الرئيسية / شبهات حول منهج أهل السنة والجماعة / السنة والبدعة / شبهة تقسيم الشافعي للبدعة إلى بدعة ضلالة وبدعة حسنة

شبهة تقسيم الشافعي للبدعة إلى بدعة ضلالة وبدعة حسنة

المنقول عنه في تعريف البدعة ما يلي:

أ – ما رواه أبو نعيم في الحلية بسنده عن الشافعي أنه قال: (البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، واحتج بقول عمر بن الخطاب في قيام رمضان نعمت البدعة هي) .

ب – ما رواه ابن عساكر بسنده عن طريق البيهقي عن الربيع بن سليمان والذهبي في السير، بسنده عن الربيع قال: قال الشافعي: (المحدثات من الأمور ضربان: ما أحدث يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو جماعا، فهذه البدعة ضلالة، وما أحدث لا خلاف فيه لواحد منها، فهذه محدثة غير مذمومة، قد قال عمر في قيام رمضان: (نعمت البدعة هذه) يعني أنها محدثة لم تكن، وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى) .

قال المبتدع: هذا تقسيم إمام معترف بفضله وعلمه وعدالته، من عقدت على إمامته ألوية الزمان، ودان لفقهه وفهمه أعلام هذا الدين في القديم والحديث.
وهذا التقسيم صريح في أن من البدع ما هو حسن مقبول في الشرع، وما هو قبيح مردود.
والجواب على هذا الاستدلال من عدة أوجه:

 

الوجه الأول:

أن قول الشافعي رحمه الله عن البدعة المذمومة هي ما خالف السنة. وقوله عن المحدث المذموم، بأنه ما أحدث يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً، منطبق على سائر البدع في دين الله، فليس هناك بدعة إلا وهي مخالفة للكتاب والسنة والآثار والإجماع، وإلا لما كانت بدعة، لأنه لو ثبت لها أصل من هذه الأصول لأصبحت عملاً مروعاً في دين الله.
وهذا ما يتفق عليه علماء المسلمين قديماً وحديثاً، وما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: “ما صنع أمر على غير أمرنا فهو رد “.

وعلى هذا الوجه لا حجة في كلام الشافعي لمحسن البدع، بل الحجة عليه في كلام هذا الإمام.

 

الوجه الثاني:

قول الشافعي رحمه الله أن ما وافق السنة فهو محمود، وقوله: ما أحدث لا خلاف فيه لواحد من هذا يعني الكتاب والسنة والأثر والإجماع فهذه محدثة غير مذمومة، قول فيه إجمال، يحتاج إلى بيان: فإن كان مراده بالبدعة والمحدثة معناهما اللغوي فهذا المعنى مقبول ووارد، وسياق الكلام يدل على أن هذا هو مراد الشافعي رحمه الله، حيث وصف البدعة المذمومة شرعاً، وبين معالمها، ووضح مسالكها، توضيحاً ستغرق سائر أنواع البدع، ثم عطف بذكر البدع المحمودة، مستدلاً عليها بحديث عمر رضي الله عنه وقد مر قبل قليل أن معنى الكلام إليه لتلائمه مع منزلته وعلمه، ومكانته في هذا الدين.
وعلى هذا التوجيه نفسه يمكن حم لكلام الشافعي في قوله هذا، لاسيما وقد سبق بيانه للبدعة المذمومة شرعاً، وألحق في نهاية كلامه قول عمر رضي الله عنه، وإن كان مراده بقوله هذا معنى آخر غير المعنى اللغوي، فهذا ما يأتي بيانه.

الوجه الثالث:

وهو أن يكون مراده رحمه الله الحوادث التي استجدت وليس عليها بأعيانها أدلة من الكتاب أو السنة أو الآثار أو الإجماع، ولكنها تدخل تحت أصل من الدين، وتنضوي تحت قاعدة من قواعده، وهي ليست من العبادات المحضة.
فهذه الحوادث إذا كانت بهذه الصفة فهي محمودة من جهة الشرع، ولا تسمى بدعاً في الدين، وإن كانت تسمى بدعاً من جهة اللغة. وفي هذا الوجه تدخل المصالح المرسلة، بناء على أنها لم تدخل أعيانها لم تدخل أعيانها تحت النصوص المعينة، وإن كانت تلائم قواعد الشرع وهذا محمل آخر يمكن توجيه قول الشافعي إليه.

الوجه الرابع:

من الإنصاف ألا يحمل كلام هذا الإمام أكثر مما يحمل، وألا ينظر إلى كلامه هذا معزولاً عن بقية مقولاته، لا سيما إذا كان في بعض كلامه إجمال، وفي بعضه الآخر تفصيل، فإنه يجب حمل المجمل على المفصل، وتقديم المبين على المبهم، والمنطوق على المفهوم، والعبارة على الإشارة، ومن كلامه الذي يمكن ضمه إلى تعريفه هذا للدعة، ما جاء في الرسالة حيث قال عن الاستحسان الذي يجنح إلى التعلق به كل محسن للبدعة: ( … وهذا يدل على أنه ليس لأحد دون رسول الله أن يقول إلا بالاستدلال إلى أن قال: ولا يقول بما استحسن، فإن القول بما استحسن، فإن القول بما استحسن شيء يحدثه لا على مثال سبق) .

وقال رحمه الله: ( … وهذا يبين أن حراماً على أحد أن يقول بالاستحسان إذا خالف الاستحسان الخبر، والخبر من الكتاب والسنة عين، يتأخى معناها المجتهد ليصيبه … ) .

