الرئيسية / شبهات حول الحديث / دعوى تعارض أحاديث القتل مع القرآن الكريم

دعوى تعارض أحاديث القتل مع القرآن الكريم

116 زيارة

(*)
يدعي بعض المشككين تعارض حديث: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار…»، مع قوله تعالى: )وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9)( (الحجرات)، فكيف يحكم الرسول – صلى الله عليه وسلم – على القاتل والمقتول إذا التقيا بسيفيهما أنهما في النار، وهذه الآية تأمر المؤمنين إن اقتتلت طائفتان منهم أن يصلحوا بينهما، وهل يأمر الله بالإصلاح بين طائفتين من أهل النار؟!
ويزعمون أيضا أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها..»يعارض قول الله تعالى: )ولا تزر وازرة وزر أخرى( (الإسراء: ١٥)؛ لأن هذا الجزء المحمل لابن آدم يناقض العدالة الإلهية، إذ كيف يؤاخذ الله الإنسان بجريرة غيره، ويعاقبه على ذنب لم يفعله؟
رامين من وراء ذلك إلى الطعن في السنة النبوية وبيان مخالفتها للقرآن الكريم.
وجها إبطال الشبهة:
1)    لا تعارض بين قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما…» وقوله تعالى: )وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما( (الحجرات: ٩)؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – سئل: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصا على قتل صاحبه». فجزاء المقتول بالنار؛ لأنه كان مصرا ومتعمدا قتل صاحبه، أما الآية فتختص بمن لم يكن متعمدا القتل، وإنما كان متأولا؛ لرد بغاة أو نصرة مظلوم، أو توحيد كلمة المسلمين ولم شملهم، أو تعذير خارج عن الدولة، وما إلى ذلك مما لا تعمد فيه.
2)    إن حديث: «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها» لا يتعارض مع قوله تعالى: )ولا تزر وازرة وزر أخرى( (الإسراء: ١٥)؛ لأن الله تعالى يعاقب أئمة الضلال مرتين: مرة على ضلالهم، ومرة أخرى على إضلالهم غيرهم، ولا ينافي هذا العدل الإلهي؛ لأنهم تسببوا في ضلال غيرهم، وشهد القرآن الكريم بذلك فقال تعالى: )ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم( (النحل: ٢٥).
أولا. لا تعارض بين حديث التقاء المسلمين بسيفيهما والحكم عليهما بالنار، وبين آية الإصلاح بين المؤمنين إذا اقتتلوا:
إن حديث: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»[1] الذي يزعم المشككون أنه يتعارض مع قول الله عز وجل: )وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما( (الحجرات: ٩) – حديث في أعلى درجات الصحة؛ لاتفاق الشيخين على إيراده في صحيحيهما، ولا حق لهم فيما ذهبوا إليه؛ لأن موضوع الحديث غير موضوع الآية، فالحديث قد وردت له تكملة وهي قول أبي بكرة – راوي الحديث – لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: “إنه كان حريصا على قتل صاحبه”. وهذه التكملة للحديث معناها أن المسلم الذي يتعمد ويحرص على الخروج لقتل أخيه المسلم يدخل النار، وينطبق هذا على القاتل والمقتول؛ لوجود الحرص والإصرار على القتل لديهما، ولا يدخل في القتل المدافع عن ماله أو دينه أو عرضه أو نفسه؛ لأن هناك فرقا شاسعا بين قتال المسلم عن عرضه ونفسه ودينه وماله، وبين قتال المسلم أخاه المسلم بغير سبب شرعي، فقد ورد في الحديث الشريف: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد»[2]، فهذه أنواع من القتال المشروع بموجب هذه النصوص، ولا يوجد أي مظهر من مظاهر التعارض بين هذه الأحاديث[3].
ومما يؤكد أن القاتل والمقتول إذا التقيا بسيفيهما متعمدان القتل يستحقان النار، أما إذا التقيا بدون هذا القصد بل متأولين للقتال فلا ينطبق عليهما ذلك – ما أورده ابن حجر تعليقا على هذا الحديث حيث قال: “إن الأحنف بن قيس أراد الخروج بقومه لينصر الإمام عليا في حرب الجمل فقابله راوي الحديث أبو بكرة، فسأله: أين تريد؟ قال: “أنصر هذا الرجل – يعني عليا ـ”، فنهاه أبو بكرة عن هذا الخروج وذكر له الحديث السابق، وحمل أبو بكرة الحديث على عمومه في كل مسلمين التقيا بسيفيهما؛ حسما للمسألة، وإلا فالحق أنه محمول على ما إذا كان القتال منهما بغير تأويل سائغ، ويخص ذلك من عموم الحديث المتقدم بدليله الخاص في قتال أهل البغي، وقد رجع الأحنف عن رأي أبي بكرة في ذلك وشهد مع علي باقي حروبه” [4].
