الرئيسية / شبهات الالحاد / الرد على مسألة الشر التي يحتج بها الملاحدة

الرد على مسألة الشر التي يحتج بها الملاحدة

اصدار مرئي

و

معضلة الشر

يقول الملحد ” لو افترضتم أن هناك تصميم في الطبيعة، فهناك أيضًا شر وبلاء وإشكالات .”
الرد:
للتصميم أو بلغة السلف: الصنعة أو أثر الصانع، ثلاثة أركان:
الركن الأول: التنظيم organization وأحد اعترافات الملحد الشهير كارل ساغان أن مظاهر النظام في الكون لا تخفى.
الركن الثاني: التعقيد complexity ، فكلما زاد التعقيد كان دليلاً على التصميم، وهذا يُقر الملحد بوجوده أيضًا.
الركن الثالث: الغاية purpose وهو ركن النزاع بين الملحد والمؤمن.
ودليل الغاية يشير إليه الماديون بالوظيفية function هربًا من إلزامات دلالة الغاية.
هذه الأركان هي أحكام مُنتزعة من العالم المادي، أحكام معرفية. والشيء المادي يظل عديم المعنى حتى يتحول إلى معرفة، والمعرفة مفتقرة إلى كائن عاقل، إذن وعينا يتصل بطبيعة معرفتنا عن الموضوع المادي الذي سنعرفه قبل أن نعرفه، فهناك عالم الخبرة الواعية القائمة بذات الإنسان من حيث هو كائن مدرك؛ هذا العالم شيء إضافي مستقل وجوهري في إدراكنا للغاية وليس جوهريًا على الإطلاق بل وبلا معنى لو كنا أبناء المادة.

والعالم المادي يشتمل على متشابه ومُحكم، فكما أن في الكتاب المسطور ” متشابه قرآني تنزيلي” فإن في الوجود المادي المنظور متشابه تكويني عيني، فالأول في الآيات المتلوة والثاني في الآيات المشاهدة، والفرق بين الملحد والمؤمن أن الثاني يرد المتشابه إلى المحكم في الآيات المتلوة والمُشاهدة، والأول يرد المحكم إلى المتشابه، وهنا يتجلى البُعد النفسي في أعمق وأغمض مستوياته.
والقرآن لا ينفي وجود متشابهات بل يُثبتها، إنها موجودة في الآيات المتلوة والمُشاهدة، لكن أثرها بحسب إدراك الملاحظ وحظه من استخدام عقله والرجوع لبديهياته والتسليم لوجدانه وفطرته، فالذين في قلوبهم زيغ بغير سلطانٍ أتاهم يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، أما المقاومون لحظوظ ذواتهم فينجذبون للمحكم، ويطمئنون إليه ويقولون في المتشابه {كل من عند ربنا } ﴿٧﴾ سورة آل عمران.

فالعالَم سيظل مفتوحًا لتأويل غير إيماني وتأويل إيماني، يقول وليام دريز William Drees :” إن كان للصورة العلمية أن تتغير في المستقبل فإن كل نسخة جديدة ستتيح نفسها لقراءة دينية، ولكن أيضًا لقراءة إلحادية، إن الكون ذو دلالة دينية مزدوجة.”
Dress, W., Beyond the Big Bang Quantum Cosmologies and God, p.26.

وفلسفة الإلحاد ككل تقوم على إحالة المُحكم إلى المتشابه، فإذا قدّمت للملحد أدلة قاطعة على التصميم الدقيق لحظة الخلق الأولى والمعايرة الدقيقة للكون والشروط الأولية، فإن الملحد يحيلك إلى المتشابه ويخبرك عن انفجارات في قلب المجرات.
وأصل استشكالات الملحد مُركبة من افتراضات وخيالات، فهو يُحيل في العادة إلى ما لم نُحط بعلمه فصار إلحاده قائمًا على ثغرات وفجوات معرفية.
يقول ابن الوزير اليماني: ” فسبب الشك والكفر: هو النظر في المتشابهات، التي لم يحط البشر بها علمًا، ولا عرفوا تأويلها.” العواصم (1/214).

