الرئيسية / شبهات الروافض / قصر الصحبة على المهاجرين والأنصار ومن في حكمهم ..

قصر الصحبة على المهاجرين والأنصار ومن في حكمهم ..

قال المخالف (ص16): “النصوص الشرعية أيضا تخرج الذين أسلموا بعد الحديبية من الصحبة على الراجح! وتخرج المسلمين بعد فتح مكة بأدلة أوضح وأصرح … “.
وقال أيضا (ص42): “إذن فأصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – – الصحبة الشرعية – ليسوا إلا المهاجرين والأنصار ومن يدخل في حكمهم ممن أسلم قديماً في العهد المكي … “.
ثم قال: “فهذا أسلم تعريف لأصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – حتى لا يساء لمقام النبي – صلى الله عليه وسلم – بإضافة من ليس على منهجه إليه ممن أساء السيرة من الظلمة والفسقة والمضطربين في السيرة، إضافة إلى أن هذه الصحبة الشرعية هي التي كان فيها النصرة والتمكين في أيام الضعف والذلة, وهي الصحبة الممدوحة في القرآن الكريم والسنة والنبوية بمعنى أن كل آيات الثناء في موضوع الصحبة كان الثناء منصباً على المهاجرين والأنصار فقط …
“وعلى هذا فلا يدخل في الصحابة خالد بن الوليد – رضي الله عنه – وطبقته كعمروبن العاص وعثمان بن أبي طلحة, ولا يدخل من بعدهم كالعباس بن عبد المطلب وأبي سفيان بن حرب, ومن باب أولى ألا يدخل من أسلم بعد هؤلاء كالطلقاء من قريش ومنهم (أبوسفيان بن حرب وأبناؤه معاوية ويزيد)، والعتقاء من ثقيف والأعراب والوفود, ولا أبناء الصحابة الصغار الذين رأوا النبي – صلى الله عليه وسلم – أطفالا أوصبياناً لم يبلغوا الحلم ولم يشهدوا شيئاً من الأحداث وقد يفضل بعضهم على بعض الصحابة بدليل خاص؛ كالحسن والحسين .. “.
قلت: وهوبهذا التعريف يخرج جماً كبيراً من مسمى الصحبة لأن الذين شهدوا فتح مكة مع النبي – صلى الله عليه وسلم – كانوا عشرة آلاف صحابي, والذين شهدوا حنين من الصحابة كانوا اثنا عشر ألف, والذين حضروا حجة الوداع مع النبي – صلى الله عليه وسلم – كانوا مائة ألف, وقوله هذا شاذ مخالف لقول جماهير أهل السنة والجماعة, وإن حاول أن يستدل بأقوال بعضهم في غير مكانه كما سيأتي. وإليك الآن مستند كلامه والرد عليه
أولا: استند إلى العرف. قال (ص13): إذن فالأصل في اللغة أنه عندما تقول إن فلاناً صاحب فلاناً يعني أنه لازمه أوخالطه أوعاشره أوماشاه أونحوهذا، ولوكان قدراً قليلاً من الصحبة بخلاف العرف كما سيأتي إذ العرف لا يطلق الصحبة إلا على طول الملازمة بحيث يصح أن يقال فلان صاحب لفلان؛ فالعرف أخص من اللغة ولا يدخل فيه المجاز!. وللرد عليه نقول:
1 – إن العرف قد نازع بعض العلماء في دلالته كما قال ابن حزم رحمه الله: ولا عرف إلا ما بين الله تعالى نصا أنه عرف , وأما عرف الناس فيما بينهم فلا حكم له ولا معنى (1).
2 – إن تقديم العرف على اللغة يحتاج إلى دليل وهومنازع في ذلك.
جاء في كتاب “البرهان في أصول الفقه”: “مسألة”: “إذا ورد لفظ من الشارع وله مقتضى في وضع اللسان, ولكن عم في عرف أهل الزمان استعمال ذلك اللفظ على خصوص في بعض المسميات؛ فالذي رآه الشافعي أن عرف المخاطبين لا يوجد تخصيص لفظ الشارع. وقال أبوحنيفة العرف من المخصصات ,وهومغن عن التأويل والمطالبة بالدليل.
وضرب العلماء لذلك مثالاً وهونهيه عليه السلام عن بيع الطعام بالطعام. فزعم بعض أصحاب أبي حنيفة أن الطعام في العرف موضوع للبر وحاولوا حمل الطعام في لفظ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على ما جرى العرف فيه.
وهذا الذي ادعوه من العرف ممنوع وهم غير مساعدين عليه, ولوقدر ذلك مسلماً لهم بمجرد العرف؛ فمجرد العرف لا يقتضي تخصيصاً؛ فإن القضايا متلقاة من الألفاظ وتواضع الناس عبارات لا يغير وضع اللغات ومقتضى العبارات.
__________
(1) الإحكام” (7/ 398).
فإن قالوا: الناس مخاطبون على أفهامهم. قلنا: فليفهموا من اللفظ مقتضاه لا ما تواضعوا عليه، ولوتواضع قوم على تخصيص أوتعميم ثم طرقهم آخرون لم يشاركوهم في تواضعهم فإنهم لا يلتزمون أحكام تواطئهم، فالشرع وصاحبه كيف يلزمهم حكم تواضع المتعاملين, وقد خاطب المصطفى بشريعة العربية الأعاجم على اختلاف لغاتها على تقدير أن يسعوا في درك معاني الألفاظ التي خوطبوا بها، والمسألة موضوعة فيه إذا لم يكن الرسول صاحب الشريعة ناطقا بما ينطق أهل العرف فلوظهر منه مناطقة أهل زمانه بما اصطلحوا عليه فلفظه في الشرع لا ينزل على موجب اللسان. وإنما مأخذ المسألة في ظن الخصوم أن الشارع وإن لم يكن من الناطقين باصطلاح أصحاب العرف فإنه لا يناطقهم إلا بما يتفاوضون به وليس الأمر كذلك كما قدمناه” (1).
وقال الآمدي في كتابه “الإحكام” (2): “المسألة الثامنة”: اختلفوا في مسمى الصحابي؛ فذهب أكثر أصحابنا وأحمد بن حنبل إلى أن الصحابي من رأى النبي – صلى الله عليه وسلم -. وذهب آخرون إلى أن الصحابي إنما يطلق على من رأى النبي – صلى الله عليه وسلم – واختص به اختصاص المصحوب وطالت مدة صحبته وإن لم يروعنه.
وذهب عمر بن يحيى إلى أن هذا الاسم إنما يسمى به من طالت صحبته للنبي – صلى الله عليه وسلم – وأخذ عنه العلم. والخلاف في هذه المسألة وإن كان آيلا إلى النزاع في الإطلاق اللفظي فالأشبه إنما هوالأول. ويدل على ذلك ثلاثة أمور:
الأول: أن الصاحب اسم مشتق من الصحبة والصحبة تعم القليل والكثير ومنه يقال صحبته ساعة وصحبته يوماً وشهراً وأكثر من ذلك، كما يقال فلان كلمني وحدثني وزارني وإن كان لم يكلمه ولم يحدثه ولم يزره سوى مرة واحدة.
الثاني: أنه لوحلف أنه لا يصحب فلانا في السفر أوليصحبنه فإنه يبر ويحنث بصحبته ساعة.
__________
(1) البرهان” (1/ 296).
(2) 2/ 1.4).
الثالث: أنه لوقال قائل صحبت فلانا فيصح أن يقال صحبته ساعة أويوما أوأكثر من ذلك، وهل أخذت عنه العلم ورويت عنه أولا، ولولا أن الصحبة شاملة لجميع هذه الصور, ولم تكن مختصة بحالة منها لما احتيج إلى الاستفهام.
فإن قيل إن الصاحب في العرف إنما يطلق على المكاثر الملازم ومنه يقال أصحاب القرية وأصحاب الكهف والرقيم وأصحاب الرسول وأصحاب الجنة للملازمين لذلك, وأصحاب الحديث للملازمين لدراسته وملازمته دون غيرهم.
ويدل على ذلك أيضا أنه يصح أن يقال فلان لم يصحب فلانا لكنه وفد عليه أورآه أوعامله, والأصل في النفي أن يكون محمولا على حقيقته بل, ولا يكفي ذلك بل لا بد مع طول المدة من أخذ العلم والرواية عنه, ولهذا يصح أن يقال المزني صاحب الشافعي، وأبويوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة ولا يصح أن يقال لمن رآهما وعاشرهما طويلا ولم يأخذ عنهما أنه صاحب لهما.
والجواب عن الشبهة الأولى أنا لا نسلم أن اسم الصاحب لا يطلق إلا على المكاثر الملازم ولا يلزم من صحة إطلاق اسم الصاحب على الملازم المكاثر كما في الصور المستشهد بها امتناع إطلاقه على غيره بل يجب أن يقال بصحة إطلاق ذلك على المكاثر وغيره حقيقة …
3 – إن من العلماء من بين أن العرف على وفق اللغة في إطلاق الصحبة على القليل والكثير.
قال الإمام النووي رحمه الله: بعد أن نقل كلام أبي الطيب الباقلاني في هذه المسألة ونقل الخلاف فيها .. قال: هذا كلام القاضي المجمع على أمانته وجلالته وفيه تقرير للمذهبين ويستدل به على ترجيح مذهب المحدثين؛ فإن هذا الإمام قد نقل عن أهل اللغة أن الاسم يتناول صحبة ساعة, وأكثر أهل الحديث قد نقلوا الاستعمال في الشرع, والعرف على وفق اللغة فوجب المصير إليه, والله أعلم (1).
__________
(1) مقدمة الإمام مسلم – شرح النووي” (1/ 36).
4 – إن العرف لا ضابط له فما هوالضابط في العرف وإلى أي عرف يتحاكم؟ قال السخاوي في “فتح المغيث” (3|85): “ثم إن القائلين بالثاني لم يضبط أحد منهم الطول بقدر معين كما صرح به الغزالي وغيره؛ لكن حكى شارح البزدوي عن بعضهم تحديده بستة أشهر!.
قلت: فإذا قلنا بما حده شارح البزدوي يدخل جل من أخرجهم المخالف من مسمى الصحبة فتأمل!
ذكرالمخالف في (ص2.): أما المذهب الأول – وهوالأقرب للصواب – الذي لا يكتفي بالرؤية واللقيا فهم جمهور علماء المسلمين المتقدمين من محدثين وفقهاء على حد سواء! كذا قال.
ومن أبرز الذاهبين إلى هذا المذهب من الصحابة والعلماء، عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأم المؤمنين عائشة بنت الصديق، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله.
والأسود بن يزيد النخعي، وسعيد بن المسيب، ومعاوية بن قرة، وشعبة بن الحجاج، وعاصم الأحول، والواقدي، وأحمد بن حنبل، في قول، والبخاري في قول، ومسلم وابن مندة ويحيى بن معين وأبوحاتم وأبوزرعة والعجلي وأبوداود والخطيب البغدادي وابن عبد البر والبغوي وابن الجوزي والباقلاني والماوردي وأبوالمظفر السمعاني والمازري والعلائي وابن الملقن وابن عماد الحنبلي وغيرهم (1).
وأصحاب هذا المذهب وهومذهب الأصوليين في الجملة ..
أقول مستعينا بالله وفي كلامه تهويل وتدليس:
أما التهويل: فهومجازفته في إطلاقه أن هذا القول هوقول جمهور علماء المسلمين المتقدمين من محدثين وفقهاء على حد سواء، كذا قال.
وهوفي هذه النسبة بعيد عن الصواب.
قال السخاوي في “فتح المغيث” (3|79): إذا علم هذا ففيه عشرة مسائل:
الأولى: في تعريف الصحابي وهولغة يقع على من صحب أقل ما يطلق اسم صحبة فضلا عمن طالت صحبته وكثرت مجالسته.
__________
(1) القاريء لأول وهلة يظن بعد قراءة هذا السرد أن المخالف ينقل من كتاب “الأوسط” لابن المنذر أو”التمهيد” لابن عبد البر أوغيرها من الكتب التي تنقل الإجماع.
وفي الاصطلاح (راء النبي – صلى الله عليه وسلم -) اسم فاعل من رأى حال كونه (مسلماً) عاقلاً (ذوصحبة) على الأصح كما ذهب إليه الجمهور من المحدثين والأصوليين, وغيرهم اكتفى بمجرد الرؤية ولولحظة وإن لم يقع معها مجالسة ولا مماشاة ولا مكالمة لشرف منزلة النبي صلى الله عليه وسلم وممن نص على الاكتفاء بها أحمد.
وقال أيضاً: وما حكاه عن الأصوليين إنما هوطريقة لبعضهم وجمهورهم على الأول (1).
ثم إن كلمة أصوليين كلمة يدخل فيها جم غفير من المنحرفين على بعض الصحابة كالمعتزلة وغيرهم.
ولذلك قال السخاوي (2): وقال الكيا الطبري: هومن ظهرت صحبته لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – صحبة القرين قرينه حتى يعد من أحزابه وخدمه المتصلين به. قال صاحب “الواضح” وهذا قول شيوخ المعتزلة.
قلت: فلا يسلم له إطلاق ذلك على جمهور الأصوليين لأن المنحرف لا يقبل منه ما يقوي بدعته وانحرافه.
وقال الشوكاني: إذا عرفت أن الصحابة كلهم عدول فلا بد من بيان من يستحق اسم الصحبة, وقد اختلفوا في ذلك فذهب الجمهور إلى أنه من لقي النبي – صلى الله عليه وسلم – مؤمناً به ولوساعة سواء روى عنه أم لا, وقيل هومن طالت صحبته وروى عنه فلا يستحق اسم الصحبة إلا من يجمع بينهما, وقيل هومن ثبت له أحدهما أما قول الصحبة أوالرواية , والحق ما ذهب إليه الجمهور (3).
وقال شيخ الإسلام: ولهذا قال أحمد بن حنبل في الرسالة التي رواها عبدوس بن مالك عنه من صحب النبي – صلى الله عليه وسلم – سنة أوشهرا أويوما أوساعة أورآه مؤمنا به فهومن أصحابه له من الصحبة على قدر ما صحبه. وهذا قول جماهير العلماء من الفقهاء وأهل الكلام وغيرهم يعدون في أصحابه من قلت صحبته ومن كثرت, وفي ذلك خلاف ضعيف (4).
__________
(1) تح المغيث” (3/ 84).
(2) لمرجع السابق.
(3) إرشاد الفحول” (1.1).
(4) منهاج السنة” (8/ 383).
وأما تدليسه فهونسبة هذا القول الذي ذهب إليه إلى علماء هم قائلون بخلافه وكذلك نسبة هذا القول إلى بعض الصحابة.
وهنا مسألة ينبغى التنبه لها؛ ألا وهي أن مرتبة الصحبة تتفاضل فهي على طبقات كما قال الإمام أحمد رحمه الله بعد أن ذكر العشرة والمهاجرين والأنصار ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – القرن الذي بعث فيهم كل من صحبة سنة أوشهرا أويوما أوساعة أورآه فهومن أصحابه له من الصحبة على قدر ما صحبه, وكانت سابقته معه وسمع منه ونظر إليه نظرة فأدناهم صحبة هوأفضل من القرن الذين لم يروه ولولقوا الله بجميع الأعمال (1).
وقال ابن الجوزي رحمه الله: فصل الخطاب في هذا الباب أن الصحبة إذا أطلقت فهي في المتعارف تنقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يكون الصاحب معاشرا مخالطا كثير الصحبة فيقال هذا صاحب فلان كما يقال خادمه لمن تكررت خدمته لا لمن خدمه يوما أوساعة.
الثاني: أن يكون صاحبه في مجالسة أوممشاه ولوساعة فحقيقة الصحبة موجودة في حقه وإن لم يشتهر (2).
فأفضل الصحابة أبوبكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ثم سائر العشرة ثم أهل بدر ثم أهل بيعة الرضوان ثم باقي الصحابة كل له الفضل والمدح بقدر ما له من صحبة النبي – صلى الله عليه وسلم -. إذا فهم المسلم هذه النقطة سهل عليه فهم كثير من أقوال العلماء التي يستدل بها المخالف.
فهناك صحبة خاصة تطلق على المقربين من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – الذين صحبوه ونصروه ولازموه. وهناك صحبة عامة يدخل فيها من آمن به ورآه وفارقه من قريب أولم يتسن له نصرته لتأخر إسلامه, والمخالف يعترف بمسمى هذه الصحبة الخاصة إلا أنه يناقض نفسه عند التطبيق.
__________
(1) فتح المغيث” (3/ 96).
(2) تلقيح فهوم أهل الأثر” (1.1).
ولذلك قال شيخ الإسلام: ومما يبين أن الصحبة فيها خصوص وعموم كالولاية والمحبة والإيمان وغير ذلك من الصفات التي يتفاضل فيها الناس في قدرها ونوعها وصفتها ما أخرجاه في “الصحيحين” عن أبي سعيد الخدري قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((لا تسبوا أحدا من أصحابي؛ فإن أحدكم لوأنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه)). [انفرد مسلم بذكر خالد وعبد الرحمن دون البخاري].
فالنبي – صلى الله عليه وسلم – يقول لخالد ونحوه: لا تسبوا أصحابي- يعني عبد الرحمن بن عوف وأمثاله – لأن عبد الرحمن ونحوه هم السابقون الأولون, وهم الذين أسلموا قبل الفتح وقاتلوا, وهم أهل بيعة الرضوان؛ فهؤلاء أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان وهم الذين أسلموا بعد الحديبية وبعد مصالحة النبي – صلى الله عليه وسلم – أهل مكة ومنهم خالد وعمروبن العاص وعثمان بن أبي طلحة وأمثالهم.
وهؤلاء أسبق من الذين تأخر إسلامهم إلى أن فتحت مكة وسموا الطلقاء مثل سهيل بن عمرووالحارث بن هشام وأبي سفيان بن حرب وابنيه يزيد ومعاوية وأبي سفيان بن الحارث وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وغيرهم، مع أنه قد يكون في هؤلاء من برز بعلمه على بعض من تقدمه كثيراً كالحارث بن هشام وأبي سفيان بن الحارث وسهيل بن عمرووعلى بعض من أسلم قبلهم ممن أسلم قبل الفتح وقاتل , وكما برز عمر بن الخطاب على أكثر الذين أسلموا قبله. والمقصود هنا أنه نهى لمن صحبه آخرا يسب من صحبه أولاً لامتيازهم عنهم في الصحبة بما لا يمكن أن يشركهم فيه حتى قال: ((لوأنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)).
فإذا كان هذا حال الذين أسلموا من بعد الفتح وقاتلوا وهم من أصحابه التابعين للسابقين مع من أسلم من قبل الفتح وقاتل وهم أصحابه السابقون؛ فكيف يكون حال من ليس من أصحابه بحال مع أصحابه (1).
ومن تدليسه:
1 – نسب هذا القول الذي ذهب به إلى عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – مع أن عمر – رضي الله عنه – على خلافه.
قال السخاوي: قال شيخنا – أي الحافظ ابن حجر: وقد كان تعظيم الصحابة ولوكان اجتماعهم به – رضي الله عنه – قليلاً مقرراً عند الخلفاء الراشدين وغيرهم. ثم ساق بسند رجاله ثقات عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه -: أنه كان متكئاً فذكر من عنده علياً ومعاوية رضي الله عنهما فتقاول رجلاً معاوية فاستوى جالساً ثم قال: كنا ننزل رفاقاً مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فكنا في رفقة فيها أبوبكر فنزلنا على أهل أبيات, وفيهم امرأة حبلى ومعنا رجل من أهل البادية فقال للمرأة الحامل: أيسرك أن تلدي غلاما قالت: نعم. قال: إن أعطتني شاة ولدت غلاماً فأعطته فسجع لها أسجاعا ثم عمد إلى الشاة فذبحها وطبخها وجلسنا نأكل منها ومعنا أبوبكر؛ فلما علم بالقصة قام فتقيأ كل شيء أكله قال ثم رأيت ذلك البدوي قد أتى به عمر بن الخطاب, وقد هجا الأنصار فقال لهم عمر: لولا أن له صحبة من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما أدري ما نال فيها لكفيتموه ولكن له صحبة (2).
قال: فتوقف عمر عن معاتبته فضلاً عن معاقبته لكونه علم أنه لقي النبي – صلى الله عليه وسلم -. وفي ذلك أكبر شاهد على أنهم كانوا يعتقدون أن شأن الصحبة لا يعدله شيء كما ثبت في حديث أبي سعيد الماضي. فهذا النص يبين تدليسه عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه -.
2 – قول أنس بن مالك – رضي الله عنه – لما سئل هل بقي من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أحد غيرك؟ فقال: بقي ناس من الأعراب قد رأوه؛ فأما من صحبه فلا.
__________
(1) منهاج السنة” (8/ 433).
(2) فتح المغيث” (3/ 95).
قال المخالف: والأثر واضح بأن أنس بن مالك لا يعد كل من رأى النبي – صلى الله عليه وسلم – صحابياً – كذا قال -.
وهذه مجازفة منه؛ فأنس – رضي الله عنه – يقصد هنا الصحبة الخاصة وليست الصحبة العامة. ولذلك قال الحافظ العراقي وغيره: والجواب أنه أراد إثبات صحبة خاصة ليست لأولئك (1).
وقال ابن حجر رحمه الله في قول الإمام أحمد في مسلمة بن مخلد: ليست لمسلمة صحبة.
قال ابن حجر: فلعله أراد الصحبة الخاصة.
وكذلك قول أبي حاتم في الحسين بن علي رضي الله عنهما: ليست له صحبة (2).
وكذلك قول عاصم الأحول في عبد الله ين سرجس.
قال ابن حجر في ترجمة عبد الله من “الإصابة”: وقال شعبة عن عاصم الأحول قال: رأى عبد الله بن سرجس النبي – صلى الله عليه وسلم – ولم يكن له صحبة.
قال أبوعمر: أراد الصحبة الخاصة.
وعليه ينزل قول جابر الذي أورده المخالف , وقول شعبة في معاوية بن قرة, وقول كثير من العلماء في بعض الصحابة له رؤية ولا نذكر له صحبة. فهم يقصدون الصحبة الخاصة، فتنبه.
