخ محمد بن علي المطري): أنس بن مالك: 546. عبد الله بن عمر: 480. عبد الله بن عباس: 450. جابر بن عبد الله: 400. عائشة أم المؤمنين: 392. أبو سعيد الخدري: 312. عبد الله بن مسعود: 274. عبد الله بن عمرو: 245. أبو أمامة: 141. علي بن أبي طالب: 127. أبو موسى الأشعري: 123. أبو ذر الغفاري: 106. وغيرهم كثير. فكيف يُقال بضعة أحاديث؟!

وهناك أمر مهم يجب الانتباه إليه، أن صحابة مثل عمر بن الخطاب وأبي بكر الصديق من الطبيعي جدا ألا يرووا العدد الذي رواه أبو هريرة، ولنقارن بين عمر بن الخطاب الذي صحب النبي أكثر من أبي هريرة وبين أبي هريرة، فقد ذُكر أنه روى نحو 83 حديثا (وهي ليست بضعة أحاديث أيضا!)، فماذا يعني ذلك؟ حتى تفهم السبب انظر لتاريخ وفاة عمر، فهو 23 هـ، بينما توفي أبو هريرة عام 59 هـ. هل تعلم ماذا يعني ذلك؟ أن هناك 33 عامًا كاملة بعد وفاة عمر، دخل في الإسلام فيها الملايين، وولد مئات الآلاف ممن لم يرَوا الرسول صلى الله عليه وسلّم. عمر في المدينة، عاش بعد النبي فترة كان مشغولا فيها بشؤون الدولة، سواء كوزير لأبي بكر أو حاكم فعلي لدولة كبيرة، ولم يتفرّغ للتحديث، وفضلا عن ذلك (وهو الأهم) أنّه وهو في المدينة لمن يحدّث؟ معظم المجتمع من الصحابة الذين سمعوا الرسول صلى الله عليه وسلم، والسنن في المدينة فاشية في سلوك الناس وأحوالهم لا تغيب.
أما أبو هريرة، فبعد عشرات السنين من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ونشأة أجيال من المتلهّفين لسماع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير الصحابة، وخصوصا من الأمصار الأخرى، فمن الطبيعي جدّا أن تكون هناك حاجة عند الصحابي المتأخر أن يُخبر هؤلاء بأحاديث النبي وأحواله، فكيف إذا كان قد تخصص لذلك لنحو ثلاث سنوات وتفرّغ لسماع الحديث وتتبع أحوال الرسول صلى الله عليه وسلّم؟

ولهذا فلو قارنت مثلا بين موطأ مالك وصحيح البخاري ستجد أن مالكًا ذكر روايات أقل من الحديث، والسبب أن السنن في المدينة حيث عاش مالك فاشية شائعة، والحاجة لرواية الأحاديث أقل، وكثير من السنن يرويه بصيغة “الأمر عندنا”، أي في المدينة. وقد عاش مالك بين عامي 93-179 هـ. أما البخاري، فهو في بلاد بعيدة وفي زمن أبعد من مالك بقرن من الزمان، فقد عاش بين عامي 194-256 هـ، فكانت حاجة الناس لتدوين السنن وتوثيقها أكبر، ومن ثم وجدناه يحرص على جمعها، فضلا عن كونه سافرَ وسمع من الكثير من الرواة، بخلاف مالك الذي لم يغادر المدينة.

– سادسا: يزعم الصبي أن أبا هريرة صحب معاوية وألقى الأحاديث مقابل المال! ولا مستند له في ذلك، والعجيب أن الصبي المتحدث نفسه يلقي المغالطات والأكاذيب في الفيديو (كما رأينا) مقابل أموال الكونغرس الأمريكي، فيا للمفارقة! وقد ظهر أن معظم ما رواه أبو هريرة رواه غيره من الصحابة، مما يدلّ على مصداقية الرجل ويهدم كل التشغيب الحاصل حول نزاهته. أما الروايات عن عمر بن الخطاب وأنه منعه من التحديث أو ضربه بالدرة فهي ضعيفة لا تصح، وهذا حال الروايات الأخرى المشابهة لها. وأما رواية “مضيرة معاوية” فهي منكرة، فقد كان عليّ بالعراق وكان معاوية في الشام، وهي تزعم أن أبا هريرة كان يأكل مع معاوية في الشام ثم إذا حضرت الصلاة يصلي مع علي في العراق، وهو كلام لا يصدّقه إلا المجانين! وكذلك الرواية عن عائشة وما قالته في حقه من شتم وأنه شغله عن رسول الله بطنه منكرة لا تصح. والملاحَظ أن الصبي لا يذكر مصادره في الكثير من الروايات. ومع ذلك فالخلاف بين الصحابة وارد، وقد حدث مثله بين عائشة رضي الله عنها وغير أبي هريرة من الصحابة في مسائل مثل ثبوت حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس في ذلك ما يطعن بأحد من الصحابة.

والخلاصة كما ترون، أكاذيب ومغالطات تستخف بالمتلقّي، ويتقاضى هذا الصبي من الكونغرس الأمريكي المال مقابل هذه الأكاذيب، ثم يطعن بصحابي جليل أجمع الأئمة على عدالته وسعة علمه ونزاهته، بل دلّت – كما رأينا – الإحصائيات الحديثة على نزاهته، وأن النسبة الساحقة مما رواه مروي عند غيره، فهو صادق صدوق رضي الله عنه، مع أن السنّة ليست مبنيّة عليه حتى يكون الطعن فيه إسقاطًا للسنّة، وهو ما يريده أمثال هذا الصبي.
وأخيرا أخي القارئ، أدعوك لقراءة كتابي “مفاتيح لفهم السنة”، وقد جمعت فيه الرد على أبرز الشبهات حول السنّة النبوية، مع بيان مفهومها وطبيعتها. يمكن تحميل الكتاب مجانا من هنا: http://al-sabeel.net/portfolio-item/مفاتيح-لفهم-السنة/

رحم الله عبدًا مخلصا دعا لي في ساعة صدق بالهداية والتوفيق

(شوهدت 186 مرة, و 1 اليوم)

شاهد أيضاً

شبهة أن أم المؤمنين عائشة تستقبل الرجال في غرفة نومها

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته كنت محتاج الرد الشبهة : لماذا كان الرجال ينامون عند …