فرية معاوية ينال من عليّ بن أبي طالب _ أبو عمر الباحث

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

وبعد:

هذه سلسلة ردود علمية على شبهات  الشيعة الروافض حول الصحابة رضي الله عنهم.

قالوا: كيف تحبون معاوية وتوالونه وهو الذي سَبََّ عليََّ بن أبي طالب ونال منه ؟

واستدلوا بما رواه الإمام ابن ماجة قال:

{ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ سَابِطٍ, وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ فِي بَعْضِ حَجَّاتِهِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدٌ، فَذَكَرُوا عَلِيًّا ، فَنَالَ مِنْهُ ، فَغَضِبَ سَعْدٌ ، وَقَالَ : تَقُولُ هَذَا لِرَجُلٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ , وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى ، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي ، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ الْيَوْمَ رَجُلاً يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ }.

وللرد على هذا الافتراء أقول:

أولًا: الرواية  غير صحيحة:

فسندها ضعيف فيه علة الانقطاع التي تمنعنا من قبوله.

والمسلمون لا يقبلون في دينهم خبرًا حتى تنطبق عليه شروط قبول الرواية بقسميه الصحيح والحسن, وللصحيح شروط خمس وهي:

اتصال السند.

عدالة الرواة.

ضبط الرواة.

انتفاء الشذوذ.

انتفاء العلة.

قال أبو عمرو بن الصلاح: { أَمَّا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ: فَهُوَ الْحَدِيثُ الْمُسْنَدُ الَّذِي يَتَّصِلُ إِسْنَادُهُ بِنَقْلِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ عَنِ الْعَدْلِ الضَّابِطِ إِلَى مُنْتَهَاهُ ، وَلَا يَكُونُ شَاذًّا ، وَلا مُعَلَّلًا }.

علل الرواية:

علة الرواية: الانقطاع بين عبد الرحمن بن سابط وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

قال الإمام العلائي:

{ عبد الرحمن بن سابط القرشي: أَرْسَلَ عن النبيِّ صلى الله عليه و سلم وعن أبي بكر وعمر ومعاذ وجماعة من الصحابة كثيرًا.

وقال يحيى بنُ معين: لم يسمع من سعد بن أبي وقاص ولا من أبي أمامة ولا من جابر، هو مرسل وأثبت له ابنُ أبي حاتم السماع من جابر }.

وقد تكلم في هذا الانقطاع علماء آخرون.

قال الإمام ابن حجر العسقلاني:

{ عبد الرحمن بن سابط…وأما هو فتابعي, كثير الإرسال, ويُقال، لا يصح له سماع من صحابي، أَرْسَلَ عَن النبيِّ صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ كثيرًا }.

فهذا تصريح وافٍ شافٍ كافٍ بأنَّ عبد الرحمن بن سابط لم يسمع من سعد بن أبي وقاص. !

وهذا يخالف الشرطَ الأولَ من شروط قَبُولِ الرواية وهو اتصال السند.

وما وجدت عالِمًا واحِدًا يصحح.

دليل آخر على إرسال القصة:

أسوق للقارئ الكريم ما يؤكد أن هذه القصة مرسلة، ولم يسمعها عبدُ الرحمن بنُ سابط من سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.

روى الإمام ابن أبي عاصم قال:

{ ثنا أَبُو بَكْرٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، قَالا: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، قَالَ: قَدِمَ مُعَاوِيَةُ فِي بَعْضِ حَجَّاتِهِ، فَأَتَاهُ  سَعْدٌ ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ فِي عَلِيٍّ ثَلاثَ خِصَالٍ، لأَنْ يَكُونُ لِي وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ، وَأَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، وَلأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ }.

وهذا أصرح في أنَّ ابن سابط أَرْسَلَ القِصَّةَ عن معاوية وسعد رضي الله عنهما.

وهذا أيضا يؤكد قولنا السابق أن عبد الرحمن بن سابط لم يسمع هذه القصة ولا غيرها من سعد بن أبي وقاص.

ملحوظة مهمة:

ليس في رواية ابن أبي عاصم أن مُعاويةَ نَالَ من عَلِيٍّ رضي الله عنهما.! ول

ولذلك ضعفه الشيخ مقبل بن هادي الوادعي في كتابه ” أحاديث معلة ظاهرها الصحة ” ص146.

علة أخرى:

في سند هذه الرواية أَبُو مُعَاوِيَةَ الضرير وهو محمد بن خازم, وهو ثقة إمام ثَبْتٌ في أحاديث الأعمش, أما في غيره ففيه مقال عند أهل العلم سأنقله للقارئ الكريم ولن أُعَلِّقَ عليه.

قال الإمام الذهبي:

{ قال أحمد بن حنبل: أَبُو مُعَاوِيَةَ فِي غَيْر حَدِيْثِ الأَعْمَشِ مُضْطَرِبٌ، لاَ يَحفَظُهَا حِفْظاً جَيِّدًا }.

قال الإمام ابن حجر العسقلاني:

{ ثقة، قد رُمِيَ بالإرجاء، أحفظ الناس لحديث الأعمش، قد يهم في حديث غيره }.