3 – استدل المخالف بقول سعيد بن المسيب – والذي لا يصح عنه – وهوأنه كان لا يعد صحابياً إلا من أقام مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سنة أوسنتين أوغزا معه غزوة أوغزوتين.
وقد اعترف المخالف بضعفه لأن في سنده الواقدي ومع ذلك استدل به. وقوله إنه ضعيف, فيه قصور والأصح أن يقال فيه أكثر من ذلك فالواقدي متروك عند العلماء وضاع متهم بالكذب كما ذكر ابن حجر.
__________
(1) تدريب الراوي” (2|211) و”الباعث الحثيث” (175).
(2) قد اعترف المخالف أن قول أبي حاتم في الحسين أراد الصحبة المقتضية للنصرة والجهاد, وهنا تلمس التشيع الذي يحاول أن يخفيه مناقضاً نفسه في قوله الشاذ.
وقد تعقب ابن الجوزي هذا القول المنسوب إلى سعيد بن المسيب فقال بعد أن ذكر أن الصحبة تتفاوت – القول الذي قدمناه عنه – قال: فسعيد بن المسيب عنى القسم الأول – أي الصحبة الخاصة – .. وعموم العلماء على خلاف قول ابن المسيب فإنهم عدوا جرير بن عبد الله من الصحابة وإنما أسلم في سنة عشر, وعدوا في الصحابة من لم يغز معه, ومن توفي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهوصغير السن (1).
وأما مذهب الواقدي أنه كان لا يعد الصحابي إلا من رأى النبي – صلى الله عليه وسلم – بالغاً عاقلاً, واستدل به المخالف. فهومذهب شاذ كما ذكر العلماء (2).
وقال السخاوي: والتقييد بالبلوغ كما قال المؤلف شاذ وهويخرج نحومحمود بن الربيع الذي عقل من النبي صلى الله عليه وسلم مجة وهوابن خمس سنين مع عدهم إياه في الصحابة.
4 – تدليسه في نسبة مذهبه إلى الإمام أحمد ومحاولة إظهار أن للإمام أحمد قولين، مع أن المعروف والمشهور عند العلماء قوله الذي نقلناه ولم ينقلوا عنه خلاف ذلك, ولا يصح للباحث المنصف أن ينسب مذهباً لعالم بالاستنباط من قوله وإلا نسب إلى الكذب وخلاف الأمانة العلمية.
5 – دلل المخالف على مذهبه من تسمية البخاري لكتابه “الأوسط”: كتاب “المختصر من تاريخ هجرة رسول الله والمهاجرين والأنصار وطبقات التابعين لهم بإحسان ومن بعدهم” ….
قال المخالف: أقول فالبخاري يطلق على من سوى المهاجرين والأنصار تابعين بإحسان!
أقول: وهذا والله من المضحك المبكي فهل يفهم المسلم من قول البخاري هذا الإطلاق الذي يدعيه المخالف؛ فمذهب البخاري قرره في “الصحيح” وهومذهبه ومذهب شيخه ابن المديني فلم التدليس والتلبيس، ثم الحكم في ذلك كتابه “الأوسط”.
__________
(1) تلقيح فهوم أهل الأثر” (1.1) عن كتاب الباعث الحثيث تحقيق الشيخ علي الحلبي
(2) تدريب الراوي” (2|212).
ومثال واحد على ذلك معاوية بن خديج، قال البخاري: له صحبة, وقد عده المخالف من التابعين بغير إحسان, والأمثلة على ذلك كثيرة.
وكذلك يقال في قول الإمام مسلم ما قدمناه من تفاوت الصحبة، فقد نقل المخالف قوله في كتاب “الطبقات” ذكر تسمية من رووا عن رسول الله من الرجال الذين صحبوه ومن رووا عنه ممن رآه ولم يصحبه لصغر سن أونأي دار.
ثم قال بعد ذلك: منهج مسلم واضح في إخراج بعض من رأى النبي – صلى الله عليه وسلم – ولقيه من مسمى الصحبة!
6 – استدل المخالف بإيراد العجلي جارية بن قدامة في التابعين.
ونحن نقول له: قد عده أبوحاتم من الصحابة وأقره ابن حجر في “الإصابة”.
7 – اشتراط ابن عبد البر في الصحابي أن يكون بالغاً (1).
وهوقول الواقدي الذي قدمناه قول شاذ كما ذكره العلماء ثم هنا التنبيه أن ابن عبدالبر كان فيه تشيع طفيف.
قال ابن الملقن في باب معرفة الصحابة: وقد ألف الناس فيه كتباً كثيرة من أجلها وأكثرها فوائد “الاستيعاب” لابن عبد البر لولا ما شانه به من إيراده كثيراً مما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم وحكايته عن الإخباريين لا المحدثين وغالب على الإخباريين الإكثار والتخليط فيما يروونه (2).
وقال شيخ الإسلام: لكن تشيعه وتشيع أمثاله من أهل العلم بالحديث كالنسائي وابن عبد البر وأمثالهما لا يبلغ إلى تفضيله – أي علي – على أبي بكر وعمر فلا يعرف في علماء الحديث من يفضله عليهما بل غاية المتشيع منهم أن يفضله على عثمان أويحصل منه كلام أوإعراض عن ذكر محاسن من قاتله ونحوذلك (3).
__________
(1) كر اللكنوي في ظفر الأماني (53.) أن أوسع الأقوال في حد الصحابي قول ابن عبد البر: وهوكل مسلم أدرك زمان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وإن لم يره. قال”: وهذا هوشرط ابن عبد البر في كتابه الذي ألفه في ذكر الأصحاب المسمى بـ “الاستيعاب”.
(2) المقنع” (2|49.) وانظر: “الباعث الحثيث” (174) و”فتح المغيث” (3|78).
(3) منهاج السنة” (7/ 371).
8 – وأما قول المازري: لسنا نعني بقولنا الصحابة عدول كل من رآه – صلى الله عليه وسلم – يوماً ما أوزاره لماماً أواجتمع به لغرض وانصرف وإنما نعني به الذين لازموه وعزروه.
فقد تعقبه العلائي بقوله: وهذا قول غريب يخرج كثيراً من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة؛ كوائل بن حجر ومالك بن الحويرث وعثمان ابن أبي العاص وغيرهم ممن وفد عليه – صلى الله عليه وسلم – ولم يقم عنده إلا قليلاً وانصرف, وكذلك من لم يعرف إلا برواية الحديث الواحد ومن لم يعرف مقدار إقامته من أعراب القبائل والقول بالتعميم هوالذي صرح به الجمهور وهوالمعتبر (1).
9 – كذلك قول البغوي في تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ}، يعني التابعين وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة.
قال المخالف: وهذا يتفق مع مذهبنا تماماً في قصر الصحبة على المهاجرين والأنصار وأن من سواهم من التابعين.
قلت: لا أدري ما وجه هذا الاستنباط من قوله!
1. – وكذلك قول ابن الجوزي: فصل الخطاب في هذا الباب أن الصحبة إذا أطلقت فهي في المتعارف تنقسم إلى قسمين:
أحدهما: أن يكون الصاحب معاشرا مخالطا كثير الصحبة فيقال هذا صاحب فلان كما يقال خادمه لمن تكررت خدمته لا لمن خدمه يوما أوساعة.
الثاني: أن يكون صاحبه في مجالسة أوممشاه ولوساعة فحقيقة الصحبة موجودة في حقه وإن لم يشتهر.
قلت: فهل في قوله دلالة أنه يخرج من الصحبة غير المهاجرين والأنصار؟
بل في بقية كلام ابن الجوزي ما يدلل أنه يقول بقول الجمهور فقد تعقب قول ابن المسيب المنسوب إليه كما مر معنا.
مفهوم الصحبة في القرآن:
حاول المخالف أن يستدل بآيات من القرآن الكريم على قصور الصحبة على المهاجرين والأنصار, وإخراج من أسلم بعد صلح الحديبية من ثناء الله تعالى. وللجواب على ذلك نقول:
__________
(1) تدريب الراوي” (2/ 214)، و”فتح المغيث” (3|95).
1 – إن القرآن نزل بلغة العرب كما قال تعالى: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ}، ومفهوم الصحبة في لغة العرب تطلق على من طالت ملازمته وعلى من لم تطل وتطلق أيضا على المخالف والعدوويفهم ذلك من السياق.
فلا يفهم المسلم إذا قرأ قوله تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ} أنه يقتضي ثناء على الكفار كما أنه يفهم من قوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا} أنه مقام مدح وثناء, وكذلك يفهم من جميع الآيات التي فيها ثناء على أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – على العموم أنه مقام ثناء وتزكية ومدح, ولا يخرج منهم إلا ما دل عليه الدليل كما في قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((من يصعد الثنية ثنية المرار فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل)). قال: فكان أول من صعدها خيلنا خيل بني الخزرج ثم تتام الناس فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((وكلكم مغفور له إلا صاحب الجمل الأحمر)). فأتيناه فقلنا له: تعال يستغفر لك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم قال: وكان الرجل ينشد ضالة له (1).
2 – وهنا مسألة ثانية ألا وهي: أن الهجرة من مكة إلى المدينة لم تتوقف على الراجح من أقوال العلماء إلا بفتح مكة فكل من أسلم وهاجر وتمكن من ذلك فهومن المهاجرين, وإن كانت الهجرة تتفاوت فمن هاجر في بداية الدعوة أعظم أجرا ممن هاجر بعد كما قدمناه في بيان تفاوت الصحبة.
__________
(1) مسلم” (278.).
قال ابن عبد البر في “التمهيد”؛ بعد أن ذكر حديث بريدة: كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا بعث أميرا على سرية أوجيش أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال: ((اغزوا بسم الله وفي سبيل الله تقاتلون من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال …. )).
قال أبوعمر: هذا من أحسن حديث يروى في معناه إلا أن فيه التحول عن الدار وذلك منسوخ؛ نسخه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بقوله: ((لا هجرة بعد الفتح)) , وإنما كان هذا منه صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكة فلما فتح الله عليه مكة قال لهم: قد انقطعت الهجرة ولكن جهاد ونية إلى يوم القيامة (1).
ويدل على ذلك أيضاً: ما رواه البخاري في كتاب الجهاد والسير “باب لا هجرة بعد الفتح”:
1 – عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي – صلى الله عليه وسلم – يوم فتح مكة: ((لا هجرة ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا)) (2).
2 – عن مجاشع بن مسعود قال: جاء مجاشع بأخيه مجالد بن مسعود إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: هذا مجالد يبايعك على الهجرة فقال: ((لا هجرة بعد فتح مكة ولكن أبايعه على الإسلام)) (3).
3 – عن عطاء قال: ذهبت مع عبيد بن نمير إلى عائشة رضي الله عنها وهي مجاورة بثبير فقالت لنا: انقطعت الهجرة منذ فتح الله على نبيه – صلى الله عليه وسلم – مكة (4).
قال ابن حجر: قوله: ((لا هجرة بعد الفتح)): أي فتح مكة (5).
وقال الخطابي وغيره: كانت الهجرة فرضاً في أول الإسلام على من أسلم لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع؛ فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجاً فسقط فرض الهجرة إلى المدينة, وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به أونزل به عدو. انتهى.
__________
(1) التمهيد” (2/ 218).
(2) البخاري” (3.77).
(3) البخاري” (3.78).
(4) البخاري” (3.8.).
(5) الفتح” (6/ 22.).
وكانت الحكمة أيضا في وجوب الهجرة على من أسلم ليسلم من أذى ذويه من الكفار؛ فإنهم كانوا يعذبون من أسلم منهم إلى أن يرجع عن دينه وفيهم نزلت: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا} (1).
قال النووي: قال العلماء: الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة وفي تأويل هذا الحديث قولان:
أحدهما: لا هجرة بعد الفتح من مكة لأنها صارت دار إسلام وإنما تكون الهجرة من دار الحرب وهذا يتضمن معجزة لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – بأنها تبقى دار الإسلام لا يتصور منها الهجرة.
والثاني: معناه لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضلها قبل الفتح كما قال الله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} (2).
وقال أيضاً: وفى الرواية الأخرى لا هجرة بعد الفتح قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة, وتأولوا هذا الحديث تأويلين:
أحدهما: لا هجرة بعد الفتح من مكة لأنها صارت دار إسلام فلا تتصور منها الهجرة.
والثاني: وهوالأصح أن معناه أن الهجرة الفاضلة المهمة المطلوبة التي يمتاز بها أهلها امتيازا ظاهرا انقطعت بفتح مكة ومضت لأهلها الذين هاجروا قبل فتح مكة لأن الإسلام قوى وعز بعد فتح مكة عزاً ظاهراً بخلاف ما قبله (3).
وعليه نقول:
أولا:
__________
(1) الفتح” (6/ 36).
(2) شرح النووي” (9/ 23).
(3) شرح النووي” (13/ 8).
أ- استدلال المخالف بقوله تعالى: {لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ}، على قصر الثناء على المهاجرين والأنصار فقط الذين صحبوه في بداية الدعوة مجازفة، ويرده ما قدمناه أن مسمى الهجرة لم ينقطع إلا بفتح مكة, وهذه الآية كانت قبل فتح مكة وكان مع النبي – صلى الله عليه وسلم – ثلاثون ألفاً فهم بين اثنين؛ إما مهاجري وإما أنصاري, والثناء يتناول الجميع ولا يخرج منهم إلا ما دل عليه الدليل, ولا يتصور أن يخرج مع النبي – صلى الله عليه وسلم – هذا الجم ويقصر الله الثناء على ألفين من الصحابة هذا يحتاج إلى دليل خاص.
ب- وكذلك قوله تعالى: {لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}، فقد وعد الله الحسنى الجميع وهذا عام في الجميع.
ج- كذلك قوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء}، وهذه الآية نزلت بعد صلح الحديبية في فتح مكة. وكذلك قوله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ* ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ* ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، وهذه الآية نزلت بعد فتح مكة، وفيها ثناء عام على أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – ووصفهم بالمؤمنين في تلك الغزوة.
د- حاول المخالف أن يدلل على أن الفتح المقصود في الآيات – التي ذكر فيها الفتح – هوصلح الحديبية لا فتح مكة ليتسنى له إخراج من أسلم بعد صلح الحديبية من مسمى الصحبة.
والصواب أن الآيات التي ذكر الله فيها الفتح على أقسام.
قال ابن حجر رحمه الله: وهذا موضع وقع فيه اختلاف قديم, والتحقيق أنه يختلف ذلك باختلاف المراد من الآيات فقوله تعالى: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا}، المراد بالفتح هنا الحديبية لأنها كانت مبدأ الفتح المبين على المسلمين لما ترتب على الصلح الذي وقع منه الأمن ورفع الحرب وتمكن من يخشى الدخول في الإسلام والوصول إلى المدينة من ذلك كما وقع لخالد بن الوليد وعمروبن العاص وغيرهما ثم تبعت الأسباب بعضها بعضا إلى أن كمل الفتح.
وقد ذكر ابن إسحاق في المغازي عن الزهري قال: لم يكن في الإسلام فتح قبل فتح الحديبية أعظم منه إنما كان الكفر حيث القتال؛ فلما أمن الناس كلهم كلم بعضهم بعضاً وتفاوضوا في الحديث والمنازعة, ولم يكن أحد في الإسلام يعقل شيئاً إلا بادر إلى الدخول فيه؛ فلقد دخل في تلك السنتين مثل من كان دخل في الإسلام قبل ذلك أوأكثر. قال ابن هشام: ويدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم خرج في الحديبية في ألف وأربعمائة ثم خرج بعد سنين إلى فتح مكة في عشرة آلاف، انتهى.
وهذه الآية نزلت منصرفه صلى الله عليه وسلم من الحديبية كما في هذا الباب من حديث عمر.
وأما قوله تعالى في هذه السورة: {وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا}، فالمراد بها فتح خيبر على الصحيح لأنها هي التي وقعت فيها المغانم الكثيرة للمسلمين.
وقد روى أحمد وأبوداود والحاكم من حديث مجمع بن حارثة قال: شهدنا الحديبية فلما انصرفنا وجدنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – واقفا عند كراع الغميم, وقد جمع الناس قرأ عليهم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} الآية. فقال رجل: يا رسول الله أوفتح هوقال: أي والذي نفسي بيده إنه لفتح ثم قسمت خيبر على أهل الحديبية.
وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن الشعبي في قوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا} قال: صلح الحديبية وغفر له ما تقدم وما تأخر وتبايعوا بيعة الرضوان وأطعموا نخيل خيبر وظهرت الروم على فارس وفرح المسلمون بنصر الله. وأما قوله تعالى: {فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا} فالمراد الحديبية. وأما قوله تعالى: {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا هجرة بعد الفتح))، فالمراد به فتح مكة باتفاق؛ فبهذا يرتفع الإشكال وتجتمع الأقوال بعون الله تعالى (1). هذا أولاً.
وثانياً: الفتح المقصود في سورة النصر هوفتح مكة لا صلح الحديبية وعليه تدل الأدلة:
__________
(1) الفتح” (7/ 442).
1 – عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فقال بعضهم: لم تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: إنه ممن قد علمتم قال فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم. قال: وما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني فقال: ما تقولون في {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} حتى ختم السورة فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا وقال بعضهم: لا ندري أولم يقل بعضهم شيئاً فقال لي: يا ابن عباس أكذلك قولك؟ قلت: لا قال: فما تقول؟ قلت: هوأجل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أعلمه الله له {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} فتح مكة؛ فذاك علامة أجلك، {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}. قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم (1).
2 – عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قال لي ابن عباس تعلم آخر سورة نزلت من القرآن نزلت جميعاً؟ قلت: نعم، {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}. قال: صدقت (2).
3 – عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يكثر من قول سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه. قالت: فقلت: يا رسول الله أراك تكثر من قول سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه؟ فقال: ((خبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي؛ فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه؛ فقد رأيتها إذا جاء نصر الله, والفتح فتح مكة ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً)) (3).
__________
(1) البخاري” (3627).
(2) مسلم” (3.24).
(3) مسلم” (484).
قال ابن حجر: وقد أخرج النسائي من حديث ابن عباس أنها آخر سورة نزلت من القرآن, وقد تقدم في تفسير براءة أنها آخر سورة نزلت والجمع بينهما أن آخرية سورة النصر نزولها كاملة بخلاف براءة كما تقدم توجيهه, ويقال إن إذا جاء نصر الله نزلت يوم النحر وهوبمنى في حجة الوداع، وقيل عاش بعدها أحداً وثمانين يوماً وليس منافياً للذي قبله بناء على بعض الأقوال في وقت الوفاة النبوية (1).
ثالثاً: ما ذكره المخالف من استدلاله على نزول سورة النصر قبل فتح مكة (2) بما أخرجه البيهقي في “الدلائل” (7|142): عن عكرمة والحسن بن أبي الحسن قالا: أنزل الله من القرآن بمكة اقرأ باسم ربك ون والمزمل والمدثر وتبت يدا أبي لهب وإذا الشمس كورت وسبح اسم ربك الأعلى والليل إذا يغشى والفجر والضحى وألم نشرح والعصر والعاديات والكوثر وألهاكم التكاثر وأرأيت وقل يا أيها الكافرون وأصحاب الفيل والفلق وقل أعوذ برب الناس وقل هوالله أحد والنجم وعبس وإنا أنزلناه والشمس وضحاها والسماء ذات البروج والتين والزيتون ولإيلاف قريش والقارعة ولا أقسم بيوم القيامة والهمزة والمرسلات وق ولا أقسم بهذا البلد والسماء والطارق واقتربت الساعة وص والجن ويس والفرقان والملائكة وطه والواقعة وطسم وطس وطسم وبني إسرائيل والتاسعة وهود ويوسف وأصحاب الحجر والأنعام والصافات ولقمان وسبأ والزمر وحم المؤمن وحم الدخان وحم السجدة وحم عسق وحم الزخرف والجاثية والأحقاف والذاريات والغاشية وأصحاب
__________
(1) الفتح” (8/ 734).
(2) قد ناقض المخالف نفسه فذكر في آخر كلامه: ومع هذا فقد يراد بالفتح في سورة النصر فتح مكة، فقد جاء في إحدى الروايتين عن ابن عباس في “صحيح البخاري” صرح به في كتاب المغازي, وأهمله في كتاب التفسير، فلعل ذكر الفتح في المغازي من الصحيح من باب الرواية بالمعنى غير أن له شاهداً عن عائشة في مسلم، لكن هذا كله لا يمنع من نزول السورة قبل الحديبية ولا يمنع كذلك من تعدد النزول!.
الكهف والنحل ونوح وإبراهيم والأنبياء والمؤمنون وآلم السجدة والطور وتبارك والحاقة وسأل وعم يتساءلون والنازعات وإذا السماء انشقت وإذا السماء انفطرت والروم والعنكبوت.
وما نزل بالمدينة: ويل للمطففين والبقرة وآل عمران والأنفال والأحزاب والمائدة والممتحنة والنساء وإذا زلزلت والحديد ومحمد والرعد والرحمن وهل أتى على الإنسان والطلاق ولم يكن والحشر وإذا جاء نصر الله والنور والحج والمنافقون والمجادلة والحجرات ويا أيها النبي لم تحرم والصف والجمعة والتغابن والفتح وبراءة.
قال البيهقي: والتاسعة يريد بها سورة يونس. قال: وقد سقط من هذه الرواية الفاتحة والأعراف وكهيعص فيما نزل بمكة.
لا دليل فيه لأن سياق ما ذكره ليس في سياق معرفة ترتيب نزول السور ولكن في بيان المكي والمدني من السور, ويدل عليه تبويب البيهقي باب ذكر السور التي نزلت بمكة والتي نزلت بالمدينة وأورده السيوطي في “الإتقان” في باب معرفة المكي والمدني. وهومخالف لما قدمناه من الأحاديث.
رابعا: اتفاق السلف على الاستدلال بهذه الآيات على عدالة الصحابة عامة ولم يخالف في ذلك إلا المنحرفون على أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – كالروافض وغيرهم.