فالذي كان بين علي والخوارج أو أصحاب معاوية، ليس من هذا القبيل، بل هو اجتهاد أدى إلى أن تقف كل فئة لتدافع عما ترى أنه الحق، وهذا لم يقترن بنية قتل أحد بذاته والحرص على ذلك، كما أن هناك فرقا شاسعا بين تعمد المسلم قتل أخيه في الإيمان بغير سبب مشروع، وبين الموقف الذي أدى إلى خروج الإمام علي لرد الذين خرجوا على الخلافة وشهروا سلاحهم ضد أمير المؤمنين.
وهذا ما تناولته الآية من الأمر بالإصلاح بين من لم يتعمدوا القتل، وكانوا متأولين مدافعين عن رأي هو الحق في نظرهم، ويتضح ذلك من سبب نزول الآية.
فقد ورد في الصحيحين عن أنس – رضي الله عنه – قال: «قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله بن أبي، فانطلق إليه النبي – صلى الله عليه وسلم – وركب حمارا فانطلق المسلمون يمشون معه – وهي أرض سبخة – فلما أتاه النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: إليك عني، والله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار منهم: والله لحمار رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، فشتما، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فبلغنا أنها نزلت )وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما( (الحجرات: ٩)» [5].
قال الحافظ ابن كثير: “يقول الله تعالى آمرا بالإصلاح بين الفئتين الباغيتين بعضهم على بعض: )وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما( فسماهم الله مؤمنين مع الاقتتال، )فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله( (الحجرات: ٩) أي: حتى ترجع إلى أمر الله ورسوله، وتسمع للحق وتطيعه”[6].
ومما سبق يتبين أن الحديث يتعلق فيما إذا التقى المسلمان للقتال عمدا، وحرص كل منهما على قتل صاحبه، وهذا لا يعارض الآية الكريمة؛ لأنها تختص بالقتل غير العمد.
ثانيا. القرآن الكريم والسنة المطهرة يقرران أن من ارتكب معصية واقتدي به فيها؛ فعليه وزرها ووزر من اقتدى به فيها، ولا ينافي هذا العدالة الإلهية:
لم يكتف أولئك القوم بقولهم: إن الأحاديث تخالف القرآن، بل زعموا أنها تقدح في الذات الإلهية، ومن هذه الأحاديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل»[7]. فيزعمون أنه يتعارض مع قول الله تعالى: )ولا تزر وازرة وزر أخرى( (الإسراء: ١٥).
مستدلين على ذلك بأن هذا يتنافى مع العدل الإلهي؛ إذ كيف يحاسب الله إنسانا – كابن آدم – على فعل غيره؟!
نقول: إن هذا الحديث صحيح سندا باتفاق، فقد رواه الشيخان عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – وهو بذلك في أعلى درجات الصحة، ولقد جاء الحديث شارحا لما جاء في القرآن الكريم من تحميل المسئولية لإمام الضلالة بحمل وزره ووزر من تبعه على نهجه، فقد قال الله عز وجل: )وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون (12) وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون (13)( (العنكبوت).
قال ابن كثير: )وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم( إخبار عن الدعاة إلى الكفر والضلالة أنهم يحملون يوم القيامة أوزار أنفسهم وأوزارا أخر بسبب ما أضلوا من الناس من غير أن ينقص من أوزار أولئك شيئا كما قال تعالى: )ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم( (النحل: ٢٥) [8].
ويقول الطاهر ابن عاشور تعليقا على الآية (13) العنكبوت: “بعد أن كذب الله مشركي مكة في قولهم: )ولنحمل خطاياكم( وكشف كيدهم بالمسلمين، عطف ما أفاد أنهم غير ناجين من حمل تبعات لأقوام آخرين، وهم الأقوام الذين أضلوا وسولوا لهم الشرك والبهتان على وجه التأكيد بحملهم ذلك. فذكر الحمل تمثيل، والأثقال مجاز عن الذنوب والتبعات، وهو تمثيل للشقاء والعناء يوم القيامة بحال الذي يحمل متاعه وهو مثقل به فيزداد حمل أمتعة أناس آخرين.