وقال: (وإنما الاستحسان تلذذ) .

وقال: (ولو قال بلا خبر لازم ولا قياس كان أقرب من الإثم من الذي قال هو غير عالم، وكان القول لغير أهل العلم جائزاً …
ولم يجعل الله لأحد بعد رسوله أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله، وجهة العلم بعد الكتاب والسنة والإجماع والآثار وما وضعت من القياس عليها..) .

وقال: (وإنما الاستحسان تلذذ) .

وقال: (ولو قال بلا خبر لازم ولا قياس كان أقرب من الإثم من الذي قال هو غير عالم، وكان القول لغير أهل العلم جائزاً … ولم يجعل الله لأحد بعد رسوله أن يقول إلا من جهة علم مضى قبله، وجهة العلم بعد الكتاب والسنة والإجماع والآثار وما وضعت من القياس عليها..)

فهل يمكن بعد كل هذا أن يقال بأن الشافعي يستحسن البدع، ويمدحها ويثني عليها، ويجيز التقرب بها إلى الله؟ .

وهل يعقل أن يكون مراد الشافعي بقوله في تعريف البدعة، تحسين المحدثات والحث على اعتناق ما تراه النفوس والعقول والأذواق حسناً؟ .. إن المقارنة بين كلامه في تعريف البدعة وكلامه في ذم الاستحسان يوجب على العاقل معرفة قدر هذا الإمام، فلا يرمه بهذه الداهية الدهياء، ولا ينسب إليه ما هو منه براء.

 

ذكر الذهبي في ترجمته عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت محمد ابن داوود يقول: لم يلحظ في دهر الشافعي كله أن تكلم في شيء من الأهواء ولا نسب إليه ولا عرف به، مع بغضه لأهل الكلام والبدع) .

وذكر أن أحمد بن حنبل كان يقول: (ما رأيت أحداً أتبع للأثر من الشافعي) وذكر ابن الإمام سحنون قال: (لم يكن في الشافعي بدعة) ، ولو كان الشافعي ممن يستحسن البدع، أو يجيز وقوع بعضها شرعاً، لما استحق من هؤلاء الأئمة هذه الأوصاف، ولنقل عنه ولو مرة واحدة، أنه وصف بدعة الدين بأنها حسنة محمود.

 

الوجه الخامس:

وضع الشافعي قواعد في أصول هذا الدين، تدل الناظر فيها على عكس ما توهم المبتدع، الذي يستشهد بما توهم من كلام الشافعي في تعريف البدعة، على استحسان بعض المحدثات، وهذا المحدثات وهذه القواعد تدل بجلاء على أن تعريف الشافعي للبدعة المحمودة، لا بد أن يحمل على غير ما ذهب إليه المحسن للبدع. فمن هذه القواعد قوله عليه رحمه الله (وما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على التحريم، حتى تأتي دلالة منه على أنه أراد به غير التحريم) .

فإذا نظرت إلى قوله صلى الله عليه وسلم: ” وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة “، وقوله: ” من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد “، وجدت أن النهي هنا للتحريم، ولم يرد نص واحد فيه دلالة على النهي ليس للتحريم، بل النصوص متضافرة على هذا المعنى، فهل يقال بعد هذه القاعدة، بأن الشافعي يرى تحسين ما حرمه الله؟ معاذ الله.

ومن القواعد الأصولية التي قالها الشافعي رحمه الله: (فكل كلام كان عاماً ظاهراً في سنة رسول الله على ظهوره وعمومه، حتى يعلم حديث ثابت عن رسول الله بأبي هو وأمي يدل على أنه إنما أريد بالجملة العامة في الظاهر بعض الجملة دون بعض … ) .
وقوله صلى الله عليه وسلم: ” كل بدعة ضلالة “، من العام الظاهر الذي لم يرد على الشرع كله، ما يدل ولا بمفهوم المخالفة على تخصيص شيء منه.

وهذه القاعدة تنقض ما استدل به المحسن للبدع من كلام الشافعي رحمه الله.

 

الوجه السادس:

لو افترض جدلاً أن الشافعي أراد بقوله في تعريف البدعة ما ذهب إليه المبتدع، فإنه كلام بشر لا يمكن أن يعارض به النصوص الشرعية، لاسيما وقد قرر هذا الإمام المطلبي رحمه الله أنه: ( … إذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الشيء فهو اللازم لجميع من عرفه، لايقويه ولا يوهنه شيء غيره، بل الفرض الذي على الناس إتباعه، ولم يجعل الله لأحد معه أمراً يخالف أمره) .
وقال رحمه الله فيما يرويه عنه الربيع بن سليمان: (إذا وجدتم في كتابي خلال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا به ودعوا ما قلته) .

وقال: (كل ما قلت فكان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف قولي ما يصح، فحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى) .

وقال: (كل حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو قولي، وإن لم تسمعوه مني) .

وبمعنى هذا القول وهو من الكلام السائر في الآفاق قوله رحمه الله إذا صح الحديث فهو مذهبي، وإذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط.

وقال رحمه الله: كل مسألة تكلمت فيها وصح الخبر فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أهل النقل بخلاف ما قلت، فأنا راجع عنها في حياتي وبعد مماتي) .

_____
من كتاب: حقيقة البدعة وأحكامها، لـ سعيد بن ناصر الغامدي

(شوهدت 88 مرة, و 1 اليوم)

شاهد أيضاً

براءة الحنفيّة من الفرق البدعية

براءة الحنفيّة من الفرق البدعية  بسم الله الرحمن الرحيم  الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، …