مفهوم الصحبة في الأحاديث النبوية:
قال حسن المالكي: (ص43): الغريب أن بعض الناس يبالغ في الاستدلال بأدلة ضعيفة الثبوت أوالدلالة بينما يرد دلالة الآيات الكريمة والأحاديث الصحيحة ..
قلت: وهذا الذي عابه المخالف على غيره قد وقع فيه فقد استدل بأحاديث كثيرة ضعيفة الثبوت والدلالة وإليك البيان:
الحديث الأول: عن أبي البختري الطائي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: لما نزلت هذه الآية {إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ}، قال: قرأها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حتى ختمها وقال: ((الناس حيز وأنا وأصحابي حيز)). وقال: ((لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية)). فقال له مروان: كذبت! وعنده رافع بن خديج وزيد بن ثابت وهما قاعدان معه على السرير فقال أبوسعيد الخدري: لوشاء هذان لحدثاك فرفع عليه مروان الدرة ليضربه فلما رأيا ذلك قالا: صدق (1).
قال المخالف: أخرجه أحمد بسند صحيح.
وقال: هذا الحديث فيه إخراج محتمل لمن أسلم بعد الرضوان من الصحابة وإخراج واضح لمن أسلم بعد فتح مكة كالطلقاء والعتقاء ….
قلت: وهذا إسناد ضعيف منقطع وأبوالبختري وهوسعيد بن فيروز لم يسمع من أبي سعيد الخدري كما قال أبوداود. وقال أبوحاتم: لم يدرك أبا سعيد.
وتأمل قوله محتمل فهودليل ظني عنده, ومع ذلك يتعلق به ويستدل به أكثر من مرة.
الحديث الثاني: عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال: قال لنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عام الحديبية: ((يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم قلنا: من هم يا رسول الله أقريش هم؟ قال: لا ولكن أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوبا فقلنا: هم خير منا يا رسول الله؟ فقال: لوكان لأحدهم جبل من ذهب فأنفقه ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه ألا إن هذا فصل ما بيننا وبين الناس {لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ .. } الآية إلى قوله: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ})) (2).
قال المخالف: وفي هذا الحديث بيان للصحبة الشرعية التي فاز بها المهاجرين والأنصار ولن يدركها من أتى بعدهم حتى لوفعلوا ما فعلوا.
__________
(1) أحمد في “مسنده” (5/ 178).
(2) لطبري في تفسيره (11/ 673).
قلت: وقد ناقض نفسه فقد قرر في (ص242) لكنني أرى أن بعض المؤمنين في العصور المتأخرة قد يكونون أفضل من بعض المهاجرين والأنصار؟
وهذا الحديث نحن نقول بدلالته كما قدمنا أن الصحبة تتفاوت وأن من صحب النبي – صلى الله عليه وسلم – قي بداية دعوته له السابقة والأجر وهومقدم على من آمن من بعد، وكلاً وعد الله الأجر والثواب.
قال الطبري: قوله: {وَكُلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى} يقول تعالى ذكره: وكل هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا والذين انفقوا من بعد وقاتلوا وعد الله الجنة بإنفاقهم في سبيله وقتالهم أعداءه بنحوالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل (1).
الحديث الثالث: عن مجاشع بن مسعود أنه: أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – بابن أخ له يبايعه على الهجرة فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((لا بل يبايع على الإسلام فإنه لا هجرة بعد الفتح ويكون من التابعين بإحسان)) (2).
قلت: ناقض نفسه المخالف بقوله أن هذه القصة حصلت يوم فتح مكة مع أنه يرى أن الهجرة انقطعت ببيعة الرضوان ثم ابن أخي مجاشع هومعبد قد عده من الصحابة البخاري والبزار وابن حبان.
وقد ذكر ابن حجر رواية أن النبي – صلى الله عليه وسلم – بايعهم على الجهاد والنصرة ولم يبايعهم على الهجرة لأن الهجرة انقطعت بفتح مكة.
قال ابن حجر في “الإصابة” في ترجمة معبد: وأخرج البغوي والإسماعيلي من طريق زهير بن معاوية عن عاصم الأحول عن أبي عثمان النهدي قال: حدثني مجاشع بن مسعود قال: أتيت النبي – صلى الله عليه وسلم – بأخي معبد بعد الفتح لنبايعه على الهجرة فقال: ذهب أهل الهجرة بما فيها. فقلت: على أي شيء نبايعك يا رسول الله؟ قال: ((على الإيمان والجهاد قال: فلقيت معبدا بعد. وكان أكبر فسألته فقال: صدق مجاشع)). ورجاله ثقات.
فهذه الرواية تبين ما جاء في رواية مسند الإمام أحمد.
__________
(1) لطبري في تفسيره (11/ 673).
(2) حمد في “مسنده” (3/ 468).
الحديث الرابع: حديث تخاصم خالد بن الوليد مع عبد الرحمن بن عوف وقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: لا تسبوا أصحابي ….
قال المخالف: وهذا دليل واضح على إخراج النبي – صلى الله عليه وسلم – لخالد بن الوليد وطبقته من الصحبة الشرعية …
أقول: هذا الحديث لا يدل على إخراج خالد – رضي الله عنه – من مسمى الصحبة وإنما يدل كما قدمناه على تفاضل الصحبة.
ويؤيده ما جاء في رواية أخرى عند ابن حبان في “صحيحه” (15|565) عن الشعبي: عن عبد الله بن أبي أوفى قال: شكى عبد الرحمن بن عوف خالد بن الوليد إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((يا خالد لم تؤذ رجلا من أهل بدر؟ لوأنفقت مثل أحد ذهباً لم تدرك عمله)). فقال: يا رسول الله يقعون في فأرد عليهم فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((لا تؤذوا خالداً فإنه سيف من سيوف الله صبه الله على الكفار)).
وهذا إسناد صحيح كما قال الشيخ شعيب.
فهذه الرواية تبين أن النبي – صلى الله عليه وسلم – نهى عن سب عبد الرحمن لأن له فضل في سابقته وشهوده بدر, وفي نفس الأمر نهى النبي – صلى الله عليه وسلم – عن أذية خالد لأنه سيف الله, وهذا يتفق مع ما قدمناه من تفاوت الصحبة.
وقد أخذ العلماء بدلالته على عدالة الصحابة وأنه لا يجوز التعرض لأحد منهم.
قال الحافظ العراقي: … فيه أمران: أحدهما أنه اعترض على المصنف في استدلاله بحديث أبى سعيد وذلك لأنه قاله النبي – صلى الله عليه وسلم – لخالد بن الوليد لما تقاول هووعبد الرحمن ابن عوف أي أنه أراد بذلك صحبة خاصة.
والجواب: أنه لا يلزم من كونه ورد على سبب خاص في شخص معين أنه لا يعم جميع أصحابه ولا شك أن خالدا من أصحابه وإنه منهي عن سبه, وإنما درجات الصحبة متفاوتة فالعبرة إذا بعموم اللفظ في قوله لا تسبوا أصحابي وإذا نهى الصحابي عن سب الصحابي فغير الصحابي أولى بالنهى عن سب الصحابي (1).
وأما استدلاله في الحديث الرابع عشر بلفظ: “مالك ولرجل من المهاجرين”، فهومن الاستدلال بالضعيف الذي عابه على غيره؛ فهومن مرسل الشعبي, والمرسل من أقسام الضعيف، فخالد – رضي الله عنه – من المهاجرين, وقد هاجر إلى المدينة وترك دياره وإن كانت الهجرة متفاوتة كما قدمناه في الصحبة.
الحديث الخامس: عن جرير بن عبد الله عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((الطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة والمهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض في الدنيا والآخرة)) (2).
قال المخالف: وهذا الحديث صريح في أن طلقاء قريش وعتقاء ثقيف ليسوا من المهاجرين ولا من الأنصار.
قلت: لكنهم من الصحابة لأن الهجرة انقطعت بفتح مكة ثم إن في الحديث دلالة على فضل الجميع لأن المقام مقام مدح وثناء في الحديث وليس مقام ذم فتأمل.
الحديث السادس: وهومن الاستدلال بالضعيف (3) عن عبد الله بن مغفل قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً بعدي فمن أحبهم فبحي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه)) (4).
__________
(1) التقييد والإيضاح” (1/ 3.2).
(2) حمد في “مسنده” (4/ 363).
(3) ال المخالف: مع تحفظي على صحته. وهذه كلمة فضفاضة قالها المخالف في أحاديث صحيحة لا ندري ما مدلولها عنده؟.
(4) لترمذي (3862) وقد ضعفه بقوله غريب.
الحديث السابع: عن حذيفة بن اليمان عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ((يكون لأصحابي بعدي زلة يغفرها الله لهم بصحبتهم وسيتأسى بهم قوم بعدهم يكبهم الله على مناخرهم في النار)) (1).
الحديث الثامن: عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه -: أن أعرابياً سأل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن الهجرة فقال: ((ويحك إن شأنها شديد فهل لك من إبل تؤدي صدقتها. قال: نعم. قال: فاعمل من وراء البحار فإن الله لن يترك من عملك شيئاً)) (2).
قال المخالف: في هذا الحديث دلالة على أن الهجرة لا يكفي في ثبوتها القدوم إلى المدينة وإعلان الإسلام فلا بد من البقاء والإنفاق والجهاد ..
قلت:
وهذا من تدليسه فهذا الأعرابي لم يأت إلى المدينة وإنما عرض للنبي – صلى الله عليه وسلم – في فتح مكة وقد انقطعت الهجرة, وقد ذكره الإمام مسلم في الأحاديث التي ساقها في بيان أنه لا هجرة بعد الفتح. ولذلك بوب الإمام النووي عليه: “باب المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير وبيان معنى لا هجرة بعد الفتح”.
وقال النووي رحمه الله: قال العلماء: والمراد بالهجرة التي سأل عنها هذا الأعرابي ملازمة المدينة مع النبي – صلى الله عليه وسلم – وترك أهله ووطنه فخاف عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – أن لا يقوى لها, ولا يقوم بحقوقها وأن ينكص على عقبيه فقال له: إن شأن الهجرة التي سألت عنها لشديد ولكن اعمل بالخير في وطنك وحيث ما كنت فهوينفعك ولا ينقصك الله منه شيئاً. والله أعلم (3).
__________
(1) لطبراني في “الأوسط” (3|3..) وإسناده ضعيف في إسناده ابن لهيعة.
(2) لبخاري (1452) ومسلم (1865).
(3) رح النووي (13/ 9).
الحديث التاسع: عن عبد الرحمن بن عوف قال: لما حضرت النبي – صلى الله عليه وسلم – الوفاة قالوا: يا رسول الله أوصنا قال: “أوصيكم بالسابقين الأولين من المهاجرين وبأبنائهم من بعدهم إلا تفعلوه لا يقبل منكم صرف ولا عدل”. رواه الطبراني في “الأوسط” والبزار إلا أنه قال: “أوصيكم بالسابقين الأولين وبأبنائهم من بعدهم وبأبنائهم من بعدهم”. قال الهيثمي: ورجاله ثقات.
قلت: قول الهيثمي: رجاله ثقات لا يعني صحة الحديث كما ذكر شيخنا الألباني في مقدمة “تمام المنة”. وهذا الحديث من ذلك ففي إسناده حميد بن القاسم وكذا القاسم بن حميد, وعدادهم في المجهولين فلم يوثقهم سوى ابن حبان.
الحديث العاشر: عن أنس – رضي الله عنه – قال: لما كان يوم حنين التقى هوازن ومع النبي – صلى الله عليه وسلم – عشرة آلاف والطلقاء فأدبروا قال: يا معشر الأنصار. قالوا: لبيك يا رسول الله وسعديك لبيك نحن بين يديك فنزل النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: ((أنا عبد الله ورسوله)). فانهزم المشركون فأعطى الطلقاء والمهاجرين ولم يعط الأنصار شيئاً فقالوا فدعاهم فأدخلهم في قبة فقال: ((أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله. ثم قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: لوسلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لاخترت شعب الأنصار)) (1).
قال المخالف: في هذا الحديث دلالة على إخراج الطلقاء من الصحابة بدلالة قول أنس “عشرة آلاف – يعني من أصحابه – والطلقاء” ولم يقل “اثنا عشر” لأن الطلقاء ليسوا من أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم -.
قلت: وهذا من تناقض المخالف وتذبذبه فهوعلى تعريفه؛ قد حد الصحبة ببيعة الرضوان والذين لم يتجاوزوا الألفين على أكثر تقدير وهنا حدها بعشرة آلاف قال: يعني من أصحابه!
__________
(1) لبخاري (4337).
وهذا رد عليه أيضا في مسألة أخرى؛ فقد تقدم معنا أنه نسب إلى أنس – رضي الله عنه – أنه قصر الصحبة على المهاجرين والأنصار. فأنس هنا باعترافه يطلق الصحبة هنا على غير المهاجرين والأنصار.
الحديث الحادي عشر: ليس له إسناد فقد ذكره ابن حجر في الإصابة بغير إسناد.
قال ابن حجر: وقال الزبير: ذكروا أنه لما قدم المدينة قال له النبي – صلى الله عليه وسلم -: ((يا نعيم إن قومك كانوا خيراً لك من قومي. قال: بل قومك خير يا رسول الله. قال: إن قومي أخرجوني وإن قومك أقروك. فقال نعيم: يا رسول الله إن قومك أخرجوك إلى الهجرة وإن قومي حبسوني عنها)).
الحديث الثالث عشر: عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا أمر أمير على جيش أوسرية أوصاه خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال: ((اغزوا باسم الله وفي سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال … )) الحديث (1).
قال المخالف: وهذا الحديث فيه شرط رئيسي من شروط الهجرة الشرعية وهوالتحول من ديار الشرك إلى ديار الإسلام؛ فقدوم الرجل على النبي – صلى الله عليه وسلم – ثم عودته إلى بلاده لا تجعله من المهاجرين؛ والهجرة تستلزم الجهاد أيضا للقادر …
قلت: لوطبقنا قول المخالف هنا على غيره من كلامه لوجدنا أنه متناقض فخالد بن الوليد وعمروبن العاص ويزيد بن أبي سفيان رضي الله عنهم وغيرهم قد هاجروا إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – وجاهدوا معه, وقد أخرجهم المخالف من مسمى الصحبة!
الحديث الخامس عشر: وهوما جاء عن الزهري مرسلاً أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال لعمر: ((لن أؤمر عليكم بعدها إلا رجل منكم)). لما شكوا عمروبن العاص في غزوة ذات السلاسل.
__________
(1) سلم (1731).
قلت: وهذا من الاستدلال بالضعيف الذي عابه على غيره فهوكما ذكر المخالف مرسلا وفي إسناده ابن لهيعة.
الحديث السادس عشر: وعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني وصاحبني)).
قال الهيثمي: رواه الطبراني من طرق ورجال أحدها رجال الصحيح.
قلت: قد تحفظ المخالف على صحته ومع ذلك استدل به على هواه.
الحديث السابع عشر: ليس له إسناد ذكره ابن حجر في “الإصابة” كما اعترف المخالف وليس من شرط ابن حجر في “الإصابة” أنه إذا سكت على حديث دل على صحته عنده.
الحديث الثامن عشر: وروى البزار والبغوي والبخاري في “التاريخ” والطبراني وابن قانع من طريق عمروبن قيظي بن عامر بن شداد بن أسيد السلمي حدثني أبي عن جده شداد أنه قدم على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فاشتكى فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: مالك يا شداد قال: اشتكيت ولوشربت ماء بطحاء لبرئت قال: فما يمنعك؟ قال: هجرتي قال: فاذهب فأنت مهاجر حيثما كنت.
قلت: عمروبن قيظي له ترجمة في التاريخ الكبير ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
الحديث التاسع عشر: قال إياس حدثني أبي قال: عدنا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رجلاً موعوكا قال: فوضعت يدي عليه فقلت: والله ما رأيت كاليوم رجلاً أشد حرا فقال نبي الله – صلى الله عليه وسلم -: ((ألا أخبركم بأشد حرا منه يوم القيامة؟ هذينك الرجلين الراكبين المقفيين لرجلين حينئذ من أصحابه)) (1).
قال المخالف: والحديث فيه نوع من دلالة على أن في الصحابة خاصة وعامة وأن هذين المعذبين من صحابة الصحبة العامة لا الخاصة وقد يكونان منافقين.
__________
(1) سلم (2783).
أقول: أتفق معك على هذا التقسيم في أن الصحبة منها العامة والخاصة, وأن في الصحابة بعض المنافقين أعلمهم الله لنبيه وأعلمهم النبي – صلى الله عليه وسلم – لحذيفة صاحب السر لكن اختلف معك أن ثناء وتزكية الله لجميع الصحابة – العامة والخاصة – ولا يخرج منهم إلا ما دل عليه الدليل كما في هذا الحديث.
وثانياً: لوكان من المنافقين أبوسفيان وعمروبن العاص ومعاوية وأخاه يزيد لما سكت حذيفة عنهم لما ولاهم عمر بل نصح له وحذره.
مفهوم الصحبة في آثار الصحابة والتابعين:
1 – حديث ابن عمر أنه سمع رجلاً وهويتناول بعض المهاجرين فقرأ عليه {للفُقَراء المُهاجِرين} الآية ثم قال: هؤلاء المهاجرون فمنهم أنت؟ قال: لا ثم قرأ عليه: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ} الآية ثم قال: هؤلاء الأنصار أفأنت منهم؟ قال: لا ثم قرأ عليه: {{وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ} الآية ثم قال: أفمن هؤلاء أنت؟ قال: أرجوقال: لا ليس من هؤلاء من يسب هؤلاء (1).
2 – قول سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه -: الناس على ثلاث منازل فمضت منهم اثنتان وبقيت واحدة، فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت ثم قرأ: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ} الآية ثم قال: هؤلاء المهاجرون وهذه منزلة وقد مضت، ثم قرأ: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ} الآية ثم قال: هؤلاء الأنصار وهذه منزلة وقد مضت ثم قرأ: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإيمَانِ} الآية، قال: فقد مضت هاتان المنزلتان وبقيت هذه المنزلة فأحسن ما أنتم كائنون عليه أن تكونوا بهذه المنزلة التي بقيت (2).
__________
(1) الدر المنثور” (8/ 113) ولم يذكر إسناده.
(2) لحاكم في “المستدرك” (2/ 526) وصححه ووافقه الذهبي.
قلت: في إسناده عبد الله بن زبيد له ترجمة في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم, ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً.
3 – حديث جابر عن عمر بن عبد الرحمن بن جرهد قال: سمعت رجلاً يقول لجابر بن عبد الله: من بقي معك من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: بقي أنس بن مالك وسلمة بن الأكوع فقال رجل: أما سلمة فقد ارتد عن هجرته فقال جابر: لا تقل ذلك فإني سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول لأسلم: أبدوا يا أسلم قالوا يا رسول الله وإنا نخاف أن نرتد بعد هجرتنا فقال إنكم أنتم تهاجرون حيث كنتم.
أخرجه أحمد (3|361) وإسناده ضعيف، لكن له شاهد: فأخرج أحمد من طريق سعيد بن إياس بن سلمة أن أباه حدثه قال قدم سلمة المدينة فلقيه بريدة بن الخصيب فقال: ارتددت عن هجرتك فقال: معاذ الله إني في إذن من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سمعته يقول: ابدوا يا أسلم أي القبيلة المشهورة التي منها سلمة وأبوبرزة وبريدة المذكور. قالوا إنا نخاف أن يقدح ذلك في هجرتنا قال: أنتم مهاجرون حيث كنتم (1).
قال المخالف: فيه دلالة صريحة على إخراج من ليس من المهاجرين والأنصار من عداد الصحابة لأن سلمة بن الأكوع مات عام 74 فلم يبق في تلك السنة من الصحابة إلا ثلاثة على قول جابر, وهم سلمة بن الأكوع وأنس بن مالك … وعلى هذا فكل من ترجم له في الصحابة وتوفي بعد عام 74 فليس من الصحابة أصحاب الصحبة الشرعية الخاصة وهؤلاء ألوف .. وعندما بحثنا في تراجم المذكورين في كتب الصحابة ممن توفوا بعد عام 74 وجدنا أغلبهم ليسوا من المهاجرين والأنصار, ولا في حكمهم بل لم نستدرك عليه رضي الله عنه إلا اثنين وهما أبوأمامة الباهلي وعبد الله بن أبي أوفى فهما من الصحابة وماتا بعد الثمانين.
__________
(1) الفتح” (13|41)، أخرجه أحمد (4|55).
وقد يوجد غير هذين الواحد والاثنان ممن يغيب عن ذاكرة الصحابي، وعلى هذا يخرج من الصحابة من مات بعد عام 74 ممن ذكر في تراجم الصحابة مثل أبي ثعلبة الخشني وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وعتبة بن الندر الأسلمي وواثلة بن الأسقع وعبد الله بن الحارث الزبيدي والمقدام بن معد يكرب الزبيدي وعبد الله ين بسر المازني وسفيان بن وهب الخولاني وطارق بن شهاب وعبد الله بن ربيعة بن فرقد الأسلمي وعبد الله بن سرجس وعبد الله بن ثعلبة وعبيد الله بن عباس وعتبة بن عبد السلمي وعمروبن حريث المخزمي وقدامة بن عبد الكلابي وكثير بن العباس والهرماس بن زياد وسهل بن سعد وأبوعنبة الخولاني والسائب بن خلاد وأبوأمامة بن سهل بن حنيف وأبوالطفيل عامر بن واثلة ويوسف بن عبد الله بن سلام ونحوهم ممن ليسوا من المهاجرين ولا الأنصار وعلى هذا فليسوا من الصحابة عند الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري!
وللرد عليه نقول:
أ- حديث جابر الذي استدل به المخالف عند التحقيق حديث ضعيف والمرفوع منه حسن لغيره يشهد له حديث سلمة وهوضعيف أيضا لكن بمجموع الطريقين يرقى الحديث إلى مرتبة الحسن لغيره المرفوع للمرفوع, وأما قول جابر رضي الله عنه فلا شاهد له.
ب- على فرض صحة قول جابر فالجواب عليه ما قدمناه من جواب العلماء على قول أنس وأنه أراد الصحبة الخاصة لا الصحبة العامة.