وطبعا هذه الرواية يرويها أبو معاوية رحمه الله عن موسى بن مسلم, وليس عن الأعمش.

ثانيًا: كتب أخرى تذكر الرواية:

هذه الرواية رواها كذلك الإمامُ ابنُ أبي شَيبة في مُصَنَّفِهِ بنفس هذا السند والمتن.

وينطبق عليها ما ينطبق على رواية الإمام ابن ماجة.

ثالثًا: طالما أن الروايةَ ضعيفةٌ ؛ فلماذا صَحَّحَهَا الألبانيُّ وغيرُه:

الرافضة بسبب جهلهم بكتب أهل السُّنَّة والجماعة يسألون دائما هذا السؤال بعد أن ننسف لهم افتراءاتهم عن الصحابة؛ طالما أن الرواية ضعيفة, فلماذا صححها فلان أو علان ؟!

ونفس هذا السؤال يسأله أتْبِاعُ عدنان إبراهيم بعد نسف الروايات محل استدلالهم !

وللرد على هذا السؤال أقول:

الشيخ الألباني رحمه الله نفسه قد رَدَّ تصحيحَ كثيرٍ مِنَ العلماء لكثير من الروايات, واستدرك عليهم تصحيحهم لها كما استدرك رحمه الله على كثير من العلماء تضعيفهم لكثيرٍ من الروايات، فقام بتصحيحها لأنه وجد لهذه الروايات مَتَابَعَاتٍ وَطُرُقًا وَشَوَاهِدَ أخرى تتقوى بها الروايات.

ولم يقل أحدٌ كيف يستدرك الألبانيُّ على غيره من العلماء؟!

بل إنَّ مِنَ الاستدراكات التي استدركها الشيخ الألباني على من سبقه من أهل العلم هو حديث:  { مَنْ كُنْت مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ } فلقد ضَعَّفَ شيخ الإسلام رحمه الله زيادة: { اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ }.

فأتى لها الشيخُ الألبانيُّ رحمه الله بأسانيد صحيحة, فنحن نقول إنها زيادة صحيحة.

و نحن قد أخذنا بكلام الشيخ الألباني لأنَّ الحقَّ مَعَهُ في تَصْحِيحِ هذه الزيادة.

وعليه فلا يلزمنا تصحيح الشيخ الألباني لسند رواية ابن ماجة لعلة الانقطاع الواردة فيها. والحاصل أننا نتبع الدليل وليس الأشخاص، والرواية علتها ظاهرة، وقد خفيت على الشيخ الألباني أو نسيها، فنلتزم الدليل الصحيح الذي أصاب فيه الألباني ولا نأخذ بما جانبه فيه الصواب.

رابعًا: الرواية تخالف الصحيح الثابت:

قال الإمامُ الذهبيُّ:

{ جَاءَ أَبُو مُسْلِمٍ الخَوْلاَنِيُّ وَأُنَاسٌ إِلَى مُعَاوِيَةَ، وَقَالُوا: أَنْتَ تُنَازِعُ عَلِيًّا، أَمْ أَنْتَ مِثْلُهُ ؟

فَقَالَ: لاَ وَاللهِ، إِنِّيْ لأَعْلَمُ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنِّي، وَأَحَقُّ بِالأَمْرِ مِنِّي، وَلَكِنْ أَلَسْتُم تَعْلَمُوْنَ أَنَّ عُثْمَـانَ قُتِلَ مَظْلُوْماً، وَأَنَا ابْنُ عَمِّهِ، وَالطَّالِبُ بِدَمِهِ، فَائْتُوْهُ، فَقُوْلُوا لَهُ، فَلْيَدْفَعْ إِلَيَّ قَتَلَةَ عُثْمَـانَ، وَأُسْلِمَ لَهُ.

فَأَتَوْا عَلِيّاً، فَكَلَّمُوْهُ، فَلَمْ يَدْفَعْهُم إِلَيْهِ }.

وقال المحققون: رجاله ثقات.

فهذا إقرار من معاوية لعليٍّ رضي الله عنهما بالخلافة وأنه أفضل منه وأحق بأمر الخلافة منه.

فلماذا سيشتمه وينال منه ؟!

خامِسًا: من فمك أُدينك:

سنفترض أن الرواية صحيحة – وهي ضعيفة قطعًا – فإنَّ كُتبكم يا رافضة تجعل مَنْ يَسُبُّ عليًا في حِلٍّ وليس عليه أيُّ مؤاخذة.!!

روى المجلسيُّ:

{ عَنْ عليًّ قال: مَنْ سَبَّنِي فَهُوَ فِي حِلٍّ مِنْ سَبِّي }.

سؤال للرافضة:

إذا كان معاوية يشتم عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنهما؛ فهل يجعل هذا ابنه الحسن بن علي رضي الله عنه يتعامل مع معاوية معاملة الـمُحِبِّ, ويذهب إليه ليأخذ منه المال ؟؟

بل كان معاوية رضي الله عنه يجزل له العطاء, ويعطيه ما لم يعطه أحدًا مثله قبه ولا بعده.!