وقد علم من مقام المقابلة أن هذا حمل ثقيل وزيادة في العذاب وليس حملا يدفع التبعة عن المحمول عنه، وأن الأثقال المحمولة مع أثقالهم هي ذنوب الذين أضلوهم، وليس من بينها شيء من ذنوب المسلمين؛ لأن المسلمين سالمون من تضليل المشركين بما كشف الله لهم من بهتانهم.
وجملة: )وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون (13)( (العنكبوت) تذييل جامع لمؤاخذتهم بجميع ما اختلقوه من الإفك والتضليل، سواء ما أضلوا به أتباعهم، وما حاولوا به تضليل المسلمين فلم يقعوا في أشراكهم، وقد شمل ذلك كله لفظ الافتراء”[9].
وحديث جزاء ابن آدم على قتله أخيه من هذا الباب الذي بينه القرآن الكريم، وهو أن الإنسان إذا فعل معصية أو وزرا فعليه ما فعله، وما فعله أتباعه أيضا، مع أنه لا يحمل وزرهم كله؛ لأن الرسول – صلى الله عليه وسلم – قال: «كفل من دمه»، فقال: «من دمه»وهي للتبعيض.
قال الإمام النووي: وهذا الحديث من قواعد الإسلام، وهو أن كل من ابتدع شيئا من الشر كان عليه مثل وزر كل من اقتدى به في ذلك العمل مثل عمله إلى يوم القيامة [10].
كما أن العقل يؤيد انسجام الحديث مع القرآن، ذلك أن كل عقل سليم وفكر مستنير لابد له أن يفرق بين إمام الضلالة وتابعيه، وبين مبتكر الإثم ومن يقلده في هذا الابتكار حين يكون المبتكر قد رسم لأصحاب السوء طريقة في بعض نواحيه.
والعقل الذي لا يفرق بين الأشياء هو ذلك العقل الذي يقول: إن إمام الضلالة وتابعيه في الإثم سواء، أما الذين يفقهون ويعلمون فإنهم يرون فرقا بين إنسان قد منحه الله شخصية قيادية ليقود بها الناس إلى طريق الهدى، فاستعمل نعمة الله في معصية الله، واستفرغ غاية جهده في إضلال الصالحين من عباد الله، مثل هذا الإنسان يستحق العقوبة مرتين بل مرات، ولا يسوى بينه وبين مقلديه إلا إنسان في عقله دخل، وفي فكره اختلاط[11].
أما ما عورض به الحديث بقوله تعالى: )ولا تزر وازرة وزر أخرى( (الإسراء: ١٥)، فليس فيه أدنى فهم يناسب ما توصل إليه القوم من تحميل الله أوزار الناس بعضها لبعض، كلا، فإن إخبار رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بأن ابن آدم القاتل سيحمل من أوزار الذين تبعوه في تلك السنة – أي القتل – التي سنها، والله يخبر بأن كل نفس ستجازى بما قدمت، ومن سن القتل فسيعاقب على أنه قتل، وعلى أنه سن القتل لمن تبعه، فيأخذ نصيبا مما اقترفوه اقتداء به.
قال صاحب فتح البيان عند تفسير قوله تعالى: )ولا تزر وازرة وزر أخرى(: “قال الزجاج: إن الآثم والمذنب لا يؤاخذ بذنب غيره، وهذا تحقيق معنى قوله تعالى: )وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه( (الإسراء: ١٣)، وأما ما يدل على قوله تعالى: )من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها( (النساء: ٨٥)، وقوله تعالى: )ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم( (النحل: ٢٥) من حمل الغير وزر الغير، وانتفاعه بحسنته، وتضرره بسيئته، فهو في الحقيقة انتفاع بحسنة نفسه، وتضرر بسيئتها، فإن جزاء الحسنة والسيئة اللتين يعملها العامل لازم له، وإنما الذي يصل إلى من يشفع جزاء شفاعته، لا جزاء أصل الحسنة والسيئة. وكذلك جزاء الضلال مقصور على الضالين، وما يحمله المضلون إنما هو جزاء الإضلال [12].
والمعنى: أن وزر أحد لا يحمله غيره، فإذا كان قد تسبب بوزره في إيقاع غيره في الوزر، حمل عليه وزر بوزر غيره؛ لأنه متسبب فيه، وليس ذلك بحمل وزر الغير كله عليه، ولكنه حمل وزر نفسه عليها، وهو وزر التسبب في الأوزار[13].
وهذا من قبيل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «… من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء»[14].
وروى أبو هريرة – رضي الله عنه – مثل هذا الحديث حيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا» [15].