ج- ما سرده من أسماء الصحابة ثم نسب أن هؤلاء ليسوا بصحابة عند جابر قول يدل على جرأة منه في نسبة هذا المذهب لجابر.
د- تحديده بإخراج من كان من الصحابة بعد عام 74 ثم تناقضه أنه وجد من مات بعد الثمانين من الصحابة وهما أبوأمامة الباهلي وعبد الله بن أبي أوفى ثم حيطته بأنه قد يوجد غير هذين دليل على تخبطه وتذبذبه.
4 – عن الأسود بن يزيد قال: قلت لعائشة: ألا تعجبين لرجل من الطلقاء (معاوية) ينازع أصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم – في الخلافة قالت: وما تعجب من ذلك هوسلطان الله يؤتيه البر والفاجر وقد ملك فرعون أهل مصر أربع مائة سنة (1).
قال المخالف: وسنده حسن.
قلت: في سنده أيوب بن جابر قال عنه ابن حبان: كان يخطيء حتى خرج عن حد الاحتجاج به لكثرة وهمه, وقد ضعفه ابن معين والنسائي وأبوزرعة وأبوحاتم وابن المديني. وقول ابن حبان جرح مفسر فيقدم على التعديل المجمل. وفي السند أيضا أبوإسحق وهومختلط فأنى للأثر الحسن.
5 – قول عمر: يا أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تناصحوا فإنكم إن لا تفعلوا غلبكم عليها – يعني الخلافة – مثل عمروبن العاص ومعاوية بن أبي سفيان (2).
والأثر مرسل كما ذكر المخالف والمرسل من أقسام الضعيف.
6 – قول عمار: والله لأنتم أشد حباً لرسول – صلى الله عليه وسلم – ممن رآه أومن عامة من رآه.
قال الهيثمي: رواه البزار والطبراني وفيه عبد الله بن داود الحراني أخوعبد الغفار ولم أعرفه وبقية إسناد البزار حديثهم حسن.
قال المخالف: عبد الله بن داود الحراني لم أجد له ترجمة لكن ذكر الخطيب البغدادي …
ثم وجدت متابعاً لعبد الله بن داود الحراني عند ابن سعد وهوالحسن بن موسى فقد روى عن ابن لهيعة عن أبي عشانة عن أبي اليقظان الحديث نفسه لكن يبقى مدار الحديث على ابن لهيعة وقد حسن له الهيثمي …
قلت: ابن لهيعة مختلط عند العلماء المحققين, واستثنى العلماء منها رواية العبادلة عنه وهذا ليس منها.
__________
(1) تاريخ دمشق” (59/ 154).
(2) لمروزي في “الفتن” (1|128).
7 – عن إسماعيل بن عبيد الأنصاري قال عبادة لأبي هريرة: يا أبا هريرة إنك لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إنا بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في اليسر والعسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن نقول في الله تبارك وتعالى ولا نخاف لومة لائم فيه وعلى أن ننصر النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة فهذه بيعة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – التي بايعنا عليها فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما بايع عليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وفي الله تبارك وتعالى بما بايع عليه نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فكتب معاوية إلى عثمان بن عفان أن عبادة بن الصامت قد أفسد على الشام وأهله؛ فإما تكن إليك عبادة وإما أخلي بينه وبين الشام فكتب إليه أن رحل عبادة حتى ترجعه إلى داره من المدينة فبعث بعبادة حتى قدم المدينة فدخل على عثمان في الدار وليس في الدار غير رجل من السابقين أومن التابعين قد أدرك القوم؛ فلم يفجأ عثمان إلا وهوقاعد في جنب الدار فالتفت إليه فقال: يا عبادة بن الصامت ما لنا ولك؟ فقام عبادة بين ظهري الناس فقال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أبا القاسم محمدا – صلى الله عليه وسلم – يقول: ((أنه سيلي أموركم بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون عليكم ما تعرفون فلا طاعة لمن عصى الله تبارك وتعالى فلا تعتلوا بربكم)).
أحمد (5|325) من طريق الحكم بن نافع أبي اليمان ثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عثمان بن خثيم حدثني إسماعيل بن عبيد الأنصاري.
قال المخالف: بإسناد قوي ثم قال: وهذا الأثر دلالته ظنية ليست بصريحة.
قلت: بل ضعيف قال الهيثمي: رواه أحمد بطوله … وكذلك الطبراني ورجالهما ثقات إلا أن إسماعيل بن عياش رواه عن الحجازيين وروايته عنهم ضعيفة.
8 – حديث أنس – رضي الله عنه -: أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس فيهم أبوبكر وعمر فلا يرفع إليه أحد منهم بصره إلا أبوبكر وعمر؛ فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ويتبسمان إليه ويتبسم إليهما (1).
قلت: وهذا الحديث ضعيف في إسناده الحكم بن عطية روى عنه أبوداود أحاديث منكرة, وقال الإمام أحمد: حدث بمناكير.
9 – طعنه في المغيرة بن شعبة – رضي الله عنه – وأنه لم يهاجر إلى النبي – صلى الله عليه وسلم -, وإنما فر وهناك فرق بين الهجرة والفرار قال: ورجل فعل هذا لن تكون هجرته خالصة لله ورسوله لأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى.
أقول: هذا الطعن في النيات دليل على سوء وخبث طوية لأصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -, وهذا المخالف منحرف على أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم -, وخصوصا من كان منهم مع معاوية – رضي الله عنه – كما سيأتي بيانه.
ثانياً: إن الواقدي كذاب وضاع وعلى فرض ثبوت هذه القصة فيلزمك ما فيه. وفيه قول النبي – صلى الله عليه وسلم – للمغيرة: الإسلام يجب ما كان قبله (2). فلا يصح أن يعاب الصحابة بما عملوا في الجاهلية قبل إسلامهم.
1. – قول ابن عباس رضي الله عنهما قال: ترك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الناس يوم توفي على أربعة منازل؛ مؤمن مهاجر والأنصار وأعرابي مؤمن لم يهاجر إن استنصره النبي نصره وإن تركه فهوأذن له وإن استنصروا النبي – صلى الله عليه وسلم – وسلم كان حقا عليه أن ينصره والرابعة التابعين بإحسان.
وهذا من الاستدلال بالضعيف فابن جريج لم يسمع من ابن عباس وهومدلس ولم يصرح بالتحديث كما ذكر المخالف , ومع ذلك يستدل به.
__________
(1) الترمذي” (3668).
(2) طبقات ابن سعد” (4|286).
11 – عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب جمع أناسا من المسلمين فقال: إني أريد أن أضع هذا الفيء موضعه فليغد كل رجل منكم علي برأيه؛ فلما أصبح قال: إني وجدت آية من كتاب الله تعالى – أوقال آيات – لم يترك الله أحدا من المسلمين له في هذا المال شيء إلا قد سماه قال الله: {مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} حتى بلغ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}، ثم قرأ {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ} إلى {أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} فهذه للمهاجرين، ثم قرأ {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ} حتى بلغ {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، ثم قال: هذه للأنصار، ثم قرأ: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ولإخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ رَبَّنَا} حتى بلغ {رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} ثم قال: فليس في الأرض مسلم إلا له في هذا المال حق أعطيه أوحرمه (1).
قلت: وهذا إسناد ضعيف في إسناده عبد الله العمري وهوضعيف.
12 – عن عبد الرحمن بن ميسرة قال: مر بالمقداد بن الأسود رجل فقال: لقد أفلحت هاتان العينان رأتا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فاجتمع المقداد غضبا وقال: يا أيها الناس لا تتمنوا أمرا قد غيبه الله فكم ممن قد رآه ولم ينتفع برؤيته.
قلت: الذين لم ينتفعوا برؤيته هم الكفار والمنافقين وليس الصحابة
__________
(1) بد الرزاق في “مصنفه” (4|151).
فعن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوماً فمر به رجل فقال: طوبى لهاتين العينين اللتين رأتا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والله لوددنا أنا رأينا ما رأيت وشهدنا ما شهدت. فاستغضب فجعلت أعجب ما قال إلا خيراً ثم أقبل عليه فقال: ما يحمل الرجل على أن يتمنى محضراً غيبة الله عنه لا يدرى لوشهده كيف يكون فيه, والله لقد حضر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أقوام كبهم الله على مناخرهم في جهنم لم يجيبوه ولم يصدقوه أولا تحمدون الله عز وجل إذ أخرجكم لا تعرفون إلا ربكم فتصدقون بما جاء به نبيكم – صلى الله عليه وسلم – قد كفيتم البلاء بغيركم, والله لقد بعث النبي – صلى الله عليه وسلم – على أشد حال بعث عليها نبي قط في فترة وجاهلية ما يرون أن دينا أفضل من عبادة الأوثان فجاء بفرقان فرق به بين الحق والباطل, وفرق به بين الوالد وولده حتى إن كان الرجل ليرى والده أوولده أوأخاه كافراً وقد فتح الله قفل قلبه بالإيمان, ويعلم أنه إن هلك دخل النار فلا تقر عينه وهويعلم أن حبيبه في النار وأنها للتى قال الله عز وجل: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ}.


الصحابة هم المهاجرين والأنصار فقط
زعمه قَصْر الهجرة على المهاجرين قبل الحُديبية، وقَصْر الصُّحبة على المهاجرين والأنصار قبل الحُديبية، والرد عليه:
قال في (ص:25) في بيان مَن هم الصحابة: ((أصحابُ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم -:
ـ الصحبة الشرعية ـ ليسوا إلاَّ المهاجرين والأنصار، وقد يدخل فيهم مَن كان في حكمهم مِمَّن أسلم وهاجر إلى النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – وعاد إلى بلاده قبل فتح الحُديبية.
فهذا أسلمُ تعريفٍ لأصحاب النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم -، وهذه الصُّحبةُ الشرعيةُ هي التي كان فيها النُّصرةُ والتمكينُ في أيَّام الضَّعفِ والذِّلَّة، وهي الصُّحبةُ الممدوحةُ في القرآن الكريم والسنَّة النبويّة، بمعنى أنَّ كلَّ آيات القرآن الكريم التي أثنت على (الذين مع النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم -) إنَّما كان الثناءُ مُنصَبًّا على المهاجرين والأنصار فقط، وليس هناك مدحٌ عامٌّ لِمَن كان مع النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – إلاَّ وهومنصرفٌ لهؤلاء لا لغيرهم!!)).
وقد علَّق عند قوله: ((قبل فتح الحُديبية)) بقوله في الحاشية: ((وقد يدخل في مسمَّى (الأصحاب) مَن أسلم بَعد الحُديبية إلى فتح مكة، مع الجزم بالفرق الكبير بينهم وبين أصحاب النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قبل بيعة الرِّضوان؛ لحديث خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف، لكن لا يدخل فيهم طلقاءُ قريشٍ ولا عُتقاءُ ثقيفٍ ولا مَن كان في حُكمهم من الأعراب والوفود بعد فتح مكة!!!)).
وقال في نهاية الكتاب (ص:84 ـ 85): ((الصُّحبةُ الشرعية: لا تكون إلاَّ في المهاجرين والأنصار الذين كانوا مع النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – في المدينة من بداية الهجرة إلى زمن الحُديبية، ويدخل في هؤلاء السابقون بالإسلام، الذين توفوا في مكة قبل الهجرة، أوفي الحبشة، أوقدموا بعد الحُديبية من مهاجرة الحبشة فقط.
الصُّحبة العامة: التي مرجعُها العُرفُ أواللُّغة، فهذه يدخل فيها كلُّ مَن صحب النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – من المسلمين أوالمنافقين أوالكفَّار، والذي يُدخِل مَن صحب النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – صحبةً يسيرةً لاحتمال اللُّغة ذلك لا يستطيع إخراجَ صحبة المنافق لا لغةً ولا عُرفاً؛ لأنَّ اللغةَ والعرفَ تحتملان ذلك أيضاً.
فإن قال المُخرج للمنافق أوالكافر: إنَّما أخرجناهما من الصُّحبةِ بالشرع، قلنا له: ونحنُ إنَّما حدَّدنا الصُّحبة الشرعية بالمهاجرين والأنصار بالشرع أيضاً.
فإن تَمسَّكتَ بمطلق اللغة فقد أدخلتَ على النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – صحبةَ المنافقين، وإن قلتَ: أنَّ اللغة ليست حجَّةً على الشرع، قلنا: كذلك في الصحبة الشرعية، والعرفُ حكمُه حكمُ اللغة، وإن كان أقوى دلالةً من اللغة)).
أقول: إنَّ هذا الكلام يشتمل على أمور:
الأول: قصرُه المهاجرين هجرةً شرعيةً على مَن هاجر قبل الحُديبية، دون مَن هاجر بعدها.
الثاني: أنَّ المهاجرين قبل الحُديبية مع الأنصار هم أصحابُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الصُّحبةَ الشرعية دون غيرِهم.
الثالث: الجزم بأنَّ كلَّ مَن صحب الرسولَ – صلى الله عليه وسلم – بعد فتح مكة ـ سواء كان من الطُّلَقاء والعُتقاء وأصحاب الوفود ـ لا يُعَدُّ صحابياًّ، وصحبتُه المضافة إليه لغوية، كصحبة المنافقين والكفّار.
الرابع: أنَّ أولادَ المهاجرين والأنصار ليس لهم حكم المهاجرين والأنصار.
الخامس: اعتبر مَن صَحِبَ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – بعد الحُديبية وقبل فتح مكة من أصحابه الصُّحبة اللُّغوية التي هي شبيهةٌ بصحبة المنافقين والكفار، كما جاء في كلامه الأخير الذي هوخلاصةُ رأيه.
والجوابُ عن الأمر الأوّل أن يُقال:
إنَّ الهجرةَ إلى الرسول – صلى الله عليه وسلم – في المدينة تَمتدُّ مِن بدْءِ الهجرة إلى فتحِ مكة، مع التفاوت الكبير بين مَن تقدَّمتْ هجرتُه ومَن تأخَّرتْ، كما أنَّ التفاوُتَ حاصلٌ بين مَن هاجر في بداية الهجرة وبين مَن هاجر قُبَيل صُلح الحُديبية.
فإنَّ مَن شَهِد بدراً وأُحُداً والخندقَ وغيرَها أفضلُ مِمَّن هاجر قُبَيل الحُديبية وشَهِد الحُديبية.
وما ذكره في (ص:85 ـ 86) من تقسيم الهجرة إلى (هجرة شرعية) تنتهي بصلح الحُديبية و(شرعيةِ هجرةٍ) تَمتَدُّ إلى فتح مكة، وقصْره فضلَ الهجرة التي ورد لأهلها المدحُ والثناءُ على الهجرة قبل الحُديبية دون ما بعدها إلى فتح مكة تحكُّمٌ لا دليل عليه.
ويدلُّ لاستمرار الهجرة التي ورد لأهلها المدحُ والثناءُ من بدء الهجرة إلى فتح مكة ما يأتي:
1 ـ حديث ابن عباس في الصحيحين، واللفظُ للبخاري (2825)، أنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – قال يومَ الفتح: ((لا هجرةَ بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونيَّةٌ، وإذا استُنفِرْتُم فانفِروا)).
قال الحافظ في شرحه: ((قال الخطّابيُّ وغيرُه: كانت الهجرةُ فرضاً في أوَّل الإسلام على مَن أسلم لقلَّة المسلمين بالمدينة وحاجتِهم إلى الاجتماع، فلمَّا فتح الله مكةَ دخل النَّاسُ في دين الله أفواجاً، فسقط فرضُ الهجرة إلى المدينة، وبقي فرضُ الجهاد والنية على من قام به أونزل به عدوٌّ)).
2 ـ حديث أبي عثمان النهدي عن مجاشع بن مسعود في الصحيحين، واللفظُ للبخاري (3.79)، قال: ((جاء مجاشعٌ بأخيه مجالد بن مسعود إلى النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم -، فقال: هذا مجالد يبايعُك على الهجرة، فقال: لا هجرةَ بعد فتح مكة، ولكن أبايعُه على الإسلام)).
وفي لفظٍ للبخاري (2963) قال مجاشع: ((أتيتُ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – أنا وأخي، فقلتُ: بايعْنا على الهجرة، فقال: مَضتِ الهجرةُ لأهلها، فقلتُ: علامَ تبايعنا؟ قال: على الإسلام والجهاد)).
وهويدلُّ على استمرار الهجرة ذات المدح والثناء إلى فتح مكة.
3 ـ عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((انقطعت الهجرةُ منذُ فتح الله على نبِيِّه – صلى الله عليه وسلم – مكة)) رواه البخاري (3.8.).
وهوواضحٌ في استمرار الهجرة ذات الفضل إلى فتح مكة.
4 ـ حديث جرير رضي الله عنه مرفوعاً: ((المهاجرون والأنصارُ بعضُهم أولياءُ بعض في الدنيا والآخرة، والطُّلَقاءُ من قريشٍ والعتقاءُ من ثقيفٍ بعضُهم أولياءُ بعضٍ في الدنيا والآخرة))، وهوحديثٌ صحيحٌ، انظر تخريجه في السلسلة الصحيحة للألباني (1.36) والمسند (4/ 363).
والمقابلة بين المهاجرين والأنصار وبين الطُّلَقاء والعتقاء دالَّةٌ على استمرار الهجرة إلى فتح مكة.
وقد أورد المالكي في (ص:46 ـ 47) حديثَ مجاشعٍ، وفيه الدلالة على أنَّ الهجرة تنتهي بفتح مكة، وهويخالفُ ما زعمَه في (ص: 45 ـ 46) من أنَّ الهجرةَ تنتهي بصُلح الحُديبية فقال: ((الدليلُ الخامس عشر ما رواه البخاري في صحيحه عن مجاشع بن مسعود قال: أتيتُ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – بأخي بعد الفتح، فقلتُ: يا رسول الله! جِئتُك بأخي لتبايعَه على الهجرة، قال: ذهب أهلُ الهجرة بما فيها.
أقول: هذه (كذا) فيه دلالةٌ واضحةٌ على أنَّ فتحَ مكة قطع الهجرة، ولا يحصل مسلموالفتح على اسم الهجرة ولا فضلها حتى لووفدوا إلى النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم -، وعلى هذا فلا يُسمَّوْن مهاجرين، وإنَّما يُسمَّوْن (الناس) كما في حديث (أنا وأصحابي حيِّزٌ والناسُ حيِّزٌ)، أويُسمَّون الطُّلَقاء، أونحوذلك!)).
ثمَّ علَّق على هذا بقوله: ((وقوله: (ذهب أهلُ الهجرة بِما فيها) أي
بِما فيها من فضلٍ وتسميةٍ وغيرِ ذلك مِمَّا هومن خصائص المهاجرين وفضائلهم)).
وأقول: هذا واضحٌ في استمرار الهجرة ذات الثناء والمدح إلى فتح مكة، وهوخلافُ ما دندن حولَه من أنَّ الهجرةَ المحمود أهلُها تنتهي بصلح الحُديبية، وهذا الحديثُ قد أوردتُه قريباً من جملة الأدلَّة الدالَّة على استمرار الهجرة المحمود أهلُها إلى فتح مكة، وليس إلى صلح الحُديبية كما زعم، وقد وُفِّق هنا للصواب بتقرير أنَّ الهجرةَ تستمرُّ إلى فتح مكة، وإن كان ذلك بغير قصدٍ منه.
وأمَّا الأمورُ الأربعةُ الباقيةُ، وهي قصرُه الصُّحبةَ الشرعية التي جاء مدحُها في الكتاب والسنَّة على المهاجرين قبل الحُديبية والأنصار إلى زمن صلح الحُديبية، ونفي هذه الصحبة عن المهاجرين بعد الحُديبية، وعن الطُّلَقاء وعتقاء ثقيف وأصحاب الوفود وأبناء المهاجرين والأنصار، فيجاب عن ذلك بأنَّ هذا التقسيم للصحابة إلى مَن صُحبتُهم صُحبةٌ شرعيةٌ ومَن صُحبتُهم لُغويةٌ شبيهةٌ بصحبة المنافقين والكافرين تقسيمٌ غيرُ صحيحٍ، وهومن محدثات القرن الخامس عشر، والصحيحُ أنَّ كلَّ مَن لقي النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – مؤمناً به ومات على الإسلام فهومن أصحابه.
قال الحافظ ابن حجر في الإصابة (1/ 1.): ((وأصحُّ ماوقفتُ عليه من ذلك أنَّ الصحابيَّ مَن لقي النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – مؤمناً به ومات على الإسلام، فيدخل فيمن لقيه مَن طالت مجالسته له أوقصُرت، ومن روى عنه أولَم يروِ، ومن غزا معه أولَم يغزُ، ومن رآه رُؤيةً ولولَم يجالسْه، ومَن لَم يرَه لعارضٍ كالعمى)) ثمَّ شرح تعريفَه هذا إلى أن قال (1/ 12): ((وهذا التعريفُ مَبنِيٌّ على الأصحِّ المختارِ عند المحقِّقين كالبخاري وشيخِه أحمدَ بن حنبل ومن تبعهما، ووراء ذلك أقوالٌ أخرى شاذَّةٌ … )) وأشار إلى جملةٍ منها، وهذا التعريفُ هوالأسلمُ، وهويشملُ حتى الذين رأوا النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – مجرَّدَ رؤية ولَم يُجالِسوه، ويدلُّ لذلك أدلَّةٌ:
الأول: قال الله عزَّ وجلَّ: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ الله وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}.
فإنَّ هذه الآيةَ الكريمةَ عامَّةٌ في جميع أصحاب الرسول – صلى الله عليه وسلم – سواءً مَن كان أسلم عام الفتح وصحبه – صلى الله عليه وسلم -، ومَن كان قبل ذلك وبعده إلى وفاة الرسول – صلى الله عليه وسلم -.
وقد تأوَّل المالكيُّ هذه الآيةَ بقصرِ عمومِها على المهاجرين والأنصار قبل الحُديبية وهوتحكُّمٌ وتعسُّفٌ، وسيأتي الرَّدُّ عليه.
الثاني: قال الله عزَّ وجلَّ: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ الله وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ الله الْحُسْنَى وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
فإنَّ الآيةَ عامَّةٌ في الصحابة، والفتحُ فيها فتحُ مكةَ على قول الجمهور، وصلحُ الحُديبية على قول بعض العلماء، وسيأتي ذكر المالكي للآية مستدلاًّ بها على رأيه الباطل والرَّدّ عليه.
