الرئيسية / مقال عام / جوابٌ عن استشكال حكمةِ الأحكامِ التَّعبُّديَّة.

جوابٌ عن استشكال حكمةِ الأحكامِ التَّعبُّديَّة.

السؤال:

كيف نقنع مسلما بالأحكام التعبدية؟ فُتح نقاش ذات مرة مع مسلم وإذ به يتطلع لفهم كل تشريع والحكمه من مشروعيته ولا يتبع الا ما يفهمه

الجواب:

أولا نبين له معنى الإسلام وما يتضمنه من الانقياد لله واعتقاد ألوهيته واستحقاقه للطاعة المطلقة والتسليم, ثم امتثال ذلك عمليا, وعدم معاملة الأمر الشرعي كشيء فيه تخيير وتوقيف على اقتناع شخص بذوقه وما يظنه عقلا صحيحا

ثانيا نبين له أن كل الأحكام الشرعية مشتملة على الحكمة والمصلحة الدنيوية والأخروية, علم ذلك من علمه وجهله من جهله, ولا يضر أن يجهل الناقص بذلك فعلمنا محدود وعلم الله مطلق, ولا يحكم المحدود على المطلق

ثالثا الأحكام التعبدية عموما تكون المصالح المترتبة عليها مصالح أخروية وتعبدية يراد منها استخلاص المقامات القلبية الإيمانية من العبد وإصلاح باطنه وإدخاله في سلك التسليم لله , وهذا لا يعني أنه ليس لها فوائد دنيوية, لكن الأصل فيها هو هذا, والحكم الدنيوية منها قد تكون خفية يصعب إدراكها, كأن يقول شخص لماذا ركعات المغرب ثلاثة وليست اثنتين أو اربعة, فهنا قد تحتار العقول في تحديد الحكمة, لكنها لا تحيلها, بمعنى أنها لا تقول بأنه يستحيل وجود حكمة, لكنه تتحير في وجهها, وهذا التحير حقيقة لا يبقى إذا فكرنا بالطريقة الصحيحة, لان حكمة الله معلومة بضرورة العقل, ومعلوم أنها لا تتخلف لأنها مطلقة, ومعلوم من تفاصيل الشريعة بالضرورة أنها مبنية على المصالح, فالعاقل يقيس ما غاب عن ذهنه على ما حضر, وما أكثر ما نستحضر من الحكم بأدنى نظر في الأحكام الشرعية, فالواجب أن نقيس ما غاب على ما شهدنا, وهو قياس ضروري صحيح, وعليه يعمل كل العقلاء فيما هو أدنى من أمر الدين, وهو أمور دنياهم, فتراهم يأخذون بقول الطبيب الثقة وإن لم يفهموا وجه وصفه لهذا الدواء أو قراره في تلك الجراحة, وهو بشر معرض للخطأ, ولله المثل الأعلى, فكيف بموقف العبد من الحكيم الخبير الذي هو خالق العقل, ولا يمكن أن يهب للإنسان عقلا فيكون محصلا لكمال ليس عند واهبه!!

رابعا: القول بأن الإنسان لا يعمل إلا إذا اقتنع قول شنيع, فهذا معناه أنه لم يحقق التسليم والانقياد لله بل هو منقاد لما يظنه عقلا صحيحا وكأن عقله كامل وغير محدود ومنزه أبدا عن الأهواء والمعقولات الفاسدة والتحيزات, وهذا القول مؤداه أن العقل الصحيح يمكن أن يتعارض مع شرع الله, فيكون الشرع ناقصا ويعود ذلك بالاستنقاص من الرب سبحانه تعالى عن ذلك علوا كبيرا, وهذا أيضا تناقض صارخ, فالعقل هو ما دل على صحة الإسلام وأنه من عند الله, وهذا يقتضي التسليم بأمره سبحانه والتصديق بوحيه, ففرض التعارض بين العقل والوحي حقيقته والحالة هذه هي القول بأن العقل يتناقض مع العقل! وهذا باطل محض

ولتتأمل في قصة إبراهيم وموسى وكيف امتحن بما لم يدرك حكمته المباشرة وبما يتنافر مع العاطفة الأبوية والخوف على الحياة من الابن, ومع ذلك قال تعالى: {فلما أسلما وتله للجبين} الآيات , فسماه إسلاما, والعاقل الذي رأى دلائل صدق النبوة وصحة هذا الدين لا يمكن أن يضع نفسه في موضع إبليس الذي استنكر أمر الله له بالسجود لآدم برأي فاسد استند فيه لخلقه من النار وخلق آدم من الطين, فاستكبر عن أمر الله وأبى الانقياد وكان من الكافرين فلعنه الله وصار إلى شقاء أبدي هو واتباعه الغاوين. فأقول: العاقل يقتدي بإبراهيم عليه السلام الذي جعل الله لنا فيه أسوة حسنة, ولا ينحط إلى كبر إبليس ورأيه الفاسد فيكون من اتباعه.

والله أعلم

د. طارق بن طلال عنقاوي



رابط المقال الأصلي: جوابٌ عن استشكال حكمةِ الأحكامِ التَّعبُّديَّة.

(شوهدت 40 مرة, و 1 اليوم)

شاهد أيضاً

عدم إدراك كيفية الشيء لا يبرر إنكار وجوده !

تخيل معي أنّك خرجت من غرفتك وهي على أعلى ما يمكن من الفوضى ، وأغلقت …