لكن فلسفة المؤمن تقوم على إحالة المتشابه إلى المحكم والتسليم بشواهد الإحكام والنظام، وشخصيات هذه الفئة هم الغالبية الساحقة من البشر عبر كل العصور وهو منهج البشر في الجملة.
يقول ابن القيم رحمه الله: ” وعسى أن يكون في ذَنب الدابة حكم آخر تقصر عنه أفهام الخلق، ويزدريه السامع إذا عُرض عليه، فإنه لا يعرف موقعه إلا في وقت الحاجة.”
مفتاح دار السعادة 2-669
ويقول في موضع آخر : ” ما حكمة هذا النبات المبثوث في الصحاري والقفار والجبال التي لا أنيس بها ولا ساكن، وتظن أنه فضلة لا حاجة إليه ولا فائدة من خلقه.”
ولما انتهى رحمه الله إلى ذلك التمس رد المتشابه إلى المحكم فقال: ” وهذا مقدار عقلك ونهاية علمك، فكم لباريه وخالقه فيه من حِكمة وآية من طعم أوحش وطير ودواب مساكنها حيث لا تراها تحت الأرض وفوقها، فذلك بمنزلة مائدة نصبها الله لهذه الطيور والدواب تتناول منها كفايتها ويبقى الباقي كما يبقى الرزق الواسع الفاضل عن الضيف لسعة رب الطعام وغناه التام وكثرة إنعامه.” المصدر السابق 2-649
ويقرر ابن الجوزي رحمه الله منطقية رد المتشابه إلى المحكم فيقول” ولو قيل للعقل: قد ثبت عندك حكمة الخالق بما بنى، أفيجوز أن يقدح في حكمته أنه نقض؟ لقال : لا؛ لأني عرفت بالبرهان أنه حكيم، وأنا أعجز عن إدراك علل حكمته، فأسلم على رغمي ، مقرًا بعجزي.”
صيد الخاطر، 79.
ويقول أيضًا: ” فأما من يقول : لم فعل كذا؟ وما معنى كذا؟ فإنه يطلب الإطلاع على سر الملك، وما يجد إلى ذلك سبيلاً، لوجهين: أحدهما: أن الله تعالى ستر كثيراً من حِكمه عن الخلق. والثاني: أن ليس في قوى البشر إدراك حِكم الله تعالى كلها فلا يبقى مع المعترض سوى الاعتراض المخرج إلى الكفر {من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ} ﴿١٥﴾ سورة الحج، والمعنى: مَن رضي بأفعالي، وإلا، فليخنق نفسه، فما أفعل إلا ما أريد.”
المصدر السابق، ص 368- 369
يقول ديكارت في كتابه التأملات: ” ليس لدي أدنى سبب يجعلني أتذمر من أن الله لم يمنحني قدرة أعظم على الفهم، أو أنه لم يهبني نورًا طبيعيًا أكثر مما وهب، فمن الطبيعي أن تظل هناك أشياء غير مفهومة بالنسبة لفهم محدود، ومن الطبيعي أن يظل الفهم المخلوق محدودًا، عوضًا عن هذا، يتوجب علي أن أشكر له أنه لم يجعلني مدينًا له بقدر كرمه عليّ، بدلاً من أن أظن به أنه أخفق في إعطائي، أو أنه أخذ مني تلك الأشياء التي لم يعطني إياها في الأصل.”
Descartes, R., Meditations and Other Metaohysical Writings, p.49.

وإضافةً إلى ما سبق وتكلمةً للفائدة في هذه النقطة-معضلة الشر- التي يُكثر الملحد الحديث حولها فإنني أقول أن: الشر والمتشابه هما أكبر دليل على وجود الله !
فالخير والشر موجودان وشاء الله وجودهمـا …. امتحانًا واختبارًا
{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء : 35] {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ] [الملك : 2] إذن الخير والشر موجودان لأننا في دار امتحان …
لكن لماذا نقول أن الشر أكبر دليل على وجود الله ؟
لأن الشر أصلاً غير مُستوعب وغير مُدرك، إذ لو كان الإنسان ابن الطبيعة أو ابن المادة، وتجري عليه قوانين الطبيعة الحتمية، فلن يدرك وجود الشر، ولن يستوعب ماهية الشر ولا معنى كلمة شر، فهل تُدرك أكثر الحيوانات تطورًا – طبقا للداروينية – معضلة الشر ؟
فاستيعاب الشر يعني أننا لسنا أبناء هذا العالم وأننا نبحث عن عالم كلي الخير وفي هذا الحُجة الأولى والأقوى للدين ..