الثالث: قال الله عزَّ وجلَّ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنكُمْ وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}.
ففي الآية دليلٌ على أنَّ مَن آمن وهاجر وجاهد مع المهاجرين والأنصار من الصحابة الذين تأخَّر إسلامُهم أنَّهم منهم في الأجر والثواب، مع التفاوت الكبير بين هؤلاء وهؤلاء، قال الشوكاني في فتح القدير: ((ثمَّ أخبر سبحانه بأنَّ من هاجر بعد هجرتهم وجاهد مع المهاجرين الأوَّلين والأنصار فهومِن جملتِهم أي: من جملة المهاجرين الأوَّلين والأنصار في استحقاق ما استحقُّوه من الموالاة والمناصرة وكمال الإيمان والمغفرة والرزق الكريم)).
الرابع: قال الله عزَّ وجلَّ: {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ أَعَدَّ الله لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ}.
فإنَّ الآيةَ في الصحابة جميعاً، فيدخلُ فيها كلُّ مَن كان معه وجاهد قبل الفتح وبعده، في حُنين والطائف وغزوة تبوك، قال ابن كثير في تفسيره: ((لَمَّا ذكر تعالى ذمَّ المنافقين بيَّن ثناءَه على المؤمنين وما لهم في آخرتهم، فقال: {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا} إلى آخر الآيتين من بيان حالِهم ومآلهم، وقوله: {وَأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْرَاتُ}، أي: في الدار الآخرة في جنَّات الفردوس والدرجات العُلَى)).
ويدلُّ لذلك أيضاً قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ}، أي: أنَّ الله كافيك وكافي من اتَّبَعك من المؤمنين.
الخامس: قال الله عزَّ وجلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سِيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِي الله النَّبِيَّ وَالَّذين آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
ففي الآيةِ الكريمة بيانُ حال النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – والذين آمنوا معه يوم القيامة، ويدخل في ذلك الصحابة رضي الله عنهم دخولاً أوَّليًّا؛ لأنَّهم خيارُ المؤمنين وسادات الأولياء بعد الأنبياء والمرسَلين.
السادس: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قال:
((يأتي على الناس زمان، يغزوفئامٌ من الناس، فيُقال لهم: فيكم مَن رأى رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم -؟ فيقولون: نعم! فيُفتَح لهم، ثمَّ يغزوفئامٌ من الناس، فيُقال لهم: فيكم مَن رأى مَن صَحب رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم -؟ فيقولون: نعم! فيُفتَح لهم، ثمَّ يغزوفئامٌ من الناس، فيُقال لهم: هل فيكم مَن رأى مَن صَحِب من صَحب رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم -؟ فيقولون: نعم! فيُفتَح لهم)) رواه مسلم (2532).
فهذا الحديث الصحيحُ دالٌّ على أنَّ الصُّحبةَ للرسول – صلى الله عليه وسلم – تحصُل برؤيته – صلى الله عليه وسلم -، وإن لَم تطُلْ صحبتُه إيَّاه.
قال علي بن المديني ـ رحمه الله ـ في اعتقاده الذي رواه عنه اللالكائي بإسناده في كتابه ((شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)) (1/ 188) فساقه، وفيه: ((مَن صَحِبَه سَنةً أوشهراً أوساعةً، أورآه، أووفد إليه فهومن أصحابه، له من الصُّحبة على قدر ما صحبَه، فأدناهم صحبةً هوأفضلُ من الذين لَم يروه، ولولقوا الله عزَّ وجلَّ بجميع الأعمال، كان الذي صحب النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – ورآه بعينيه وآمن به ولوساعة أفضلَ بصُحبته من التابعين كلِّهم، ولوعملوا كلَّ أعمال الخير)).
وقد ساق اللالكائيُّ في كتابه أيضاً (1/ 18.) اعتقاد الإمام أحمد بإسناده إلى عَبدوس بن مالك العطَّار عنه، وفيه تعريف الصحابي وبيان فضيلة الصُّحبة بنحوكلام علي بن المديني المتقدِّم.
قال ابن تيمية في منهاج السنَّة (8/ 382 ـ 388): ((ومِمَّا يبيِّن هذا أنَّ الصُّحبةَ فيها عمومٌ وخصوصٌ، فيُقال: صَحبِه ساعةً ويوماً وجمعةً وشهراً وسنةً، وصَحِبَه عمرَه كلَّه.
وقد قال تعالى: {وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ}، قيل: هوالرفيق في السَّفر، وقيل: الزوجة، وكلاهما تقلُّ صُحبتُه وتكثر، وقد سَمَّى الله الزوجةَ صاحبةً في قوله: {أَنَّى يُكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَهُ صَاحِبَةٌ}.
ولهذا قال أحمد بن حنبل في الرسالة التي رواها عَبْدوس بن مالك عنه: (مَن صحب النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – سنةً أوشهراً أويوماً أوساعةً، أورآه مؤمناً به، فهومن أصحابه، له من الصُّحبة على قدر ما صحبَه).
وهذا قول جماهير العلماء من الفقهاء وأهل الكلام وغيرِهم: يَعُدُّون في أصحابه مَن قلَّت صحبتُه ومَن كثرت، وفي ذلك خلافٌ ضعيف.
والدليلُ على قول الجمهور ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري، عن النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قال: (يأتي على الناس زمان، يغزوفئامٌ من الناس، فيُقال: هل فيكم مَن رأى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -؟ فيقولون: نعم! فيُفتَح لهم، ثمَّ يغزوفئامٌ من الناس، فيُقال: هل فيكم مَن رأى مَن صحب النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم -؟ فيقولون: نعم! فيُفتَح لهم، ثمَّ يغزوفئامٌ من الناس، فيُقال: هل فيكم مَن رأى مَن صحب من صحب رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم -؟ فيقولون: نعم! فيُفتَح لهم)، وهذا لفظ مسلم، وله في رواية أخرى: (يأتي على الناس زمان يُبعَثُ منهم البعث، فيقولون: انظروا هل تجدون فيكم أحداً مِن أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -؟ فيوجد الرَّجل، فيُفتَح لهم به، ثمَّ يُبعث البعثُ الثاني، فيقولون: هل فيكم مَن رأى أصحابَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم -؟ فيقولون: نعم! فيُفتَح لهم به، ثمَّ يُبعثُ البعثُ الثالث، فيُقال: انظروا هل ترون فيكم مَن رأى مَن رأى أصحابَ رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم -؟ فيقولون: نعم، ثمَّ يكون البعثُ الرابع، فيُقال: هل ترون فيكم أحداً رأى من رأى أحداً رأى أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -؟ فيوجد الرَّجل فيُفتحُ لهم به)، ولفظ البخاري ثلاث مرَّات كالرواية الأولى، لكن لفظه: (يأتي على الناس زمان يغزوفِئامٌ من الناس)، وكذلك قال في الثانية والثالثة، وقال فيها كلِّها: (صَحِب)، واتَّفقت الروايات على ذِكر الصحابةِ والتابعين وتابعيهم، وهم القرون الثلاثة، وأمَّا القرن الرابع فهوفي بعضها، وذِكرُ القرن الثالث ثابت في المتفق عليه من غير وجه، كما في الصحيحين عن ابن مسعود قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (خيرُ أمَّتِي القرن الذين يَلونَنِي، ثمَّ الذين يلُونَهم، ثمَّ الذين يلُونَهم، ثمَّ يجيء قومٌ تسبق شهادةُ أحدِهم يَمينَه ويَمينُه شهادتَه).
وفي الصحيحين عن عِمران: أنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – قال: (إنَّ خيرَكم قرنِي ثمَّ الذين يلُونَهم، ثمَّ الذين يلُونَهم)، قال عِمران: فلا أدري أقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بعد قرنه قرنين أوثلاثة، (ثمَّ يكون بعدهم قومٌ يشهدون ولا يُستشهدون، ويخونون ولا يُؤتمَنون، وينذِرون ولا يوفون)، وفي رواية: (ويحلفون ولا يُستحلفون)، فقد شكَّ عمران في القرن الرابع … )).
إلى أن قال: ((ففي الحديث الأول: (هل فيكم مَن رأى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -؟) ثمَّ قال: (هل فيكم مَن رأى مَن صحب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -؟)، فدلَّ على أنَّ الرَّائي هوالصَّاحب، وهكذا يقول في سائر الطبقات في السؤال: (هل فيكم من رأى مَن صَحبَ مَن صَحِبَ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم -؟) ثمَّ يكون المراد بالصَّاحب الرائي.
وفي الرواية الثانية: (هل تجدون فيكم أحداً من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -؟) ثمَّ يقال في الثالثة: (هل فيكم من رأى من رأى أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -؟).
ومعلومٌ إن كان الحكمُ لصاحب الصاحب معلَّقاً بالرؤية، ففي الذي صحب رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – بطريق الأوْلَى والأحْرَى.
ولفظ البخاري قال فيها كلِّها: (صَحِب)، وهذه الألفاظ إن كانت كلُّها من ألفاظ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فهي نصٌّ في المسألة، وإن كان قد قال بعضَها، والراوي مثل أبي سعيد يروي اللَّفظ بالمعنى، فقد دلَّ على أنَّ معنى أحد اللَّفظين عندهم هومعنى الآخر، وهم أعلمُ بِمعاني ما سمعوه من كلام رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.
وأيضاً فإنْ كان لفظ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – (رأى) فقد حصل المقصود، وإن كان لفظه (صحب) في طبقة أوطبقات، فإن لَم يُرِد به الرؤية لَم يكن قد بيَّن مرادَه، فإنَّ الصُّحبةَ اسمُ جنسٍ ليس لها حدٌّ في الشرع ولا في اللغة، والعُرف فيها مختلف.
والنَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – لَم يُقيِّد الصُّحبةَ بقيدٍ، ولا قدَّرها بقدر، بل علَّق الحكمَ بمطلقها، ولا مُطلقَ لها إلاَّ الرؤية.
وأيضاً فإنَّه يُقال: صَحِبَه ساعةً وصَحِبَه سنةً وشهراً، فتقع على القليل والكثير، فإذا أُطلقت من غير قيد لَم يَجُز تقييدُها بغير دليل، بل تُحملُ على المعنى المشترك بين سائر موارد الاستعمال.
ولا ريب أنَّ مجرَّدَ رؤية الإنسان لغيره لا توجب أن يُقال: قد صَحِبَه، ولكن إذا رآه على وجه الاتِّباع له والاقتداء به دون غيره والاختصاص به، ولهذا لَم يُعتدَّ برؤية مَن رأى النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – من الكفَّار والمنافقين؛ فإنَّهم لَم يروه رؤيةَ مَن قَصْدُه أن يؤمن به، ويكون من أتباعه وأعوانه المصدِّقين له فيما أخبر، المطيعين له فيما أمر، الموالين له، المُعادين لِمَن عاداه، الذي هوأحبُّ إليهم من أنفسِهم وأموالِهم وكلِّ شيء)).
السابع: عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أتى المقبرة، فقال: ((السَّلامُ عليكم دارَ قومٍ مؤمنين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون، وددتُ أنَّا قد رأينا إخواننا، قالوا: أوَلَسْنا إخوانَك يا رسول الله؟! قال: أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لَم يأتوا بعد)) الحديث، رواه مسلم (249) وغيرُه.
فدلَّ الحديثُ على التمييز بين أصحابه وإخوانِه، وأنَّ أصحابَه هم الذين أدركوه ورأوه، وإخوانَه الذين يأتون مِن بعد ولَم يروه، والمرادُ بالأُخوَّة الأخوَّة الإيمانية، والصحابةُ جمعوا بين الصُّحبةِ والأُخوَّة، والذين بعدَهم نصيبُهم الأُخوَّة وحدها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (8/ 389): ((ومعلومٌ أنَّ قوله (إخواني) أراد به إخواني الذين ليسوا بأصحابي، وأمَّا أنتم فلكم مزيَّة الصُّحبة …
فجعل هذا حدًّا فاصلاً بين إخوانه الذين ودَّ أن يراهم وبين أصحابه، فدلَّ على أنَّ مَن آمن به ورآه فهومن أصحابه، لا مِن هؤلاء الإخوان الذين لَم يَرَهم ولَم يَرَوْه، فإذا عُرف أنَّ الصُّحبةَ اسمُ جنسٍ تَعُمُّ قليلَ الصُّحبة وكثيرَها، وأدناها أن يصحبَه زمناً قليلاً، فمعلومٌ أنَّ الصِّديقَ في ذروةِ سَنَام الصُّحبة وأعلى مراتبها؛ فإنَّه صَحِبَه من حين بعثه الله إلى أن مات)).
الثامن: روى الإمام أحمد في مسنده (4/ 152) عن محمد بن عُبيد الطنافسي قال: ثنا محمد ـ يعني ابنَ إسحاق ـ حدَّثني يزيد بن أبي حبيب، عن مَرثد بن عبد الله اليَزَنِي، عن أبي عبد الرحمن الجُهنِيِّ قال: ((بينا نحن عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم – طلع رَكْبان، فلمَّا رآهما قال: كِنديان ومُذْحجِيان، حتى أتياه، فإذا رجالٌ من مُذحج، قال: فدنا إليه أحدُهما ليُبايِعه، قال: فلمَّا أخذ بيده قال: يا رسول الله! أرأيتَ مَن رآك فآمن بك وصدَّقك واتَّبعك: ماذا له؟ قال: طوبى له، قال: فمسح على يده، فانصرف، ثمَّ أقبل الآخرُ حتى أخذ بيده ليُبايِعه، قال: يا رسول الله! أرأيتَ مَن آمن بك وصدَّقك واتَّبعك ولَم يرَك؟ قال: طوبى له، ثمَّ طوبى له، ثمَّ طوبى له، فمسح على يده فانصرف)).
وهذا الإسناد فيه محمد بن عُبيد ويزيد بن أبي حبيب ومرثَد بن
عبد الله اليزني، وهم ثقات من رجال الجماعة، ومحمد بن إسحاق صدوق يدلِّس، وقد صرَّح بالتحديث.
وقد رُتِّب الفضلُ في الحديث على رؤيته – صلى الله عليه وسلم – والإيمان به وتصديقه واتِّباعه.
التاسع: روى البخاري ومسلم في صحيحيهما، واللِّفظ للبخاري (365.) عن عِمران بن حُصين رضي الله عنهما قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((خيرُ أُمَّتِي قرنِي، ثمَّ الذين يلونَهم، ثمَّ الذين يلونَهم، قال عِمران: فلا أدري أَذَكر بعد قرنه قرنين أوثلاثة)) الحديث.
وروَيا أيضاً، واللفظ للبخاري (3651) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – قال: ((خيرُ الناس قرني، ثمَّ الذين يلونَهم، ثمَّ الذين يلونَهم)) الحديث.
والقرنُ الأوَّل مِن هذه القرون هوقرنُ الصحابة رضي الله عنهم، قال النووي في شرح صحيح مسلم (16/ 84): ((اتَّفق العلماءُ على أنَّ خيرَ القرون قرنُه – صلى الله عليه وسلم -، والمرادُ أصحابُه)).
ونقل عن القاضي عياض أنَّ شهر بن حوشَب قال: ((قرنُه: ما بَقيتْ عينٌ رأتْه، والثاني: ما بقيت عينٌ رأت مَن رآه، ثمَّ كذلك)).
وقال ابن تيمية في منهاج السنة (8/ 384): ((واتَّفقت الروايات على ذِكر الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهم القرون الثلاثة)).
وجاء في السنة الصحيحة وَصْفُ الذين لَم يُدركوا زمنَه – صلى الله عليه وسلم – ويَروه
بـ (التابعين)، ففي صحيح مسلم (2542) عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إنِّي سمعتُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ((إنَّ خيرَ التابعين رجلٌ يُقال له أُوَيس، له والدةٌ وكان به بياض، فمُروه فليستغفر لكم))، وهويدلُّ على التمييز بين الصحابة والتابعين.
العاشر: روى مسلم (2531) عن أبي بُردة، عن أبيه أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ((صلَّينا المغربَ مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، ثمَّ قلنا: لوجلسنا حتى نصلي معه العشاءَ، قال: فجلسنا، فخرج علينا، فقال: ما زلتُم ههنا؟ قلنا: يا رسول الله! صلَّينا معك المغربَ، ثمَّ قلنا: نجلس حتى نصلِّيَ معك العشاءَ، قال: أحسنتم أوأَصبتُم، قال: فرفع رأسَه إلى السماء، وكان كثيراً مِمَّا يرفع رأسه إلى السماء، فقال: النُّجومُ أَمَنَةٌ للسماءِ، فإذا ذهبت النجومُ أتى السماءَ ما تُوعَد، وأنا أَمَنةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يُوعَدون، وأصحابي أَمَنةٌ لأمَّتِي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمَّتي ما يوعَدون)).
وفي صحيح البخاري (3876) أنَّ أبا موسى رضي الله عنه قدِم إلى النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – حين فتح خيبر، وكان ذلك بعد الحُديبية، وأبوموسى رضي الله عنه مِمَّن يشمله حديثه هذا، لا كما يقول المالكي مِن أنَّ الصُّحبةَ الشرعيَّة هي لِمَن كانت هجرتُه قبل الحُديبية؛ لأنَّ الحُديبية في سنة ست من الهجرة، وفتح خيبر في سنة سبع.
الحادي عشر: روى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس (1739) وأبي بكرة (1741) في خطبة النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – بِمِنى في حجَّة الوداع، وفي آخرها: ((فليُبلِّغ الشاهدُ الغائبَ))، وحديث أبي بكرة رواه مسلم أيضاً (29).
وهؤلاء الذين حجُّوا معه وشهدوا خطبتَه وسَمعوها، وأُمروا بإبلاغها غيرَهم هم من أصحابه، لا كما يقول المالكي من أنَّ الصُّحبةَ الشرعيَّة خاصَّةٌ بِمَن كان قبل الحُديبية.
الثاني عشر: روى أبوداود في سننه (3659) بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((تَسمعون ويُسمع منكم، ويُسمَع مِمَّن سَمِع منكم)).
وهودالٌّ على أنَّ الذين سَمعوا منه – صلى الله عليه وسلم – هم من أصحابه، وأنَّ الذين سَمعوا من الصحابة هم التابعون، وأنَّ الذين سَمعوا مِمَّن سَمع من الصحابة هم أتباع التابعين، ولا يُقال: إنَّ مَن سَمع رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – وحدَّث عنه ليس بصحابي.
الثالث عشر: روى أبوداود في سننه (366.) عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ((نضَّر الله امرءاً سَمِع منَّا حديثاً فحفظه حتى يبلِّغَه … )) الحديث.
وهوحديثٌ متواتر؛ رواه أربعة وعشرون صحابيًّا، وقد جمعتُ طرقَه وتكلَّمتُ على فقهه في بحث بعنوان: ((دراسة حديث (نضَّر الله امرءاً سمع مقالتِي … ) رواية ودراية))، وهومطبوع، وهودالٌّ على كون مَن سَمع حديثَه – صلى الله عليه وسلم – منه أنَّه من أصحابه.
الرابع عشر: روى البخاري في الأدب المفرد (87) قال: حدَّثنا بِشر ابن محمد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا صفوان بن عمروقال: حدَّثني عبد الرحمن بن جبير بن نُفير، عن أبيه قال: ((جلسنا إلى المقداد بن الأسود يوماً، فمرَّ به رجلٌ، فقال: طوبَى لِهاتَين العينين اللَّتين رأَتا رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم -، والله! لوَدِدنا أنَّا رأينا ما رأيتَ، وشهدنا ما شهدتَ، فاستُغضِب، فجعلت أَعْجَب: ما قال إلاَّ خيراً! ثمَّ أقْبَلَ عليه فقال: ما يَحمل الرَّجلَ على أن يتمنَّى مَحضراً غيَّبه الله عنه؟ لا يدري لوشَهدَه كيف يكون فيه؟ والله! لقد حضر رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – أقوامٌ كبَّهم الله على مناخرِهم في جهنَّم؛ لَم يُجيبوه ولَم يُصدِّقوه، أوَ لا تَحمدون الله عزَّ وجلَّ إذ أخرجكم لا تعرفون إلاَّ ربَّكم فتُصدِّقون بِما جاء به نبيُّكم – صلى الله عليه وسلم -، قد كُفيتُم البلاء بغيركم … )) الحديث.
وعبد الله الذي في الإسناد هوابن المبارك، وهوثقة، أخرج له الجماعة، والثلاثة الذين فوقه ثقات، أخرج لهم البخاري في الأدب المفرد ومسلم وأصحاب السنن، والراوي عن ابن المبارك، قال عنه الحافظ في التقريب:
((صدوق))، وقد رواه عن ابن المبارك جمعٌ، منهم: يَعمر بن بشر في مسند الإمام أحمد (6/ 3)، وحسين بن حسن في الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم (292)، وقد أورد الحديثَ ابنُ كثير في تفسيره في آخر سورة الفرقان من مسند الإمام أحمد، وقال: ((هذا إسنادٌ صحيح ولَم يخرجوه)).
وهويدلُّ على أنَّ التابعين يَرون أنَّ شَرَفَ الصُّحبةِ يَحصُل برؤيتِه – صلى الله عليه وسلم – مع الإيمان به؛ ولَم يُنكر ذلك المقداد رضي الله عنه، وإنَّما غضب لِتمنِّي أمرٍ لا يدري المُتمنِّي ماذا يكون حالُه عند حصولِه، وهذا الذي غضب منه المقداد نظيرُ ما جاء في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة: أنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – قال: ((لا تَتمنَّوا لقاءَ العدوِّ، وسلُوا الله العافيةَ، وإذا لقيتُموه فاصبِروا، واعلموا أنَّ الجنَّةَ تحت ظلالِ السيوف))؛ لأنَّ متمنِّيَ لقاء العدوِّ لا يدري عن حاله حين لقائه: هل تكون حسنة أوسيِّئة؟
ويدلُّ أيضاً لفرح التابعين برؤية الصحابة ما رواه أبوداود في سننه (948) بإسنادٍ فيه ضعف، عن هلال بن يَسَاف قال: ((قدمتُ الرَّقَّةَ، فقال لي بعضُ أصحابي: هل لك في رجلٍ من أصحاب النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم -؟ قال: قلت: غنيمة! فدفعنا إلى وابِصة، قلت لصاحبِي: نبدأ فننظر إلى دلِّه، فإذا عليه قلنسوة لاطئةٌ ذات أُذنين وبُرنس خَزٍّ أغبر … )) الحديث.