قال الإمام ابنُ كثير:

{ قَدِمَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: لَأُجِيزَنَّكَ بِجَائِزَةٍ لَمْ يُجِزْ بِهَا أَحَدٌ كَانَ قَبْلِي. فَأَعْطَاهُ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ أَلْفٍ. وَوَفَدَ إِلَيْهِ مَرَّةً الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ فَأَجَازَهُمَا عَلَى الْفَوْرِ بِمِائَتَيْ أَلْفٍ، وَقَالَ لَهُمَا: مَا أَجَازَ بِهَا

أَحَدٌ قَبْلِي. فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: وَلَمْ تُعْطِ أَحَدًا أَفْضَلَ مِنَّا }.

والخلاصة أن هذه مجرد أكاذيب وخرافات حشرها الرافضة في عقول أتباعهم.

سادسًا: عقيدة أهل السنة في الصحابة:

ونحن إذ ننقل عقيدة أهل السنة والجماعة في الصحابة نقول أن من يخالف هذا المعتقد فليس من أهل السنة والجماعة حتى لو ملأ الأرص صراخا وعويلا بأنه منهم. فليست العبرة بما يَدَّعِيْهِ الشخص عن نفسه, وإنما العبرة بما يعتقده ويصرح بأنه يعتقده.

قال الإمام النووي:

{ وَاعْلَمْ أَنَّ سَبَّ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ حَرَامٌ مِنْ فَوَاحِشِ الْمُحَرَّمَاتِ سَوَاءٌ مَنْ لَابَسَ الْفِتَنَ مِنْهُمْ وَغَيْرُهُ لِأَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ فِي تِلْكَ الْحُرُوبِ مُتَأَوِّلُونَ كَمَـا أَوْضَحْنَاهُ فِي أَوَّلِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةَ مِنْ هَذَا الشَّرْحِ قَالَ الْقَاضِي وَسَبُّ أَحَدِهِمْ مِنَ الْمَعَاصِي الْكَبَائِرِ وَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يُعَزَّرُ وَلَا يُقْتَلُ وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ يُقْتَلُ }.

قال الإمام ابن حجر العسقلاني:

{ وَاتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى وُجُوبِ مَنْعِ الطَّعْنِ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ عَرَفَ الْمُحِقَّ مِنْهُمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوا فِي تِلْكَ الْحُرُوبِ إِلَّا عَنِ اجْتِهَادٍ وَقَدْ عَفَا اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمُخْطِئِ فِي الِاجْتِهَادِ بَلْ ثَبَتَ أَنَّهُ يُؤْجَرُ أَجْرًا وَاحِدًا وَأَنَّ الْمُصِيبَ يُؤْجَرُ أَجْرَيْنِ }.

قال الإمام أبو حامد الغزالي:

{ واعتقاد أهل السنة تزكية جميع الصحابة والثناء عليهم كما أثنى الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم . وما جرى بين معاوية وعلي رضي الله عنهما كان مبنيا على الاجتهاد لا منازعة من معاوية في الإمامة إذ ظن علي رضي الله عنه أن تسليم قتلة عثمان مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بالعسكر يؤدي إلى اضطراب أمر الإمامة في بدايتها فرأى التأخير أصوب وظن معاوية أن تأخير أمرهم مع عظم جنايتهم يوجب الإغراء بالأئمة ويعرض الدماء للسفك . وقد قال أفاضل العلماء : كل مجتهد مصيب . وقال قائلون : المصيب واحد ولم يذهب إلى تخطئة عليٍّ ذو تحصيلٍ أصلًا }.

وبناءً على ما تقدم نقول: أنه لم يثبت لدينا بسند صحيح ولفظ صريح أن معاوية بن أبي سفيان سَبَ عليَّ بن أبي طالب أو نال منه.

ولا يفوتني أن أشير إلى أن كل الروايات التي يذكرها هؤلاء المبغِضون لمعاوية رضي الله عنه

مثل رواية { مَنْ سَبَّ عَلِيًّا فَقَدْ سَبَّنِي, ومن سَبَّنِي فقد سَبَّ الله }, وما في معناها كلها روايات لا تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وسيكون لنا عليها بحث في القريب العاجل بمشيئة الله, فنسأل الله التيسير.

وأخيرًا: أقول للرافضة وأتباع عدنان إبراهيم أن شتائمكم وسبكم المتواصل للصحابة، لم يزدنا إلا حُبًّا فيهم، ودفاعا عنهم, وزيادة في حسناتهم وسيئاتكم.

قال الإمام الشافعي:

{ ما أرى الناسَ ابْتُلُوا بشتم أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم إلا ليزيدهم اللهُ بذلك ثوابًا عند انقطاع عملهم }.

(شوهدت 45 مرة, و 1 اليوم)

شاهد أيضاً

شبهة مصدر السنة ليس معصوماً :

هذه الشبهة مما ردده منكرو السنة المعاصرون، وعوَّلوا عليها كثيراً في النيل من السنة، والطعن …