الرئيسية / شبهات حول منهج أهل السنة والجماعة / إِنْكَارُ السُّنَّة بِدَعْوَى أَنَّ الله لَمْ يَتَعَهَّد بِحِفْظِهَا

إِنْكَارُ السُّنَّة بِدَعْوَى أَنَّ الله لَمْ يَتَعَهَّد بِحِفْظِهَا

إِنْكَارُ السُّنَّة بِدَعْوَى أَنَّ الله لَمْ يَتَعَهَّد بِحِفْظِهَا
الشيخ د. الشريف حاتم بن عارف العوني -حفظه الله تعالى- عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره واتقى حده.
أما بعد: أقول وبالله التوفيق:
إن السنة النبوية محفوظة بحفظ الله تعالى لدينه وكتابه القرآن الكريم، وعلى ذلك إجماع المسلمين.
أما من شك أو شكك في ذلك، فإنا نقول له: إما أنك مسلم، أو لست بمسلم. فإن كنت مسلماً لك جواب، وإن كنت غير ذلك فلك جواب آخر.
أما المسلم فإنا نقول له: يدل على حفظ الله تعالى للسنة أمور كثيرة منها ما يلي:

أولاً: قال الله تعالى:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[آل عمران:85]. وقال تعالى:{مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً}[الأحزاب:40]. وقال تعالى:{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}[التوبة:33].
فدلت هذه الآيات أن دين الإسلام هو آخر الشرائع، وأنه لا يقبل الله تعالى من العالمين سواه، وأنه سيبقى إلى قيام الساعة.
ولا شك أن بقاء هذا الدين يعني حفظ شرائعه وأحكامه، وعلى رأس ذلك أركان الإسلام.
ومن المعلوم أن الصلاة إنما جاء في القرآن الأمر بإقامتها أمراً مجملاً، دون بيان أعدادها وشروطها وأركانها وواجباتها وسننها، وأن ذلك كله إنما ورد في السنة مفصلاً مبيناً، فكيف نؤمن ببقاء دين الله تعالى، لو اعتقدنا ضياع السنة، التي لا بقاء لهذا الركن العظيم من أركان الإسلام بدونها؟! وقل مثل ذلك في الزكاة والصيام والحج وغيرها من الأحكام؛ حيث إن تفاصيل أحكام ذلك كله لم تأت في القرآن الكريم، إنما جاء في السنة، وعلى هذا فلو اعتقدنا ضياع السنة فقد كذبنا القرآن الذي أخبرنا ببقاء هذا الدين وحفظه؛ لأن في ضياعها ضياع الدين كله!!

ثانياً: يقول الله تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر:9]، ولا شك أن الذكر في هذه الآية هو القرآن الكريم، وهذا وعد من الله عز وجل بحفظ كتابه.
ومن المعلوم أن القرآن إنما أنزله ربنا عز وجل لنفهم معانيه ولنتدبره، كما قال تعالى:{كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ}[صّ:29]. وقال سبحانه:{أفلا يتدبرون القرآن}[النساء: 82]. والمقصود من التدبر هو العمل بأحكامه والاهتداء بنوره وعبادة الله تعالى على وفق مراده سبحانه، وقد بين لنا ربنا عز وجل أن بيان القرآن وتفسيره موكول إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأن ذلك التفسير والبيان هو أعظم وظيفة للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ولأجل ذلك أنزل عليه القرآن، ليبلغه حروفاً ومعاني وذلك كله في قوله تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}[النحل: من الآية44]. وفي قوله سبحانه:{وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}[النحل:64].
ولذلك فإن تعهد الله تعالى بحفظ القرآن يتضمن التعهد بحفظ بيانه من السنة النبوية؛ لأن حفظ القرآن لن يتم بغير حفظ ألفاظه ومعانيه، ومعانيه لا تعرف إلا بالسنة، فدل ذلك على تحقيق حفظ السنة بحفظ القرآن.
بل إن حفظ معاني القرآن التي جاءت بها السنة أهم من حفظ حروفه مع تضييع معانيه؛ لأن المقصود من حفظ القرآن العمل بمقتضاه، ولا يعمل بمقتضاه إذا لم تعرف معانيه، ولذلك فلا يتحقق حفظ القرآن بغير حفظ السنة. وهذا هو الذي جعل العلماء من قديم يذكرون أن قوله تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر: 9] كما يتضمن الوعد بحفظ القرآن، فهو يتضمن الوعد بحفظ السنة النبوية أيضاً.