قال أبو حاتم هذا الخبر دال على أن قول الله عز وجل: )ولا تزر وازرة وزر أخرى( (الإسراء: ١٥) أراد به بعض الأوزار لا الكل؛ إذ أخبر المبين – صلى الله عليه وسلم – عن مراد الله – عز وجل – في كتابه أن من سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها من بعده فعليه وزرها ووزر من عمل بها، فكأن الله – عز وجل – قال: )ولا تزر وازرة وزر أخرى( إلا ما أخبركم رسولي – صلى الله عليه وسلم – أنها تزر، والمصطفى – صلى الله عليه وسلم – لم يقل ذلك ولا خص عموم الخطاب بهذا القول إلا من الله، شهد الله له بذلك حيث قال: )وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4)( (النجم) صلى الله عليه وسلم، ونظير هذا قوله عز وجل: )واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه( (الأنفال: ٤١) فهذا خطاب على العموم كقوله تعالى: )ولا تزر وازرة وزر أخرى( ثم قال صلى الله عليه وسلم: «من قتل قتيلا[16] له عليه بينة فله سلبه»[17] فأخبر – صلى الله عليه وسلم – أن السلب لا يخمس… فهذا تخصيص بيان لذلك العموم المطلق[18].
وبما بينا يتضح لنا أن الله – عز وجل – كما يعاقب إمام الضلالة على ضلاله وإضلاله لغيره، يجازي بالإحسان إمام الهدى على هداه وهدايته لغيره، وهذا هو العدل الإلهي، وليس في مجازاة الله لابن آدم الأول بأنه سيكون له كفل عذاب من كل من يقتل إنسانا بغير وجه حق، ليس في هذا أدنى ظلم من الله – حاشاه سبحانه وتعالى – وليس معناه أنه – عز وجل – يعاقب الناس بذنوب غيرهم.
ومما سبق يتبين لنا أن الله – عز وجل – حين يعاقب أئمة الضلالة مرتين، إنما يعاقبهم على أفعالهم الظالمة الصادرة عنهم، فإمام الضلالة يقع منه الفعل السيء فيعاقبه الله عليه، لأنه قد ضل وهو يتحايل على فريسته من دهماء القوم وعوامهم، أو يحملهم على أن يسلكوا طريقته فيكون بسلوكه هذا قد أضلهم، فالضلال والإضلال جميعا إنما قد صدرا عنه؛ فيعذبه الله بمقتضاها، وذلك الذي قعد له القرآن والسنة المطهرة ينطبق على ابن آدم القاتل، ويحمل الحديث على هذا المعنى بدون تأويل في العبارة، أو تحريف في المعنى، ومن ثم فلا تعارض بين حديث ابن آدم القاتل وبين قول الله تعالى: )ولا تزر وازرة وزر أخرى( (الإسراء: ١٥)[19].
·        إن حديث: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، حديث صحيح رواه الشيخان، والقاتل والمقتول يدخلان النار، بسبب حرص كل واحد منهما على قتل صاحبه.
·        إن هذا الحديث قد استشهد به الصحابي أبو بكرة في غير موضعه، وهو أن الأحنف كان خارجا لنصرة الإمام علي، فقابله أبو بكرة وقال له هذا الحديث، وهذا غير صحيح؛ لأن كلا الطائفتين خرج متأولا، وليس هناك إصرار وتعمد منهما للقتل، وعلى هذا المعنى يحمل قوله تعالى: )وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما( (الحجرات: ٩).
·        إن هذه الآية تختص بمن يقتتلان بلا تعمد وقد نزلت في حادثة تقاتل بين الأوس والخزرج بالنعال والسعف، ونظرا لعدم وجود الإصرار منهما وتعمد القتل، بل هو حادث طارئ أدى إلى ذلك التقاتل، أصلح رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بينهما، ولا يعارض الحديث هذه الآية.
·        إن حديث: «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها» إنما هو شارح لما جاء في القرآن الكريم بشأن تحميل المسئولية لإمام الضلالة بحمل وزره، ومن أوزار من اتبعه، لاقتدائهم به، قال تعالى: )وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم( (العنكبوت: ١٣).
·   إن حديث ابن آدم القاتل لا يعارض قول الله تعالى: )ولا تزر وازرة وزر أخرى( (الإسراء: ١٥)؛ لأن صاحب الضلال يجزى على ضلاله فقط، أما الذي تعدى ضلاله إلى إضلال غيره، فسيعاقب على ضلاله في ذاته وعلى إضلاله لغيره، وهذه الآية مخصوصة بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام..».
·        إن حديث: «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها»؛ لا يتنافى مع العدل الإلهي؛ لأنه جزاء الإضلال الذي اقتدي به فيه، كما أن الله تعالى لا يجازي بالعقاب مرتين فقط، بل إنه يعطي الثواب مرتين لمن كان سابق الابتداء بالفعل الحسن، قال الرسول صلى الله عليه وسلم:«من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها».