ووابِصةُ هوابن معبد رضي الله عنه، وقد وفد على النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – سنة تسع من الهجرة، ولَمَّا عُرض على هلال بن يساف لقاؤه فرح، وقال: ((غنيمة!)).
أقول: وإنَّها والله غنيمة وأيُّ غنيمة؛ ظَفَرُ التابعيِّ برؤية مَن شرَّفه الله بصحبة النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – مع الإيمان به والاتِّباع له!
الخامس عشر: قال الحافظ ابن حجر في الإصابة (1/ 2. ـ 21):
((وقد كان تعظيمُ الصحابة ـ ولوكان اجتماعُهم به صلى الله عليه وآله وسلم قليلاً ـ مقرَّراً عند الخلفاء الراشدين وغيرهم، فمِن ذلك ما قرأت في كتاب أخبار الخوارج تأليف محمد بن قدامة المروزي، بخطِّ بعضِ مَن سمعه منه في سنة سبعٍ وأربعين ومئتين، قال: حدَّثنا علي بن الجعد، قال: حدَّثنا زهير هوالجعفي، عن الأسود بن قيس، عن نُبَيْح العَنَزِي قال: كنت عند أبي سعيد الخدري))، ثمَّ ذكره الحافظ بإسناده إلى نُبيح قال: ((كنَّا عنده وهومتَّكئ، فذكرنا عليًّا ومعاوية، فتناول رجلٌ معاويةَ، فاستوى أبوسعيد الخدري جالساً، ثمَّ قال: كنَّا ننزلُ رفاقاً مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكنَّا رفقةً فيها أبوبكر، فنزلنا على أهل أبيات وفيهم امرأة حُبلى، ومعنا رجلٌ من أهل البادية، فقال للمرأة الحامل: أَيَسُرُّك أن تلِدي غلاماً، قالت: نعم! قال: إن أعطيتِنِي شاةً ولَدتِ غلاماً، فأعطَتْه، فسَجَع لها أسجاعاً، ثمَّ عمد إلى الشاةِ فذبحها وطبخها، وجلسنا نأكل منها ومعنا أبوبكر، فلمَّا علم بالقصَّة قام فتقيَّأ كلَّ شيءٍ أكل، قال: ثمَّ رأيتُ ذلك البَدَويَّ أُتِي به عمر بن الخطاب وقد هجا الأنصارَ، فقال لهم عمر: لولا أنَّ له صحبةً من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أدري ما نال فيها لَكَفَيْتُكموه، ولكن له صحبة مِن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)).
ثمَّ قال الحافظ: ((لفظ علي بن الجعد، ورجال هذا الحديث ثقات، وقد توقَّف عمر رضي الله عنه عن معاتبتِه فضلاً عن معاقبتِه لكونه علم أنَّه لقي النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، وفي ذلك أبينُ شاهد على أنَّهم كانوا يعتقدون أنَّ شأنَ الصحبة لا يعدله شيء)).
ثمَّ ذكر أحاديث في فضل أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، ورجال الإسناد ثقات كما قال الحافظ ابن حجر، فعليُّ بن الجعد خرَّج له البخاري وأبوداود، وزهير بن معاوية والأسود بن قيس خرَّج لهم أصحاب الكتب الستة، ونُبيح العَنَزي خرَّج له أصحاب السنن، قال عنه المزيُّ في تهذيب الكمال: ((روى عنه الأسود بن قيس وأبوخالد الدالاني، قال أبو
زرعة: ثقة لَم يروعنه غير الأسود بن قيس، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات))، وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: ((قلت: وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وذكره علي بن المديني في جملة المجهولين الذين يروي عنهم الأسود بن قيس، وصحح الترمذي حديثه وكذلك ابن خزيمة وابن حبان والحاكم)).
وقول الحافظ: ((رجال هذا الحديث ثقات))، وفيهم نُبيح هوالمعتمَد، وأمَّا قوله في التقريب عنه: ((مقبول))، أي: حيث يُتابَع، فغير مقبول.
ولا شكَّ أنَّ هجوَ هذا الأعرابي الصحابي للأنصار لا يرجع إلى نُصرتهم للرسول – صلى الله عليه وسلم -؛ لأنَّ ذلك نفاقٌ، وإنَّما يرجع لشيء غير ذلك، وسيأتي نقل ابن حجر عن القرطبي صاحب المفهم ما يوضح ذلك.
وقد يكون هذا الهجوُ أخفَّ من الذَّمِّ الذي أضافه المالكي للأنصار، وذلك بنسبته إلى أكثرهم كون علي رضي الله عنه أولى بالخلافة من أبي بكر، كما سيأتي عند ذِكر تشكيكه في أحقَّية أبي بكر بالخلافة،؛ فإنَّ ذلك سوءُ ظنٍّ بهم، وأنَّهم يأبَون إلاَّ غير أبي بكر، وقد قال النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم -:
((يأبَى الله والمؤمنون إلاَّ أبا بكر)).
ويدلُّ أيضاً لشمول الصُّحبة لكلِّ من رآه أوسَمع منه حديثاً وصحبه مدَّة وجيزة أوطويلة ما يلي:
الأول: أنَّ الذين دوَّنوا سنَّة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – متَّفقون على ثبوت الصُّحبة لكلِّ مَن سَمِع منه – صلى الله عليه وسلم -، ولوكان الذي سمعه منه حديثاً واحداً؛ فإنَّهم يسوقون الأسانيد حتى تنتهي إلى الصحابة الذين سمعوا منه ويتَرضَّون عنهم، ومن طريقة أهل السُّنَّة والجماعة الترضِّي عن الصحابة عند ذِكرهم والتَّرحُّم على مَن كان بعدهم.
الثاني: أنَّ الذين ألَّفوا في الصحابة أثبتوا فيهم مَن حصل له مجرَّد اللُّقيّ للرَّسول – صلى الله عليه وسلم -، ومَن لَم يَروِ عنه إلاَّ حديثاً واحداً.
الثالث: أنَّ الذين ألَّفوا في الصحابة وغيرهم، عندما يأتي ذكر الصحابي ـ سواء قلَّت صُحبتُه أوطالت ـ يقولون عنه: صحابي، لا يحتاجون إلى إضافة شيء على هذا الوصف إلاَّ إذا كان الوصفُ فيه زيادة فضل ومنقبة، ككونه من السابقين إلى الإسلام أومِن أهل بدر أومِن أهل بيعة الرضوان، فإنَّهم يُضيفون ذلك إلى وصف الصُّحبة.
الرابع: أنَّ العلماءَ على مختلف العصور والدُّهور مُطْبقون على عدِّ كلِّ مَن أسلم بعد صُلح الحُديبية وظفر بصحبة النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – أنَّه من أصحابه، سواء قصرت مدَّة صحبتِه أوطالت، ومِمَّا يوضِّح ذلك أنَّ المالكيَّ الذي ابتلي بالرأي الباطل، وهوقَصْر الصحبة على المهاجرين والأنصار قبل صلح الحُديبية لَم يَجد له سَلَفاً في هذا الرأي الباطل إلاَّ شخصاً واحداً من المعاصرين سَمَّاه، وهوعبد الرحمن محمد الحكمي، وقد ذكر في ملحق قراءته أنَّه طالبٌ يُواصل دراسته العليا في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وستأتي الإشارة إلى ذلك عند ذِكر إعلان المالكي إفلاسه من وجود سلفٍ له في رأيه سوى ذلك الشخص.
وبناءً على هذا الرأي الباطل، ماذا يقالُ للصَّحابة الكثيرين الذين أسلموا وصحِبوا النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – بعد بيعة الرِّضوان وسَمعوا حديثَه؟ أيقالُ لهم: تابعون، أم ماذا يقال لهم؟!
وماذا يقال لأحاديثهم: أهي مرفوعةٌ أم غيرُ مرفوعة؟!
وعند أهل السنة أنَّ المرفوعَ تصريحاً ما قال فيه الصحابيُّ: سمعتُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول كذا، وعندهم أنَّ الإسنادَ المنتهي إلى الصحابيِّ يقال له: موقوفٌ، والمنتهي إلى التَّابعي ومَن دونه يقال له: مقطوعٌ، وما قال فيه التابعي (قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -) يقال له مرسل، وعلى هذا الرأيِ الباطل للمالكي يحتاج الأمرُ إلى إعادة النَّظر في مصطلحات علم المصطلح، وذلك واضحٌ في شذوذه وشذوذ قدوته الحكمي، ثمَّ يقال أيضاً إنَّ هذا الرأيَ المحدَث في القرن الخامس عشر لوكان خيراً لسبق إليه سلفُ هذه الأمَّة، وليس من المعقول أن يُحجب حقٌّ في العصور المختلفة عن الناس ويُدَّخَر للمالكي وقدوته!
بقي بعد ذلك أن أُشير إلى أمورٍ:
الأمرُ الأوَّلُ: ما ذكره مِن أنَّ صحبةَ مَن رآه بعد الحُديبية ليست شرعية، وأنَّها كصحبة المنافقين والكفار، مردودٌ بأنَّ رؤيةَ الصحابة رؤيةٌ مع الإيمان به والتصديق بما جاء به، بخلاف رؤية المنافقين والكفار، وقد مرَّ في الدليل الثامن أنَّه لما قال للنَّبيِّ – صلى الله عليه وسلم – رجلٌ: يا رسول الله! أرأيت من رآك فآمن بك وصدَّقك واتَّبعك: ماذا له؟ فأجابه – صلى الله عليه وسلم – بقوله: ((طوبى له)).
وهوواضحٌ في الفرق بين رؤية الصَّحابيِّ المصدِّق للنَّبيِّ – صلى الله عليه وسلم – المتَّبع
له، ورؤية المنافقين والكفار، ومرَّ أيضاً في أثر المقداد ـ وهوالدليلُ الرابع عشر ـ قولُه رضي الله عنه: ((والله! لقد حضر رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – أقوامٌ كبَّهم الله على مناخرهم في جهنَّم؛ لَم يُجيبوه ولَم يصدِّقوه، أوَ لاَ تحمدون الله عزَّ وجلَّ إذ أخرجكم لا تعرفون إلاَّ ربَّكم، فتصدِّقون بما جاء به نبيُّكم – صلى الله عليه وسلم -، قد كُفيتم البلاء بغيركم)).
ومرَّ قولُ شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ في الدليل السادس:
((ولهذا لَم يُعتدَّ برؤية مَن رأى النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – من الكفار والمنافقين؛ فإنَّهم لَم يروه رُؤيةَ مَن قصدُه أن يؤمن به ويكون من أتباعه وأعوانه)).
ومِمَّا تقدَّم يتَّضحُ بطلان تسوية المالكي بين صحبة مَن صحب النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – بعد الحُديبية وصحبةِ المنافقين والكفار، {أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}؟!
الثاني: ما ذكره في الحاشية (ص:25) من قوله: ((وقد يدخل في مسمَّى (الأصحاب) مَن أسلم بعد الحُديبية إلى فتح مكة)).
أقول: هذا الذي ذكره كلامٌ جميلٌ لوسلِمَ مِن ذكر ((قد)) في أوَّله؛ لأنَّ ذكره إيَّاه مصَدَّراً بهذا الحرف واضحٌ في عدم الجزم بصحبة هؤلاء، لكن التعريف الذي قال: إنَّه أسلمُ تعريفٍ ـ وهوفي الحقيقة أفسدُ تعريفٍ ـ فيه الجزمُ بعدم صحبة مَن بعد الحُديبية، وكذا كلامه الأخير الذي ختم به الكتاب (ص:84 ـ 85) واضحٌ في قصر الصحبة على المهاجرين والأنصار إلى زمن الحُديبية.
ومِمَّا يوضِّح فسادَ تعريف الصحبة الشرعية المحمود أهلها، المثنى عليهم في الكتاب والسنة بقَصرِها على مَن كان قبل الحُديبية، أنَّه يخرُجُ بذلك جمعٌ كبيرٌ من الصحابة مشهورون كأبي هريرة رضي الله عنه الذي هوأكثرُ الصحابة حديثاً عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وكأبي موسى الأشعري وخالد بن الوليد رضي الله عنهما، وغيرهم مِمَّن هاجر إلى النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قبل فتح مكة وبعد الحُديبية، بل وكالعباس عم النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – وابن عمِّه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وكلّ من هاجر إلى النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قبل فتح مكة فهومن المهاجرين كما تقدَّم إيضاحُ ذلك بأدلَّتِه.
الثالث: وأمّا أبناءُ المهاجرين والأنصار فقد أخرجهم من الصُّحبة الشرعية التي خصَّ بها المهاجرين والأنصار قبل الحُديبية، فقال في (ص:28): ((ولا يدخل فيهم ـ يعني الأنصار ـ أبناءُ الأنصار (الأطفال)، كما لا يدخل في المهاجرين أبناءُ المهاجرين!))، وقال أيضاً في (ص:28): ((ومنهم ـ يعني الذين اتَّبعوا المهاجرين والأنصار بإحسان ـ أبناءُ المهاجرين وأبناءُ الأنصار!))، وأكَّد ذلك في (ص:85 و87).
أقول: أمَّا كونُ أبناء المهاجرين والأنصار من الذين اتّبعوهم بإحسان ففيه تفصيل، فمَن كان منهم رأى النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – فهومن أصحابه، ومن لَم يره منهم فإنَّه يكون من التابعين للصحابة بإحسان.
ومن المعلوم قطعاً أنَّ من القسم الأول: الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم، وهم مِن أهل بيته – صلى الله عليه وسلم -، ومنهم النعمان بن بَشير رضي الله عنهما الذي كان عمرُه عند وفاة النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – ثمان سنين، والسائب ابن يزيد رضي الله عنهما الذي قال: ((حُجَّ بي مع النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – وأنا ابن سبع سنين))، وكلُّهم رَوَوا الأحاديث عن النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم -.
ولكلِّ مَن رأى النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – من هذا القسم شرفُ الصُّحبة التي نوَّه بها – صلى الله عليه وسلم – بقوله: ((طوبى له))، جواباً لِمَن قال له: ((يا رسول الله! أرأيتَ مَن رآك فآمن بك وصدَّقك واتَّبعك: ماذا له؟))، وقد مرَّ ذِكر هذا الحديث قريباً.
الرابع: وأمَّا من أسلم عام الفتح وما بعده فقد جزم بعدمِ دخولِهم في مسمَّى الأصحاب، فقال في (ص:25 ـ الحاشية): ((لكن لا يدخل فيهم طُلقاء قريش، ولا عُتقاء ثقيف، ولا مَن كان في حكمهم من الأعراب والوفود بعد فتح مكة!!)).
أقول: إنَّ من المعلوم أنَّ كلَّ مَن رآه – صلى الله عليه وسلم – مؤمناً به متَّبعاً له فهومن أصحابه، وقد مرَّ الدليل على ذلك قريباً، ومن هؤلاء مَن أسلم وصحب النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – عام فتح مكة وما بعده، وكذا الذين شهدوا معه حجَّة الوداع.
ومن أشهر الذين أسلموا عام الفتح أبوسفيان وابناه يزيد ومعاوية وسُهيل بن عمرووعتَّاب بن أسيد الذي جعله النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – أميراً على مكة بعد فتحها، والحارث بن هشام وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم.
ولَمَّا ذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام، لقيه أبوعُبيدة وأمراء الأجناد، وأخبروه أنَّ الطاعون وقع بالشام، فاستشار عمر أصحابَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: المهاجرين الأوَّلين، ثمَّ الأنصار، ثمَّ مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فقد روى البخاري (5729) ومسلم (2219) ـ واللفظ للبخاري ـ عن ابن عباس: ((أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام، حتى إذا كان بِسَرْغ لقيه أُمراءُ الأجناد: أبوعُبيدة وأصحابه، فأخبروه أنَّ الوباءَ قد وقع بأرض الشام، قال ابن عباس: فقال عمر: ادْعُ لي المهاجرين الأوَّلين، فدعاهم، فاستشارهم، وأخبرهم أنَّ الوباءَ قد وقع في الشام، فاختلفوا، فقال بعضُهم: قد خرجنا لأمرٍ، ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضُهم: معك بقيَّة الناس وأصحابُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، ولا نرى أن تُقدِمَهم على هذا الوباء، فقال: ارتفِعوا عنِّي، ثمَّ قال: ادْع لي الأنصار، فدعوتُهم فاستشارهم، فسلكوا سبيلَ المهاجرين، واختلفوا كاختلافِهم، فقال: ارتفِعوا عنِّي، ثمَّ قال: ادْعُ لي مَن كان ههنا من مشيخة قريش من مُهاجِرة الفتح، فدعوتُهم فلَم يَختلف منهم عليه رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تُقدِمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس: إنِّي مُصبحٌ على ظهر، فأصْبِحوا عليه … )) الحديث، وفي آخره: ((فجاء
عبد الرحمن بن عوف ـ وكان متغيِّباً في بعض حاجته ـ فقال: إنَّ عندي في هذا علماً، سَمعتُ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: إذا سَمعتُم به بأرضٍ فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه، فحمد الله عمرُ ثمَّ انصرف)).
وهوواضحٌ في أنَّ عمرَ استشار الصحابةَ رضي الله عنهم، ومنهم كبار الذين أسلموا عام الفتح، واستقرَّ رأيُه على الرجوع وعدم الدخول على الطاعون، ثمَّ إنَّ عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أخبر بِما عنده من الحديث في ذلك، فسُرَّ بذلك عمر وحَمِد الله ثمَّ انصرف.
* * *
هذا وقد أورد المالكي آياتٍ وأحاديث وآثاراً يستدلُّ بها على قَصْر صُحبة الرسول – صلى الله عليه وسلم – على المهاجرين والأنصار قبل صُلح الحُديبية، وليس فيما أورده ما يدلُّ على دعواه؛ لأنَّها إمَّا نصوصٌ فيها ذِكر المهاجرين والأنصار والثناء عليهم، وذلك حقٌّ، لكن لا تدلُّ على قصر الصُّحبة عليهم دون غيرهم، وإمَّا آياتٌ وأحاديث فيها الثناء على الصحابة عموماً حَمَلَها تعسُّفاً على المهاجرين والأنصار فقط، وإمَّا أحاديثُ وآثارٌ فيها ذكرُ الصحابي أصحابَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وهي لا تدلُّ على إخراج المتكلِّم والمخاطَب من الصحابة، كما سيأتي إيضاح ذلك عند ذكر كثيرٍ من أدلَّتِه على وجه التفصيل، ولَم أتعقَّبْه في كلِّ دليلٍ أورده؛ لأنَّ الإجابةَ عن بعض أدلَّته تغني عن الإجابة عن غيرها مِمَّا يشابهها، ولَم أرتِّب الردَّ عليه على وفق ترتيب أدلَّته، بل قد أجيب عن دليل متأخِّرٍ قبل الإجابة على ما كان هوقدَّمه.
* * *
استدلالُه بآية {لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ} والرد عليه:
قال في (ص:25 ـ 27): ((الدليلُ الأوَّلُ: مع أنَّ غزوةَ تبوك في السنة التاسعة بعد العودة من حصار الطائف، وكان عددُ جيش المسلمين فيها ثلاثين ألفاً، يعتبر المهاجرون والأنصار فيهم قلَّة، ومع ذلك لَم يأت الثناءُ إلاَّ عليهم، كما في قوله تعالى: {لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}.
والسؤال: لماذا لَم يخبرنا الله عزَّ وجلَّ أنَّه قد تاب على كلِّ جيش
النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – يوم تبوك؟! لماذا لَم يقل الله عزَّ وجلَّ: (لقد تاب الله على النبي والذين آمنوا الذين اتّبعوه في ساعة العسرة … )؟! أو( … على النَّبِيِّ والمؤمنين … )؟!
الجوابُ واضحٌ بأنَّ تخصيصَ الله عزَّ وجلَّ المهاجرين والأنصار بالتوبة دليلٌ على أنَّ مَن سواهم ليسوا في منزلتهم، ولا يجوز الجزمُ بالتوبة عليهم.
وإنَّما نسكتُ عنهم كما سكت الله عنهم، وكأنَّ الله ـ والله أعلم ـ أراد بقَصْره الثناءَ على المهاجرين والأنصار أن يُشعر مَن سواهم بأنَّ المهاجرين والأنصار لَم يستحقوا التوبة عليهم من الله إلاَّ بأعمال جليلةٍ قدَّموها في الماضي، وأنَّ على مَن سواهم أن يُكثروا من التَّأسِّي بهم حتى يتوب الله عليهم كما تاب على المهاجرين والأنصار، والغريبُ أنَّ بعضَ الذين يَخلطون الأمورَ يستدلُّون بالآية السابقة على أنَّ الله تاب على جميع الصحابة، مع أنَّ الله عزَّ وجلَّ كان يستطيع أن يقول ذلك ويُعمِّم التوبةَ على كلِّ المؤمنين يومئذ، ولكنَّه لَم يقتصر على المهاجرين والأنصار إلاَّ لحكمة!!)).
وعلَّق في الحاشية على قوله: ((والغريبُ أنَّ بعضَ الذين يخلطون الأمورَ يستدلُّون بالآية السابقة على أنَّ الله تاب على جميع الصحابة)) بقوله:
((ويقصدون بالصحابة كلَّ مَن رأى النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – أولَقِيَه من المسلمين، ثمَّ يقولون هذا وقلوبهم على الطُّلَقاء!!)).
والجوابُ عن ذلك من وجوه:
الأوّل: أن يقال: إنَّ الآيةَ مشتملةٌ على توبة الله على المهاجرين والأنصار الذين معه في غزوة تبوك، لكن ليس في ذلك دليلٌ على ما زعمه من قصر الصُّحبة على المهاجرين والأنصار قبل الحُديبية وهوالذي من أجله أورد الآية، وسبق أن أوردتُ الأدلَّةَ الدالَّة على شمول الصحبة لكلِّ مَن صحبه أورآه بعد الحُديبية إلى حين وفاته – صلى الله عليه وسلم -.