ثالثاً: لقد جاء في آيات كثيرة جداً في القرآن الكريم الأمر بطاعة النبي – صلى الله عليه وسلم – كقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}[النساء: من الآية59]. وكقوله تعالى:{من يطع الرسول فقد أطاع الله}[النساء: 80]. ونفى تعالى الإيمان عمن لم يقبل حكم النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال تعالى:{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}[النساء:65].
وأمر بالرجوع إلى كتابه الكريم وإلى سنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – عند التنازع، فقال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}[النساء:59]. وحذر تعالى من مخالفة أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال عز وجل:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[النور: من الآية63]. وقال تعالى:{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً}[الأحزاب: من الآية36]. وقال سبحانه:{وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً}[الجـن: من الآية23]. وحثنا سبحانه أن نقتدي بالنبي – صلى الله في قوله تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}[الأحزاب:21].
فهذه الأوامر الإلهية وغيرها مما هو في معناها كثير جداً في كتاب الله تعالى، كيف ستطبق لو لم تحفظ السنة؟! كيف سنطيع رسول الله – صلى الله عليه وسلم-؟ وكيف سننتهي عن مخالفة أمره؟ وكيف سنعرف هديه لنقتدي به فيه؟ لو أن السنة غير محفوظة!!
إن اعتقاد ضياع السنة يعني أن تلك الآيات (جميعها وغيرها مما هو في معناها) لا فائدة منها ولا معنى لها؛ لأنها تكليف بما لا يستطاع!! والحاصل أن ربنا – عز وجل – قال:{لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا}[البقرة: من الآية286].
وبذلك نضيف وجهاً جديداً ودليلاً آخر على أن حفظ القرآن لا يتحقق بغير حفظ السنة؛ لأن تلك الآيات الآمرة بطاعة النبي – صلى الله عليه وسلم – والمحذرة من معصيته والحاثة على الاحتكام إليه والاقتداء بسنته لن يمكن العمل بها إذا لم تحفظ السنة!!!
ولهذا كله كان التشكيك في السنة تشكيكاً في القرآن الكريم، وهذا لا يقع من مسلم أبداً، إلا أن يكون جاهلاً، والجاهل لا يعذر بعد أن تقوم عليه الحجة بهذه الأدلة الآنفة الذكر.

أما غير المسلم: وهو الذي إذا احتججنا عليه بمنقولاتنا (وهي القرآن والسنة) احتج علينا بنقولاته، كما جاء في السؤال؛ فإننا لا نبدأ خطابه بالأدلة السابقة؛ لأنه لا يؤمن بالقرآن أصلاً وإنما نبدأ بدعوته إلى الإسلام، وبإثبات نبوة محمد – صلى الله عليه وسلم – من خلال دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام المتعددة: كإعجاز القرآن الكريم المتنوع الوجوه: في بلاغته، وتشريعاته، وإخباره بالمغيبات، وسبقه العلمي الكوني (المسمى بالإعجاز العلمي)، وكإعجاز السنة النبوية كذلك، وبيان بشارات الأنبياء به – صلى الله عليه وسلم –، والتي مع تحريف اليهود والنصارى لكتبهم، ومع إخفائهم لكثير منها لم يزل فيها إلى اليوم ما يدل على ذلك … إلى غير ما سبق من دلائل نبوته – صلى الله عليه وسلم.
فإذا ما صدق وآمن بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً ونبياً، بيَّنا له بالأدلة المتقدمة حفظ الله – تعالى – للسنة النبوية.
ولذلك فلسنا نخشى إن احتججنا بمنقولاتنا من احتجاج أصحاب الديانات الأخرى علينا بمنقولاتهم؛ لأن الأمر ليس بمجرد الدعاوى، وإنما الأمر بالحجة والبرهان؛ فشتان شتان بيننا وبين من يخالفنا في الدين!!
وهذا هو مصدر قوتنا – نحن المسلمين – أننا أصحاب الحق المطلق على هذه الأرض، ولدينا الأدلة القاطعة على ذلك كله، ولولا ذلك لما بقت للإسلام والمسلمين باقية، مع كثرة أعدائنا، وتكالبهم علينا، وشراسة حربهم ضدنا.
إن ديننا الحق؛ لأنه دين الله تعالى الذي لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأدلة هذه الدعوى عندنا كثيرة، كافية لإيمان أهل الأرض كلهم. لكن من يبلغها لأهل الأرض؟! بل من يُبصِّر أبناء المسلمين بها قبل غيرهم؟ هذا ما يسعى إليه الناصحون لدينهم، الغيورون على أبناء ملتهم، الحريصون على هداية الناس كلهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة. 
هذا والله أسأل أن يهدينا جميعاً صراطه المستقيم.
والله أعلم.
والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

المصدر:
http://www.al-shaaba.net/vb/showthread.php/2340-%D8%A5%D9%90%D9%86%D9%92%D9%83%D9%8E%D8%A7%D8%B1%D9%8F-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%91%D9%8F%D9%86%D9%91%D9%8E%D8%A9-%D8%A8%D9%90%D8%AF%D9%8E%D8%B9%D9%92%D9%88%D9%8E%D9%89-%D8%A3%D9%8E%D9%86%D9%91%D9%8E-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D9%84%D9%8E%D9%85%D9%92-%D9%8A%D9%8E%D8%AA%D9%8E%D8%B9%D9%8E%D9%87%D9%91%D9%8E%D8%AF-%D8%A8%D9%90%D8%AD%D9%90%D9%81%D9%92%D8%B8%D9%90%D9%87%D9%8E%D8%A7
(شوهدت 45 مرة, و 1 اليوم)

شاهد أيضاً

شبهة  هداية السنة “ظرفية” لا دائمة :

مكر جديد يمكره منكرو السنة المعاصرون، هذا المكر وليد الحاضر، ولم يقل به أحد من …