فالإنسان لو كان ابن الطبيعة وتسري عليه قوانين الطبيعة فلن يوجد في الطبيعة شر ولا خير ولا قداسة ولا نجاسة، فالطبيعة حتمية تحكمها قوانين صارمة، عندنا حامض وقاعدي … نضيفهم في المعمل …. تكون النتيجة ملح وماء … لو تكررت هذه التجربة مليار مليار مرة لن تتغير … قوانين حتمية ..
الآن المحلد يقول لا لا لا ……. يمكن ان تكون النتيجة عسل أبيض وليس ملح وماء … ثم فجأة يكتشف العسل أنه المفترض أن يصير ملح وماء فيعرف خطأه الشديد ويندم ..!!
هذا هو السيناريو الذي يدعمه الملحد عند طرح فكر الشر والمفترض أن نُصدقه والمطلوب أن نُسايره .!!
مشكلة الربوبي والملحد أنهما يعترفان بوجود الشر، ووجود المتشابه، ويعترفان أن وجوده مُعضلة، ولا يملك تحليل معضلة الشر إلا الإطار الديني فهو الوحيد الذي يُقدم التفسير …

يقول المفكر الأيرلندي كليف لويس ” وقد كانت حُجتي ضد الله أن العالم بدا في منتهى القسوة والظلم .. ولكن كيف حصلت على مفهوم الظلم والعدل هذا ؟
إن المرء لا يصف خطاً بأنه غير مستقيم إلا إذا كانت لديه فكرة ما عن ماهية الخط المستقيم .. فبماذا كُنت أُقارن هذا العالم لما دعوته غير عادل ؟
وإذا كان العرض كله سيئًا وتافهًا من الألف إلى الياء إذا جاز التعبير، فلماذا وجدت أنا نفسي في ردة فعل عنيفة هكذا تُجاهه، مع أني من المفترض أن أكون جزءًا من العرض ؟
إن الإنسان يشعر بالبلل عندما يسقط في الماء، لأنه ليس حيوانًا مائيًا، أما السمكة فما كانت لتشعر بالبلل.
وكان من شأني طبعًا أن أتخلى عن مفهومي للعدل بمجمله بقولي إنه ليس شيئًا سوى فكرة خاصة من بنات أفكاري، ولكن لو فعلت ذلك لانهارت أيضًا حجتي ضد الله، لأن رُكن تلك الحجة كان القول بأن العالم غير عادل فعلاً وليس فقط أنه لم يصدف أن يُرضي ميولي .
وهكذا ففي محاولتي إثبات عدم وجود الله، تبين لي في ذلك الفعل ذاته حقيقة وجوده، لأن الإنسان بإنكاره وجود العدل في فعلٍ ما يُرغم على التسليم بوجود مفهوم العدالة، وبناءًا على ذلك يتبين أن الإلحاد ساذج جدًا.
ولو كان الكون كله عديم المعنى لما كان قد تبين لنا إطلاقًا أنه عديم المعنى .
فالوضع شبيه تمامًا بهذا : لو لم يكن في العالم نور، ولم تكن في العالم مخلوقات لها أعين لما كُنا نعرف قطعًا أن الظُلمة مسيطرة ولكانت الظُلمة كلمة عديمة المعنى ..”
إذن الشر هو أكبر دليل على أننا لسنـا أبناء هذا العالم… وأن المقدمة الدينية هي الوحيدة التي تملك التفسير والمعنى والقيمة..!!

(شوهدت 147 مرة, و 1 اليوم)

شاهد أيضاً

هل اسقطت مفارقات زينون أو زنون أو زيون بحسب ما قرأتها في عدة صفحات ” حجة المؤمن في استحالة التسلسل في اللانهاية”

السؤال السلام عليكم أخي الكريم عندما طرحت مسألة إستحالة التسلسل اللانهائي على أحد الملاحدة قال …