الثاني: أنَّ الآيةَ دالَّةٌ على توبة الله عزَّ وجلَّ على مَن أسلم وهاجر إلى المدينة بعد الحُديبية وقبل فتح مكة، ومنهم أبوموسى الأشعري وأبوهريرة وخالد بن الوليد وعمروبن العاص وغيرهم، وقد أخرجهم المالكي، وسبق أن ذكرت الأدلَّةَ الدالَّة على استمرار الهجرة المحمود أهلها إلى فتح مكة.
الثالث: أنَّ الآيةَ وإن لَم تنصَّ على التوبة على غير المهاجرين والأنصار، فليس فيها دليلٌ على حرمان الذين أسلموا بعد الفتح وخرجوا مع النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – إلى تبوك من فضل الله ورحمته، بل قد ثبت في السُّنَّة الصحيحة حصول الأجر لِمَن لَم يخرج إلى تبوك بسبب العذر، تبعاً للخارجين إليها، فقد روى البخاري في صحيحه (4423) عن أنس رضي الله عنه: ((أنَّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رجع من غزوة تبوك فَدَنَا من المدينة فقال: إنَّ بالمدينة أقواماً ما سِرْتُم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلاَّ كانوا معكم، قالوا: يا رسول الله! وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة، حَبَسَهم العُذر)).
وروى مسلم في صحيحه (1911) بإسناده عن جابر رضي الله عنه قال: ((كنَّا مع النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – في غزاة، فقال: إنَّ بالمدينة لرجالاً ما سِرتُم مسيراً ولا قطعتُم وادياً إلاَّ كانوا معكم، حبسهم المرض)).
وبإسنادٍ آخر إليه، وفيه زيادة: ((إلاَّ شَرَكوكم في الأجر))، فلماذا تحجر الواسع؟! ولماذا البخل على أهل الفضلِ بما تفضَّل الله به عليهم مِمَّن كانوا معه في غزوة تبوك من الطُّلَقاء وغيرهم، وقد فاتتهم الهجرة، لكن لَم يَفُتهم الجهادُ والنيَّة والنَّفيرُ عند الاستنفار؟! فقد قال – صلى الله عليه وسلم -: ((لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونيَّة، وإذا استُنفرتم فانفروا)) أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، واللفظ للبخاري (2825).
ثمَّ إنَّ الأنصارَ الذين أثنى الله عليهم في كتابه العزيز إنَّما حصَّلوا اسمَ النُّصرة ووصْفَها لكونِهم نصروا الرسول – صلى الله عليه وسلم -، وقد حصَّل المهاجرون وصْفَ النُّصرةِ مع الهجرة، ومَن لَم يكن من المهاجرين والأنصار وقد نصر النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – وجاهد معه في سبيل الله له نصيبٌ من هذا الوصف في الجملة، وله الثواب الجزيل من الله على ما حصل منه من النُّصرة، وقد نوَّه الله بفضل وثواب مَن آمن وجاهد مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في غزواته ـ ومنها تبوك ـ بقوله: {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ أَعَدَّ الله لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ}، وأخبر أنَّه كافيه وكافي مَن اتَّبعه من المؤمنين في قوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ}.
* * *
استدلالُه بآية: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ}، والرد عليه:
قال في (ص:27 ـ 29): ((الدليل الثاني: قول الله عزَّ وجلَّ: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ}.
فهنا أخبر الله عزَّ وجلَّ بثلاث طوائف كانت كلُّها في عهد النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم -:
الطائفة الأولى: السابقون من المهاجرين، وهذا قيْدٌ يُخرج المتأخِّرين من المهاجرين كخالد بن الوليد رضي الله عنه، ولا يدخل فيهم أبناء المهاجرين ولا رجال الوفود إن لَم يبقوا في المدينة، حتى ولوأسلموا قبل الحُديبية.
والطائفةُ الثانية: هم الأنصار، ولا يدخل فيهم أبناء الأنصار (الأطفال) كما لا يدخل في المهاجرين أبناءُ المهاجرين.
الطائفة الثالثة: الذين اتَّبعوهم بإحسان، كالمهاجرين بعد الحُديبية والمهاجرين من وفود العرب مِمَّن ثبت على الإسلام أيَّام الرِّدَّة، ومنهم أبناءُ المهاجرين وأبناء الأنصار، وقد يدخل في هؤلاء مَن حسن إسلامه من طُلقاء قريش وعُتقاء ثقيف وغير هؤلاء.
إذن فالمهاجرون والأنصار لَم يشترط الله فيهم (الإحسان)؛ لأنَّ الهجرةَ والنُّصرةَ اللَّتين تقتضيان الإنفاقَ والجهادَ في أيَّام الضَّعف هما من أفضل الأعمال، ولا يحتاج هذا لقيد الإحسان، فلَم يقل: ( … من المهاجرين بإحسان والأنصار بإحسان)؛ لأنَّ الرَّجلَ إن قام بالهجرة التي تقتضي ترك الأوطان والأولاد هي غاية الإحسان، كما أنَّ النُّصرة التي أجلبت على الأنصار قبائل العرب، مع تحمُّلِهم مهمَّة حماية الإسلام في أيامه الأولى لا تحتاج لقيد الإحسان؛ لأنَّها في الذِّروة منه.
أما بعد قوَّة الإسلام والمسلمين فأصبحت الهجرةُ إلى النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – تعود على نفس المهاجر بالمصلحة بعد أن كانت قبل ذلك تعود على النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – بالمصلحة وعلى المهاجر أيضاً، أمَّا بعد فتح مكة فأصبح الالتحاق بالمسلمين يعني الغنيمة والسلامة لكثرة المال وأمن القتل.
ولهذا كلِّه نعرف لماذا قَصَرَ الله عزَّ وجلَّ الثناءَ على المهاجرين والأنصار فقط، ثمَّ قيد المهاجرين بالسابقين منهم، وهم المهاجرون الهجرة الشرعية!!)).
ويُجاب على ذلك بما يلي:
الأول: أنَّه ليس في الآيةِ دليلٌ على ما أُورِدَت الآية من أجله، وهوقصر الصُّحبة على المهاجرين والأنصار قبل الحُديبية، ثمَّ إنَّه جاء في سياق الآية عند المالكي زيادة حرف ((من)) قبل {تَحْتَهَا الأَنْهَارُ}، وهوخطأ، وهذا هوالموضع الوحيد في القرآن الذي لَم يأت فيه حرف ((من)) قبل {تَحْتَهَا الأَنْهَارُ}.
الثاني: جاء في الآية وصْف المهاجرين بالسابقين، وهويدلُّ على أنَّ المهاجرين فيهم سابقون وفيهم متأخِّرون، وقد ذكر ابنُ كثير في تفسيره عند تفسير هذه الآية قولين في المراد بالسَّابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار، أحدهما: أنَّهم الذين أدركوا بيعة الرِّضوان عام الحُديبية، والثاني: أنَّهم الذين صلَّوا إلى القبلتين مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وقدكان تحويل القبلةِ إلى الكعبة بعد الهجرة بستة عشر شهراً.
وعلى القول الأول يكون المهاجرون المتأخِّرون مَن هاجر بعد الحُديبية وقبل فتح مكة، ومِن هؤلاء خالد بن الوليد رضي الله عنه وغيره، وقد أخرجهم المالكي من الصحبة ذات المدح والثناء، وكذلك الهجرة ذات المدح والثناء.
الثالث: أنَّ الذين اتَّبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بإحسان ينقسمون إلى قسمين: القسم الأول: صحابة، وهم الذين صحبوا الرسول – صلى الله عليه وسلم – ورأوه.
والثاني: الذين لَم يَصحبوا النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – ولَم يرَوه، مِمَّن كان في زمنهم أوبعدهم.
ويحصلُ للجميع الأجرُ العظيمُ الموعود به في الآية.
الرابع: أنَّ ما ذكره عن المهاجرين بعد الحُديبية وقبل فتح مكة من أنَّ ((الهجرة تعود على نفس المهاجر بالمصلحة، بعد أن كانت قبل ذلك تعود على النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – بالمصلحة وعلى المهاجر أيضاً)) غير صحيح؛ فإنَّ المصلحة تعود بجهاد مَن جاهد منهم على النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – والمسلمين، ومن أوضح الأمثلة لذلك ما حصل لخالد بن الوليد رضي الله عنه من البلاء الحسن في الغزوات التي شهدها، ومنها غزوة مُؤْتة التي أمَّر نفسَه فيها بعد استشهاد الأمراء الثلاثة الذين عَيَّنَهم الرسول – صلى الله عليه وسلم -، وما حصل من الفتح للمسلمين في إمارته، فقد روى البخاري في صحيحه (4262) بإسناده عن أنس رضي الله عنه: ((أنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – نَعى زيداً وجعفراً وابنَ رواحة للناس قبل أن يأتيَهم خبرُهم، فقال: أخذ الرايةَ زيدٌ فأُصيب، ثمَّ أخذ جعفرٌ فأُصيب، ثمَّ أخذ ابنُ رواحة فأُصيب ـ وعيناه تذرفان ـ حتى أخذ الرايةَ سيفٌ من سيوف الله حتى فتح الله عليهم)).
وهذا السيف من سيوف الله لَم يظفر بشرف الصُّحبة لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – على رأي المالكي الباطل الذي قَصَر فيه الصُّحبة على المهاجرين والأنصار قبل الحُديبية.
ومن أوضَح الأمثلة أيضاً ثبوت العباس بن عبد المطلب وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ـ وهومن الطُّلقاء ـ مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حينما انهزم الناسُ يومَ حُنين، ففي صحيح مسلم (1775) من حديث العباس رضي الله عنه قال: ((شهدتُ مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يوم حنين، فلزمتُ أنا وأبوسفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – فلَم نفارِقه، ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – على بغلةٍ له بيضاء، أهداها له فروة بن نُفاثة الجذامي، فلمَّا التقى المسلمون والكفَّار ولَّى المسلمون مُدبرين، فطَفِق رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – يُركضُ بغْلَتَه قِبَل الكفَّار، قال عباس: وأنا آخذٌ بلجام بغلةِ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أكفُّها إرادةَ أن لا تُسرِع، وأبوسفيان آخذٌ برِكاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – … )) الحديث.
وهذان الصحابيان الجليلان عمُّه وابنُ عمِّه اللذان ثَبَتَا مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولَم يفِرَّا يوم حُنين وقد عادت مصلحةُ إسلامهما في هذه الغزوة على الرسول – صلى الله عليه وسلم -، لا يعتبرهما المالكي من الصحابة؛ لأنَّ إسلامهما بعد الحُديبية، وهويقصُر الصُّحبة على المهاجرين والأنصار قبل الحُديبية.
الخامس: أنَّ قولَه: ((أمَّا بعد فتح مكة فأصبح الالتحاق بالمسلمين يعني الغنيمة والسلامة؛ لكثرة المال وأمن القتل)) غيرُ صحيح؛ لأنَّ المجاهدَ في سبيل الله ليست سلامتُه من القتل مُحقَّقةً؛ فإنَّه قد يُقتل وقد يسلَم.
السادس: أمَّا ما ذكره من أنَّ أبناءَ المهاجرين لا يدخلون في المهاجرين، وأنَّ أبناءَ الأنصار لا يدخلون في الأنصار، وقد قصَر الصُّحبة على المهاجرين والأنصار، فمُقتضاه أنَّ أبناء المهاجرين والأنصار ليسوا من الصحابة، وسبق أن ذكرتُ أنَّ مَن رأى النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – من أبناء المهاجرين والأنصار فهومن الصحابة، بخلاف مَن لَم يرَه منهم.
* * *
استدلالُه بآيات سورة الحشر والرد عليه:
وقال في (ص:3. ـ 31): ((الدليل الثالث: وهومفسِّرٌ للدليل السَّابق، وهوقول الله عزَّ وجلَّ: {لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ الله وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}.
أقول: أيضاً في هذه الآية قَصَر الله عزَّ وجلَّ الثناءَ على المهاجرين والأنصار، وأخبرنا بعلاماتهم، ثمَّ فصَّل في الإحسان المشتَرَط فيمَن بعدهم بأنَّه ـ إضافة لصالح الأعمال ـ من علاماته الكبرى الدعاء للسابقين من المهاجرين والأنصار، وعدم التعرُّض لهم ببُغض أوسبٍّ.
{والَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} ليس المقصود منهم إلاَّ المهاجرين والأنصار فقط، كما تدلُّ عليه الآيات السابقة دلالة واضحة، ويقول البغوي في تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ} يعني التابعين، وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة. اهـ.
أقول: فهذا إقرارٌ من البغوي بأنَّ مَن بعد المهاجرين والأنصار يُسمون (التابعين)، يعنِي أنَّ الناسَ مِن خالد بن الوليد وعمروبن العاص، مروراً بمعاوية والوليد، وانتهاءً بنا في هذا العصر مأمورون بحبِّ المهاجرين والأنصار، الذين قام عليهم الإسلام حتى استوى، ومأمورون بالدعاء لهم والاستغفار لهم؛ لأنَّهم السببُ بعد الله ورسولِه في قيام هذا الدِّين، بل مَن أسلم بعد الحُديبية إلى فتح مكة مأمورون ابتداءً، ومَن بعدهم من باب الأولى)).
وعلَّق في الحاشية عند قوله: ((الدعاء للسابقين من المهاجرين والأنصار، وعدم التعرُّض لهم ببُغض أوسبٍّ)) بقوله: ((وهذا الإحسان لَم يفعله بعضُ الطُّلَقاء كمعاوية والوليد بن عُقبة وبُسر بن أبي أرطاة والذين حاربوا السابقين كعليٍّ وعمَّار والبدريِّين والرِّضوانيِّين الذين كانوا مع علي، بالإضافة إلى سبِّهم عليًّا على المنابر، وسَنِّ هذه السنة السيِّئة، إذن فالذين طعنوا في الصحابة هم أولئك الطُّلَقاء، وهم أوَّلُ من خالف الأمر الإلَهي بالاستغفار للذين سبقونا بالإيمان!!)).
وعلَّق في الحاشية أيضاً على قوله: (({والَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ} ليس المقصود منهم إلاَّ المهاجرين والأنصار فقط، كما تدلُّ عليه الآيات السابقة دلالة واضحة)) بقوله: ((وعلى هذا فلا حُجَّة للذين يستدلُّون بهذه الآيات على وجوب السكوت عن دراسة التاريخ وذِكر الظالمين بظلمِهم والعادلين بعدلِهم؛ حتى يعرفَ الناسُ موطنَ القُدوة والتأسِّي من السلف!!)).
ويُجاب عن استدلاله بما يلي:
الأول: أنَّ الآيات الثلاث في بيان مصارف الفيء، وهي مشتملةٌ على الثناء على المهاجرين والأنصار، ولا دليل فيها على ما أراده المالكي من قَصْر الصُّحبة على المهاجرين والأنصار قبل صُلح الحُديبية.
الثاني: أنَّ الآيةَ الثالثة في الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصارمن فتح مكة وما بعده، داعين لهم لسبقهم بالإيمان، وسائلين الله عزَّ وجلَّ سلامةَ قلوبهم من الغلِّ للذين آمنوا، وليس فيها خروجُ من أسلم بعد الحُديبية وقبل فتح مكة، كخالد بن الوليد وعمروبن العاص ونحوهما من وصْف الصُّحبة والهجرة، كما زعم المالكي.
الثالث: أنَّ ما جرى من خلاف بين بعض المهاجرين السابقين كعليٍّ رضي الله عنه وبين بعض مَن أسلموا عام الفتح أوقبله أوبعده لا يقتضي نَيل مَن بعدهم مِن أحدٍ منهم، بل الواجب مَحبَّة الجميع والثناء عليهم والدعاء لهم وإنزالهم منازلهم، وقد وُعدوا جميعاً بالحُسنى، وما كان في قلوبهم من غلٍّ إن بقي فإنَّ الله ينزعُه كما أخبر بذلك في كتابه العزيز بقوله في سورتي الأعراف والحِجر: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ}، وما أحسن ما قاله شارح الطحاوية: ((والفتنُ التي كانت في أيَّامه ـ يعنِي أميرَ المؤمنين عليًّا رضي الله عنه ـ قد صان الله عنها أيدينا، فنسألُ الله أن يَصون ألسِنَتنا بِمَنِّه وكرمِه)).
قال الشوكاني عند تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} قال بعد أن فسَّر الذين جاؤوا من بعدهم أي بعد المهاجرين والأنصار بأنَّهم التابعون لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، قال: ((أمرهم الله سبحانه بعد الاستغفار للمهاجرين والأنصار أن يطلبوا من الله سبحانه أن ينزع من قلوبهم الغِلَّ للذين آمنوا على الإطلاق، فيدخل في ذلك الصحابةُ دخولاً أوَّليًّا؛ لكونهم أشرفَ المؤمنين، ولكون السياق فيهم، فمَن لَم يستغفر للصحابة على العموم ويطلب رضوان الله لهم فقد خالف ما أمره الله به في هذه الآيةِ، فإن وَجَدَ في قلبِه غِلاًّ لهم فقد أصابه نَزْغٌ من الشيطان وحلَّ به نصيبٌ وافرٌ من عصيان الله بعداوة أوليائه وخِيرة أمَّة نبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم، وانفتح له بابٌ من الخذلان يَفِدُ به على نار جهنَّم إن لَم يتدارَك نفسَه باللُّجوء إلى الله سبحانه، والاستغاثة به بأن ينزع عن قلبه ما طَرَقَه مِن الغِلِّ لِخَيرِ القرون وأشرفِ هذه الأمَّة، فإن جاوز ما يَجده من الغِلِّ إلى شَتم أحد منهم فقد انقاد للشيطان بزمام، ووقع في غضب الله وسَخطِه، وهذا الدَّاءُ العُضال إنَّما يُصاب به مَن ابتُلي بِمُعلِّم من الرافضة أوصاحبٍ من أعداء خير الأمَّة الذين تلاعب بهم الشيطانُ وزيَّن لهم الأكاذيب المختلفة والأقاصيص المفتراة والخرافات الموضوعة، وصرَفَهم عن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مِن خلفه، وعن سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنقولة إلينا بروايات الأئمة الأكابر في كلِّ عصرٍ من العصور، فاشتروا الضَّلالةَ بالهُدى، واستبدلوا الخسران العظيم بالرِّبح الوافر، وما زال الشيطان الرجيم ينقلُهم من منزلة إلى منزلة،
ومن رُتبة إلى رتبة حتى صاروا أعداءَ كتاب الله وسُنَّة رسوله وخير أمَّته وصالِحي عباده وسائر المؤمنين، وأهملوا فرائض الله، وهجروا شعائر الدِّين، وسَعوا في كيد الإسلام
وأهله كلَّ السَّعي، ورَموا الدِّينَ وأهلَه بكلِّ حَجَرٍ ومَدَر، والله من ورائهم مُحيط)). اهـ.
الرابع: أمَّا ما أشار إليه حول دراسة التاريخ، فيُجاب عنه بأنَّ دراسةَ التاريخ لها حالتان:
الأولى: دراسة مع سلامة القلوب والألسنة في حقِّ جميع أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، تعتمد على تَمييز ما صحَّ من أخبار عنهم مِمَّا لَم يصحَّ، فيُطَّرح ما لَم يصحَّ، وما صحَّ فيُحمَلُ على أحسن المحامل، ويُحسَّن بهم الظنُّ، ويُدعى لهم ويُستغفرُ لهم، فهذه الدراسة محمودة.
والثانية: دراسةٌ خالية من سلامة القلوب والألسنة في حقِّ جميع الصحابة، تنبنِي على الغلوِّ في بعضٍ والجفاءِ في بعضٍ، وينتُج عنها إفسادُ النفوس وإيغارُ الصدور ومَلءُ القلوب بأمراض الشبُهات، وتعتمدُ على إظهار ما خبث من كلِّ ما جاء في التاريخ مِمَّا لَم يكن له خطام أوزِمام، فهذا النوع من الدراسة للتاريخ مذموم وحرام، ودراسة المالكي من هذا النَّوع المذموم، ويمكن معرفةُ حقيقة ذلك بالاطِّلاع على ما نقلته من كلامه ورددتُ عليه، ولا سيَما تشكيكه في أَحقيَّة أبي بكر بالخلافة، فقد جاء فيه أنَّ عليًّا رضي الله عنه لوكان موجوداً ـ أي في السقيفة ـ لَتَمَّ له الأمرُ، وذلك رجمٌ بالغيب، و((لو)) تفتح عمل الشيطان، وأيضاً جاء فيه وصْف الطريقة التي تَمَّت بها بيعة أبي بكر رضي الله عنه بأنَّها تُضعف شرعيَّة البيعة، وتَجعلُها أشبَه ما تكون بالقهر والغلبة، وخلافةُ الخلفاء الراشدين الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم على ترتيبهم مِمَّا أراده الله قَدَراً وشرعاً، فوقوع خلافتهم على هذا الترتيب دالٌّ على تقديره ذلك، وأنَّ الله قد شاءَه فوقع، ولَم يشأْ غيرَه فلَم يقع، ما شاء الله كان وما لَم يشأ لَم يكن، ويدلُّ لكونه مراداً شرعاً ما جاء في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه من قوله – صلى الله عليه وسلم -: (( … فإنَّه مَن يَعِش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسُنَّتِي وسُنَّة الخلفاء الراشدين من بعدي)) الحديث، رواه أبوداود والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: ((حديث حسن صحيح))، ويدلُّ له أيضاً حديثُ سفينة مولى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((خلافةُ النبوة ثلاثون سنة، ثمَّ يُؤتي الله المُلْكَ أومُلْكَه مَن يشاء)) رواه أبوداود (4646) وغيرُه، ونقل تصحيحَه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة (46.) عن تسعة من العلماء.
