خاطرة حول ضرورة إدراك الواقع للحكم على أي قول يحتمل الصدق أو الكذب لذاته

إن من أهم ما يقوم عليه المجتمع البشري هو وجود التواصل بين أفراده ، وهذا التواصل يكون بلغة تُسهّل عليهم نقلَ معارفهم بينهم البين ، وإلى المجتمعات الأخرى  ؛ فاللغات إذن وسيلة لإيصال ما يقوم في ذهن الإنسان من معانٍ ، وكل الجمل اللغوية التي نستعملها يمكن أن تنقسم إلى جمل تقبل أن نصفها بالصدق أو الكذب لذاتها [ وهذه تُسمّى : الجُمَل الخبرية ]  ، وجُمَلٍ لا تقبل ذلك [ واسمها الجُمَل الإنشائية ] ، فخذ مثلاً هذه الجُمَل وبَين ما هو قابل لوصف الصدق أو الكذب لذاته : 
أ‌) مكتشف قانون الجاذبية هو نيوتن . 
ب‌) ابن تيمية وُلد عام ٦٦١ هـ  . 
ت‌) كم الساعة ؟ 
ث‌) يا ليت الشباب يعود يوماً ! 
ج‌) ذاكر دروسك . 
ح‌) لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد . 
ستجد أن الجملة الأولى والثانية جُملتان خبريتان – أي يصح وصفهما بالصدق أو الكذب لذاتهما – بينما الجُمَل الأخرى جُمَل إنشائية لا توصف بالصدق أو الكذب . 
والجُمل الخبرية احتملت الصدق أو الكذب لكونها حكاية عن الواقع ، وتلك الحكاية إما أن تكون مطابقة للواقع فتكون صدقاً ، وإما أن تكون مخالفة له فتكون كذباً . 
فالحكم إذن على صدق المتكلّم أو كذبه متوقف على العلم بالواقع ، ومعنى العلم بالواقع أي أنّك تدرك ثبوت الشيء أو انتفاءه ، فمثلاً في الجمل السابقة لو كان ابن تيمية مولود في عام ٦٦١ هـ بالفعل كانت الجملة صادقة ، أما لو كانت ولادته قبل أو بعد كانت الجملة كاذبة ؛ لأنها غير مطابقة ، وكذا لو لم يكن مكتشف قانون الجاذبية هو نيوتن كانت الجملة كاذبة ، فالحكم بصدق أو كذب جملة خبرية ما متوقف على مطابقتها للواقع من عدمه ، وإدراك التطابق من عدمه موقوف على إدراك الواقع  ، ولولا معرفة الواقع لم يكن بالمقدور الحكم على أي قول بالصدق أو الكذب  . 
وأي شخصٍ يريد التحاور معك ومناقشتك فإنه يعترف اعترافاً ضمنياً بأمرين اثنين لا معنى لأي حديث معه إن لم يسلّم بها  : 
الأمر الأول / وجود العالم الخارجي المستقل عن أذهاننا ، بمعنى : أن هناك أشياء موجودة مستقلة عن إدراكنا (علمنا) . 
الأمر الثاني / كثير من هذه الأشياء بمقدورنا أن نتوصل إلى معرفتها . 
وطُرق إدراك الواقع ( العالم الخارجي) يمكن إجماله في ثلاثة : 
الطريق الأول : الحس ، فحين ترى الشمس بازغة تدرك أنها بالفعل بازغة . 
الطريق الثاني : العقل ، والعقل طريقٌ لإدراك ما لا تراه مباشرة ، وذلك من خلال مشاهدة آثاره ، كأن تعلم وجود الطارق بمجرد صوت الطَرْق . 
الطريق الثالث : الخبر ، كعامةِ الدراسات التي يجريها نخبة من العلماء في المختبر لاستكشاف لقاح يقي من مرضٍ ما ، فغالب – إن لم يكن كل – من يتم إعطاؤه هذا اللقاح يستند في كون هذا اللقاح واقياً من هذا المرض إلى خبر هؤلاء النخبة ، وغاية ما يفعله المستفيدون من هذا اللقاح حين يتم تشكيكهم بفاعليته هو الاحتكام إلى خبر الأطباء لا الدخول في غِمار المختبرات ! 
واعلم – وفقك الله – أنه يستحيل وجود من لا يعتمد على هذه الطرق الثلاثة في تكوين معارفه ، ولو ادّعى خلافَ هذا كذّبه واقعه – شاء أم أبى –  !!



رابط المقال الأصلي: خاطرة حول ضرورة إدراك الواقع للحكم على أي قول يحتمل الصدق أو الكذب لذاته