عدم إدراك كيفية الشيء لا يبرر إنكار وجوده !



تخيل معي أنّك خرجت من غرفتك وهي على أعلى ما يمكن من الفوضى ، وأغلقت الباب جيداً بعد خروجك ، بحيث تعلمُ يقيناً أنه لن يستطيع أحد الدخول بعدك ، بعد ساعةٍ عُدت إليها ، فوجدتَ الغرفة قد رُتبت على أحسن ما يكون  .. رجعتَ إلى الوراء مندهشاً ، ثم توجهتَ إلى إخوتك لتحكي لهم ما رأيت ، فقال لك أحدهم : ” إذا لم يفعل هذا أحد من البشر ، إذن هو بلا سبب ! ” وقال الآخر : ” بل لا بد له من سبب ، وهذا السبب إما أن يكون من البشر ، ودخوله للغرفة ثم خروجه منها كان [بخرق للقوانين الفيزيائية] ، وإما أن يكون من [غير البشر] ممن لديه قدرات على فعل هذا  “
أيهم أكثر منطقية ؟ 

بلا شك .. صاحب القول الثاني هو الأكثر منطقية ، ومن هذا المثال تعلم أن التوقف في إثبات وجود الخالق تبارك وتعالى أو إنكاره ليس ناشئاً من حكم العقل بــ [ إمكان وجود الأشياء وإتقانها من غير سبب ]  ، بل هي عند غالب الملحدين – إن لم يكن كلهم – ناشئة عن خلطهم بين التعقل والتصور ، فهم لما لم يكن بمقدورهم تصور (حقيقة) تلك الذات المغايرة لذوات المخلوقات ، أطلقوا رصاصة الرحمة على العقلِ وفقدوا – بفقده – تعقّل وجودها !

فهناك إذن فرق بين إدراك [معنى] الذات الأزلية المتصفة بالكمال المطلق ثم [ الحكم] بوجودها اعتماداً على مقدمات عقلية وحسية معاً ، وبين إدراك [ حقيقتها ] في الواقع ؛ ففي المثال السابق يحكم العقل بضرورة (وجود) سببٍ متصفٍ بصفات لولاها لم يكن بمقدوره أن يحدث التغير الحاصل في الغرفة – وبالتالي لن يحصل التغير – مع أننا نجهل تمام الجهل (كيفية) تلك الذات ، وكيفية مباشرتها لذلك الفعل  ، ومن نازع في ضرورة السبب لأنه يجهل كيفية كل ذلك حكمنا بمخالفته لسبيل العقلاء ؛ لأن الحكم بوجودها لا يتوقف على إدراك كنهها وكيفيتها !
وأذكر أنني حين أوردت المثال على أحدهم قال : ( أنت تفترض افتراضاً غير معقول ثم تحاكمني إليه ! )
غير معقول !! إذن أنا وأنت نتفق على ضرورة وجود سبب كافٍ يُفسر وجود الحادث ، وما قولك هذا إلا حكم ضمني باستحالة حصول – أو حدوث – الترتيب المفترض للغرفة بلا سبب يعلم ما يفعل ، أما وقد حصل ؟! فلِمَ لا تقول هذا فيما نشاهده من ترتيب وإحكام في الذرة وحتى المجرة ؟!



رابط المقال الأصلي: عدم إدراك كيفية الشيء لا يبرر إنكار وجوده !