(*) السنة المفترى عليها، سالم علي البهنساوي، دار البحوث العلمية، الكويت، ط4، 1413هـ/ 1992م. ضلالات منكري السنة، د.طه حبيشي، مكتبة رشوان، القاهرة، ط1، 1417هـ/ 1996م.
[1] . صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الإيمان، باب: ) وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما (، (1/ 106)، رقم (31). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الفتن، باب: إذا توجه المسلمان بسيفيهما، (9/ 3989)، أرقام (7119، 7120).
[2]. صحيح: أخرجه الترمذي (بشرح تحفة الأحوذي)، كتاب: الديات، باب: ما جاء في من قتل دون ماله فهو شهيد، (4/ 564)، رقم (1440). وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي برقم (1421).
[3]. السنة المفترى عليها، سالم علي البهنساوي، دار البحوث العلمية، الكويت، ط4، 1413هـ/ 1992م، ص236، 237.
[4]. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر، تحقيق: محب الدين الخطيب وآخرين، دار الريان للتراث، القاهرة، ط1، 1407هـ/ 1987م، (1/ 107) بتصرف يسير.
[5] . صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: الصلح، باب: ما جاء في الإصلاح بين الناس، (5/ 351)، رقم (2691). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الجهاد والسير، باب: في دعاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصبره على أذى المشركين، (7/ 2827)، رقم (4580).
[6] . تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، دار المعرفة، بيروت، 1400هـ/ 1980م، (4/ 211) بتصرف.
[7] . صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: خلق آدم وذريته، (6/ 419)، رقم (3335). صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: القسامة، باب: بيان إثم من سن القتل، (6/ 2610)، رقم (4300).
[8] . تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، دار المعرفة، بيروت، 1400هـ/ 1980م، (3/ 406).
[9] . التحرير والتنوير، ابن عاشور، دار ابن سحنون، تونس، د. ت، (21/ 221).
[10] . شرح صحيح مسلم، النووي، تحقيق: عادل عبد الموجود وعلي معوض، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ط2، 1422هـ/ 2001م، (6/ 2610).
[11] . ضلالات منكري السنة، د.طه حبيشي، مكتبة رشوان، القاهرة، ط1، 1417هـ/ 1996م، ص510.
[12] . فتح البيان في مقاصد القرآن، صديق بن حسن بن علي الحسيني القنوجي، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1420هـ/ 1999م، (4/ 112، 113).
[13] . التحرير والتنوير، ابن عاشور، دار ابن سحنون، تونس، د. ت، (15/ 50).
[14] . صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الزكاة، باب: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، (4/ 1643، 1644)، رقم (2313).
[15] . صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: العلم، باب: من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، (9/ 3790)، رقم (6678).
[16]. أي في الحرب.
[17]. صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: فرض الخمس، باب: من لم يخمس الأسلاب، (6/ 284)، رقم (3142).
[18]. صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، ابن حبان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط2، 1414هـ/ 1993م، (8/ 101).
[19]. ضلالات منكري السنة، د.طه حبيشي، مكتبة رشوان، القاهرة، ط1، 1417هـ/ 1996م، ص512 بتصرف.

المصدر:

http://bayanelislam.net/Suspicion.aspx?id=03-02-0020

(شوهدت 68 مرة, و 1 اليوم)

شاهد أيضاً

حجية خبر الواحد

قال “الشافعي: “فإن قال قائل: اذكر الحجة في تثبيت خبر الواحد بنصِّ خبر أو دلالةٍ …