أمَّا الزعم بأنَّ الطريقةَ التي تَمَّت بها بيعة أبي بكر رضي الله عنه تُضعفُ شرعيَّة البيعة، وتجعلها أشبهَ ما تكون بالقهر والغلبة، فهوكلامٌ يُنادي على قائله بأنَّه في وادٍ، والسُّنةَ وأهلَها في وادٍ آخر، وسيأتي الرَّدُّ عليه عند ذِكر تشكيكه في أحقِّية أبي بكر بالخلافة.
ولكلِّ ساقطةٍ لاقطة، فهذه القراءة المزعومة من المالكي في كتب العقائد قد تلقَّفها ونشرها مركزٌ للدراسات التاريخية في دولة عربية، وقد اطَّلعتُ أخيراً على صورة منه، وهومن التعاون على الإثم والعدوان، فإنَّ نشرَ الباطل لا حدَّ لضرَرِه، كما أنَّ نشرَ الحقِّ لا حدَّ لنفعه؛ لقوله – صلى الله عليه وسلم -: ((مَن دعا إلى هُدى كان له من الأجر مثل أجور مَن تبِعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومَن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام مَن تبِعَه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (2674).
* * *
استدلاله بآية سورة الحديد والرد عليه:
وقال في (ص:31 ـ 32): ((الدليل الرابع: قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ الله وَللهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحُسْنَى وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
أقول: الغريب أنَّ بعضَ الناس يستدلُّ بهذه الآية على أنَّ كلَّ الصحابة في الجنَّة؛ لأنَّ الله قد وعد المتقدِّمين منهم والمتأخرين بالجنة، ووعدُه حقٌّ لن يُخلفه!
أقول: إمَّا أن تكون هذه الآية تشمل المهاجرين والأنصار {مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ}، وتفضلهم على من جاء بعدهم إلى فتح مكة فقط، ولا تشمل الطُّلَقاءَ ولا العُتقاء ولا غيرَهم مِمَّن لَم يُقاتِل ولَم ينفق في هذه الفترة؛ لأنَّ سورةَ الحديد نزلت قبل فتح مكة، وعلى هذا فلا يشملهم الثناء، ثمَّ هي مقيَّدةٌ بالإنفاق والقتال.
مثلما الثناء على المهاجرين والأنصار لا يشملنا، فكذلك الثناء على المسلمين من بعد الحُديبية إلى فتح مكة لا يشمل مَن أسلم في الفتح أوبعد ذلك، وإمَّا أن تكون الآيةُ شاملةً لهؤلاء ولنا من باب الأولى، لكن هناك شرط الإحسان الذي سبق في الآية السابقة، بمعنى أنَّ الله وعد بالجنَّة المهاجرين والأنصار والذين اتَّبعوهم بإحسان، أمَّا المتَّبعون بغير الإحسان فلا يُقال فيهم هذا.
والخلط بين الأمور هوالذي سبَّب لنا الخلل الكبير في الرؤية التعميمية التي خلطنا بها الطُّلَقاء مع السابقين، فلا بدَّ من وضع الأمور في مواضِعها الصحيحة)).
ويُجاب عن ذلك بما يلي:
الأول: أنَّ للعلماء في المراد بالفتح في هذه الآية قولين، ذكرهما ابن كثير والشوكاني:
أحدهما: أنَّه فتح مكة، وهوقول الجمهور.
والثاني: أنَّه صلح الحُديبية.
وعلى قول الجمهور فالآيةُ تدلُّ على تفضيل القتال والإنفاق مِمَّن كانوا قبل فتح مكة، على القتال والإنفاق مِمَّن كانوا بعد فتحها، وهومتَّفق مع ما جاءت به الأحاديث من استمرار الهجرة المحمود أهلها إلى فتح مكة، وهويردُّ قولَ المالكي في قصْر الصُّحبة والهجرة المحمود أهلها على مَن كانوا قبل صُلح الحُديبية.
وعلى القول بأنَّ المرادَ بالفتح صلح الحُديبية فليس هناك دليل يَمنعُ من دخول بقيَّة أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مِمَّن كان إسلامُهم وصُحبتُهم بعد الحُديبية إلى حين وفاته – صلى الله عليه وسلم – في الوعد الكريم الذي دلَّت عليه الآية، مع القطع بالتفاوت بين المتقدِّمين منهم والمتأخرين.
الثاني: أنَّه لا وجه لاستغراب المالكي الوعد لجميع الصحابة بالحُسنى وهي الجنَّة، ومِمَّن فسَّر {الحُسْنَى} في الآية بالجنَّة القرطبيُّ والشوكاني والشيخ عبد الرحمن بن سعدي في تفاسيرهم، وقدجاء في السُّنَّة تفسير {الحُسْنَى} في قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} بأنَّها الجنَّة، وذلك من حديث صُهيب رضي الله عنه عند الإمام مسلم (297 ـ 298).
فلماذا هذا الاستغراب، وفضلُ الله واسعٌ ورحمتُه وسعت كلَّ شيء؟!
وأسْعَدُ الناسِ بجنَّتِه ورحمتِه أصحابُ رسوله – صلى الله عليه وسلم – الذين هم خير هذه الأمَّة، التي هي خير أمَّة أُخرجت للناس، الذين اختارهم الله لِصُحبته، ومتَّع أبصارَهم في هذه الحياة الدنيا بالنظر إلى طلعته، ومتَّع أسماعَهم بسماع القرآن والسُّنَّة منه – صلى الله عليه وسلم – ونقلهما إلى الناس بعدهم، وهم الواسطة بين الرسول – صلى الله عليه وسلم – وبين غيرهم.
* * *
استدلاله بآية سورة الأنفال والرد عليه:
وقال في (ص:33 ـ 34): ((الدليل الخامس: قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِن وَلاَيَتِهِم مِن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِيثَاقٌ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.
أقول: هذه الآية من سورة الأنفال (72) فيها فوائد عظيمة:
الأولى: إثبات ولاية المهاجرين مع الأنصار فقط، وهذا ما يُفسِّرُه الحديث الشريف عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (المهاجرون والأنصار أولياء بعضهم لبعض، والطُّلَقاء من قريش والعُتقاء من ثقيف بعضُهم أولياء بعض إلى يوم القيامة)، والحديث فيه إخراج للطُّلقاء من المهاجرين والأنصار الذين هم أصحاب النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – فقط، كما في حديثٍ الآخر: (أنا وأصحابي حيِّز، والناس حيِّز)، قالها النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – يوم الفتح، وكلمة (أصحابي) في هذا الحديث الأخير كلمة مطلقةٌ فسَّرها الحديثُ المتقدِّم وقيَّدها بأنَّ المرادَ بها (المهاجرون والأنصار)، فتأمَّل لهذا التوافق والترابط؛ فإنَّك لن تجدَه في غير هذا المكان!
الفائدة الثانية: أنَّ الذين أسلموا ولَم يُهاجروا لا يستحقُّون من المسلمين في عهد النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – الولايةَ التي تعنِي النُّصرةَ والولاء، فإذا كان المسلمون قبل فتح مكة لا يستحقُّون النُّصرةَ ولا الولاء حتى يُهاجروا، فكيف بِمَن انتظر من الطُّلَقاء حتى قال النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم -: (لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيَّة).
فهؤلاء لَم يُدركوا فضلَ من لا يستحقُّ النُّصرة والولاية، فضلاً عن إدراكهم لفضل السابقين من المهاجرين والأنصار.
الثالثة: أنَّ المسلمين الذين لَم يُهاجِروا لا يجوز أن يُنصَروا على الكفَّار المعاهدين الذين معهم ميثاق مع المهاجرين والأنصار، وهذا الحكم يبيِّن الفرقَ الواسع بين مَن هاجر ومَن بقي مؤمناً في دياره، فكيف بِمَن لَم يؤمن إلاَّ عند إلغاء الهجرةِ الشرعية من مكة، وأسلم رغبة في الدنيا ورهبةً من السيف، حتى وإن حسُن إسلامه فيما بعد؟!!!)).
ويُجاب عن ذلك بما يلي:
الأول: أنَّ كونَ المهاجرين والأنصار بعضُهم أولياء بعض لا يدلُّ على نفي ولايتِهم عن غيرهم مِمَّن أسلموا بعد فتح مكة، فالكلُّ خيار المؤمنين، مع التفاوت الكبير بينهم في الإيمان، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}، وسيأتي لذلك زيادةُ بيان عند ذِكر حديث ((المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض)).
الثاني: أنَّ حديث ((المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض)) صحيح، وحديث ((الحيز)) ضعيف، وسيأتي بيان ذلك عند ذِكر الحديثين.
الثالث: أنَّ ما ذكره من كون المهاجرين والأنصار هم أصحاب النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – فقط قولٌ باطلٌ، وقد تكرَّر منه قصْر الصُّحبة على المهاجرين والأنصار قبل الحُديبية، وتكرَّر منِّي التنبيه على بطلان قوله بسبب تكراره.
الرابع: أنَّ الطُّلقاءَ وغيرَهم قد فاتتهم الهجرة، لكن لَم يفُتهم الجهاد والنيَّة، فقد أبلى كثيرٌ منهم في الجهادِ مع النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – بلاءً حسناً، وقوله: (إنَّ إسلامهم رغبة في الدنيا ورهبة من السيف) هومِن الظلم البيِّن، والظُّلمُ ظلمات يوم القيامة، لا سيما ما كان منه لأصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.
ولوحصل إسلام أحد منهم من أجل الدنيا فإنَّ الحالة تتغيَّر إلى خير؛ لقول أنس رضي الله عنه: ((إن كان الرَّجلُ لَيُسلِم ما يريد إلاَّ الدنيا، فما يُسلم حتى يكون الإسلامُ أحبَّ إليه من الدنيا وما عليها)) رواه مسلم في صحيحه (2312).
* * *
استدلاله بآية سورة الفتح والرد عليه:
وقال (ص:36 ـ 37): ((الدليل الثامن: قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ الله وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}.
أقول: لولا أنَّ بعضَ الناس يورد هذه الآية للدلالة على فضل مسلمة الفتح وأمثالهم لَما أوردتُها هنا، فالآية من سورة الفتح التي نزلت قبل فتح مكة، وعلى هذا فالثناء الذي فيها على (الذين مع النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم -) ينزل على المؤمنين يومئذ من المهاجرين والأنصار، ولا ينزل على مَن بعدهم، إضافةً إلى أنَّ المعيَّة تقتضي النُّصرةَ والتمكينَ أيَّام الحاجة والذُّلِّ والضَّعف)).
ويُجاب عن قوله هذا:
أنَّ الآيةَ عامَّةٌ في الصحابة، وليس فيها ذِكر المهاجرين والأنصار، لكن المالكي قصَرها عليهم، حرصاً على حِرمان مسلمة الفتح من تحصيل الفضلِ الوارد فيها، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {مَا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا}، وكون سورة الفتح ـ ومنها هذه الآية ـ نزلت قبل فتح مكة لا يدلُّ على قصْر ما فيها على مَن كان قبل نزول الآية، بل الحكم شاملٌ لكلِّ مَن كان معه إلى نهاية حياته – صلى الله عليه وسلم -.
ثمَّ إنَّ هذه الصفات للذين مع النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قد ذُكرت في التوارة والإنجيل، وهي لجميع الصحابة، فلا وجه لإخراج أحدٍ من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – منها، وحرف (من) في قوله عزَّ وجلَّ: {وَعَدَ الله الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} لبيان الجنس وليس للتبعيض، أي: كلّهم موعودون بالمغفرة والأجر العظيم، وهذا نظيرُ قول الله عزَّ وجلَّ: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، فإنَّ (من) للجنس وليست للتبعيض؛ فإنَّ العذابَ حاصلٌ لهم جميعاً.
* * *
استدلالُه بحديث: ((المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض)) والرد عليه:
قال في (ص:42 ـ 43): ((الدليل الثاني عشر: قول النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم -: (المهاجرون والأنصار أولياء بعضهم لبعض، والطُّلَقاء من قريش والعُتقاء من ثقيف بعضُهم أولياء بعض إلى يوم القيامة).
أقول: وهذا الحديث واضحٌ في أنَّ طُلَقاء قريش وعُتقاء ثقيف ليسوا من المهاجرين ولا من الأنصار، وعلى هذا فلا يستحقُّون الفضائلَ التي نزلت في فضل المهاجرين والأنصار، وعلى هذا لا يجوز لنا أن نخلط الأمورَ ونرفع مَن وَضعه الله أونضع مَن رفعه الله … !!)).
والجواب:
أنَّ الحديثَ صحيحٌ، وقد أوردتُه فيما تقدَّم في الأدلَّة الدَّالة على استمرار الهجرةِ المحمود أهلُها إلى فتح مكة، وليس إلى صُلح الحُديبية كما زعم المالكي، وهولا يدلُّ على أنَّ العُتقاء والطُّلَقاء ليسوا من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وإنَّما يدلُّ على التَّماثل والتشابه بين المهاجرين والأنصار، وبين الطُّلَقاء والعُتقاء، وليس فيهم مَن وَضعه الله كما زعم، بل كلُّهم قد رفعهم الله لِصُحبتِهم الرسول – صلى الله عليه وسلم -، مع تفاوتِهم في الرِّفعة.
وكون المهاجرين والأنصار بعضهم أولياء بعض لا يتنافى مع كون العُتقاء والطُّلَقاء بعضهم أولياء بعض؛ فإنَّ الصحابةَ جميعاً خيار المؤمنين، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: {وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} الآية، وقد قال ابن كثير في تفسيره في تفسير الآيات من آخر سورة الأنفال: ((ذكر تعالى أصنافَ المؤمنين، وقسمهم إلى مهاجرين خرجوا من ديارهم وأموالهم وجاؤوا لنصر الله ورسوله وإقامة دينه، وبذلوا أموالَهم وأنفسهم في ذلك، وإلى أنصار: وهم المسلمون من أهل المدينة إذ ذاك، آووا إخوانَهم المهاجرين في منازلِهم وواسَوهم في أموالِهم، ونَصَروا الله ورسولَه بالقتال معهم، فهؤلاء بعضهم أولياء بعض، أي: كلٌّ منهم أحقُّ بالآخر من كلِّ أحد، ولهذا آخى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بين المهاجرين والأنصار، كلّ اثنين أخوان، فكانوا يتوارثون بذلك إرثاً مقدَّماً على القرابة، حتى نسخ الله تعالى ذلك بالمواريث)).
* * *
استدلالُه بحديث: ((الناسُ حيِّز وأنا وأصحابي حيِّز)) والرد عليه:
قال في (ص: 4. ـ 42): ((الدليل الحادي عشر: حديث أبي سعيد الخدري: (لَمَّا كان يوم الفتح قرأ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم -: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله وَالفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ}، قال: الناس حَيِّز، وأنا وأصحابي حيِّز، فغضب مروان وأراد أن يضربَ أبا سعيد الخدري، فلمَّا رأى ذلك رافع بنُ خديج وزيد ابنُ ثابت قالا: صدق) ذكرتُه مختصراً)).
وقد علَّق عليه قائلاً: ((مسند الإمام أحمد (4/ 45) ـ دار الفكر، الحديث رواه الإمام أحمد، عن محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عَمروبن مُرَّة، عن أبي البَختري الطائي، عن أبي سعيد الخدري، وهذا إسنادٌ صحيح على شرط الشيخين، فالإمام أحمد وشيخه غندر وشعبة من كبار أئمَّة الحديث الثقات الأثبات، وعمروبن مرَّة شيخ شعبة ثقة عابد من رجال الجماعة، وأبوالبختري اسمه سعيد بن فيروز وهوثقة ثبت من رجال الجماعة وهويرسل، وقد أخرج الشيخان عنعنته في صحيحيهما، فالإسناد من أصحِّ الأسانيد، كلُّهم رجال الجماعة إلاَّ أحمد بن حنبل وهوثقة إمام!!!)).
وقال: ((فهذا الحديث فيه إخراج واضحٌ للطُّلَقاء الذين دخلوا في الإسلام من أصحاب النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – بأكثر من دلالة:
الدلالة الأولى: تلاوته – صلى الله عليه وسلم – لسورة النصر التي فيها ذكر (الناس) الذين يدخلون في دين الله أفواجاً، هؤلاء الناس المراد بهم الطُّلَقاء، ثمَّ أخبرنا النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – بأنَّ (الناس حَيِّز)، وهووأصحابه حيِّز آخر!! فماذا يعنِي هذا؟
هذا بكلِّ وضوح لا يعنِي إلاَّ أنَّ هؤلاء (الناس) لايدخلون في (الأصحاب) الذين فازوا بتلك (الصحبة الشرعية) التي تستحقُّ الثناء وتتنزَّل فيها كلُّ الثناءات على الصحابة، فإذا سمعنا بأيِّ حديث يُثنِي على (أصحاب النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم -) أوأيِّ أثرٍ من الصحابة خاصَّة يُثنِي على (أصحاب النَّبِيِّ)، فلا تنزل تلك الأحاديث والآثار إلاَّ على هؤلاء (الأصحاب) الذين فصلهم النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – عن سائر (الناس) من غيرهم، وأول الناس دخولاً في هؤلاء (الناس) هم الطُّلَقاء الذين أسلموا يوم فتح مكة، ولا يجوز أن نجمعَ بين (حيِّزين) قد فرَّق بينهما النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم -، ومَن تأكَّد له هذا ثمَّ أراد أن يجعل (الحيِّزين) حيِّزاً واحداً فقد اتَّهم النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – بعدم الإنصاف، مثلما اتَّهمه ذوالخُويصِرة يوم حُنين!! ونعوذ بالله أن نردَّ حديثَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أونُؤوِّلَه على غير مراده – صلى الله عليه وسلم -، ذلك المراد الذي يظهر بوضوح من لفظ الحديث الصريح.
الدلالة الثانية: غضبُ مروان بن الحكم الذي أراد أن يضرب أبا سعيد الخدري على رواية هذا الحديث؛ لأنَّ هذا الحديث يعنِي إخراج مروان ووالده ومعاوية ـ الذي يعمل له مروان ـ من الصحابة إلى (الناس) الذين ليس لهم ميزة عن سائر الناس!!
الدلالة الثالثة: فهمُ رافع بن خديج وزيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري، فالثلاثة عَرفوا أنَّ هذا سيُغضب مروان، ولكنَّهم صدَعوا بكلمة الحقِّ بعد أن كاد يُخفيها زيد ورافع، خوفاً على نفسيهما من مروان!!
شبهة: وقد يقول البعض أنَّهم (الناس) من الطُّلَقاء وغيرهم قد اكتسبوا الصحبة فيما بعد؟!
نقول: هم (الطُّلَقاء) والعتقاء أولياء بعضهم لبعض إلى يوم القيامة، وكلا الطائفتين لا تدخلان لا في المهاجرين ولا في الأنصار؛ لما سبق شرحه)).
ويُجاب عن ذلك بِما يلي:
الأول: أنَّ الحديثَ ضعيفٌ، والإسنادَ غيرُ صحيح فضلاً عن أن يكون من أصحِّ الأسانيد كما زعم المالكي؛ للانقطاع بين أبي البَختري وبين أبي سعيد، ففي تهذيب الكمال للمزي في ترجمة أبي البَختري سعيد بن فيروز: ((وقال أبوداود: لَم يسمع من أبي سعيد))، وقول أبي داود هذا هوفي سننه قال عقِب الحديث (رقم:1559): ((قال أبوداود: أبوالبَختَري لَم يسمع من أبي سعيد)).
وفي تهذيب التهذيب لابن حجر في ترجمة أبي البَختري: ((وقال ابن سعد: … وكان كثيرَ الحديث يرسل حديثَه، ويروي عن الصحابة ولَم يسمع من كثير أحد، فما كان من حديثه سَماعاً فهوحسن، وما كان غيره فهوضعيف، وقال ابن أبي حاتم في المراسيل عن أبيه: لَم يُدرك أبا
ذر ولا أبا سعيد ولا زيد بن ثابت ولا رافع بن خديج، وهوعن عائشة مرسل)).
الثاني: أنَّ ما ذكره من إخراج الشيخين عنعنة أبي البَختري في صحيحيهما غيرُ مُسلَّم؛ لأنَّهما لَم يُخرجَا له عن أبي سعيد شيئاً، وكلُّ الذي له في الكتب الستة من روايته عن أبي سعيد ثلاثة أحاديث، خرَّجها بعضُ أصحاب السنن، كما في تحفة الأشراف للمزي (3/ 356 ـ 357)، ولوصحَّ أنَّ الشيخين خرَّجَا له من روايته عن أبي سعيد بالعنعنة فإنَّ قبول ذلك يكون مُختَصًّا بما في الصحيحين لاشتراطهما الصِّحةَ فيهما، ولا تُقبل العنعنة في غيرهما إلاَّ مع ثبوت التصريح بالسماع، قال النووي في مقدمة شرحه على صحيح مسلم (1/ 33): ((واعلم أنَّ ما كان في الصحيحين عن المدلسين بـ (عن) ونحوها فمحمول على ثبوت السماع من جهة أخرى، وقد جاء كثيرٌ منه في الصحيح بالطريقين جميعاً، فيذكر رواية المدلس بـ (عن) ثمَّ يذكرها بالسماع ويقصد به هذا المعنى)).
الثالث: وقوله عن رجال الإسناد: ((كلُّهم رجال الجماعة إلاَّ أحمد بن حنبل وهوثقة إمام))، أقول: لا وجه لاستثناء الإمام أحمد؛ فإنَّه من رجال الجماعة.
الرابع: أنَّه لوصحَّ الحديث فإنَّه حجَّةٌ على المالكي؛ لأنَّه يدلُّ على أنَّ المهاجرين بعد الحُديبية وقبل الفتح من أصحاب النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم -، وهوخلاف ما زعمه في رأيه المبتَكر من أنَّ الصُّحبةَ المحمود أهلها مختصَّةٌ بالمهاجرين قبل صلح الحُديبية.
المصدر:
http://www.fnoor.com/main/articles.aspx?article_no=11650#.We9LodcjSM8
(شوهدت 65 مرة, و 1 اليوم)

شاهد أيضاً

شبهة أن أم المؤمنين عائشة تستقبل الرجال في غرفة نومها

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته كنت محتاج الرد الشبهة : لماذا كان الرجال ينامون عند …