الرد علي القرآنيين

تحت راية السنة

قال الله تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} وقال تعالى:{وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}

منذ أن بعث الله محمدًا صلي الله عليه وسلم قبل أكثر من أربعة عشر قرناً ،والحقد اليهودي والصليبي لم يَكُف عن حرب هذا الدين وعن محاولة إلهاء أهله بالدعوات الإلحادية ،التي يتولاها عنهم في غالب الأمر وكلاء من جلدتنا ويتسمون بأسمائنا ؛يتخفون تحت دعاوى وأسماء مزخرفة ومنمقة وقد يتباكون – أحيانا – على الإسلام وأهله.

فتارة يَدَّعُون الدِّفاع عن آل البيت ،وحينًا عن القرآن ،وحينًا آخر عن الحرية ،والدعوة إلى التجديد إلى آخر تلك الدعاوى.

ولكن من عجيب ما يُرى ويُسمع من المتناقضات أن يَتَسمى المرء بنقيض ما يعتقد ويعمل؛وهو وإن كان من أقبح القبح إلا أنه يزداد قبحًا؛ إذا عُلِمَ أن صاحبه قد سرق هذا الفكر الشائن ممن سبقه من المستشرقين أمثال: جولد زيهر وشبرنجر ، ودوزي ، ماكدونالد….وغيرهم من أئمة الكفر من الرافضة والملاحدة؛فهم مع ضلالهم أقلّ وأحقر من أن يكونوا أصحاب فكر وإن كان باطلاً.
والسبب في شَنِّ المنافقين حربًا بالوكالة عن أعداء الأمة ضد الإسلام ، هو تجارب الأعداء المريرة مع المسلمين ،والتي تفيد أنه لا طاقة لهم بالمسلمين ، ما ظلوا متمسكين بكتابهم وسنة نبيهم الأكرم.

فدفعتهم تلك الخبرة ؛ لاتخاذ سلاح التشكيك والضرب في الثوابت ،وقد دققوا في اختيار الوكلاء ؛ليقوموا بالمهمة من غير أن يثيروا الناس عليهم؛ حتى راجت بضاعتهم الماكرة الخبيثة عند ضعاف العقول ؛ فكانت ثمرتها المرة تلك الأوضاع التي يحياها المسلمون.

ومن هؤلاء الوكلاء من يتسمون كذبا وزورا بالقرآنيين ،الذين قصدوا إلى الطعن في القرآن والدين كله بالطعن في السنة المشرفة على صاحبها الصلاة والسلام.

إن هذه الطائفة الضالة المسماة “القرآنيين” يتزعمها المدعو: أحمد صبحي منصور ذو التوجهات المشبوهة ،والذي يعيش في الولايات المتحدة! ويلقي محاضرات في بعض الجامعات وينشر مقالاته على شبكة الإنترنت ،وهو أحد أقطاب مركز “ابن خلدون” المشبوه أيضًا، والذي أسسه المصري- الأميركي سعد الدين إبراهيم! وكان منصور مدرسًا في جامعة الأزهر ،وفصل منها في ثمانينيات القرن الماضي ؛بسبب توجهاته وإنكاره للسنة النبوية.
والحق أن حُجيّة السنة ضرورة عقلية شرعية،لا ينكرها إلا من به آفة في عقله وقلبه وأدلة حجيتها من الشرع الحنيف أكثر من أن تحصر في تلك العجالة، وكتب أهل العلم في القديم والحديث المتناولة لتلك المسألة والمفندة لدعاوى المبطلين كثيرة،وما قصدناه هو إظهار بعض تلك الأدلة لتكون للمؤمنين وللمتحيرين ؛كالمصل الواقي من وباء تلك الطائفة وصدق القائل:
نَزَعوا بِسهمِ قطيعةٍ يهفو به رِيشُ العقوقِ فَكَانَ غيَر سَديدِ
وَإِذَا أَرَادَ الهُي نشرَ فَضِيلَةٍ طُوِيَتْ أَتَاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُودِ
لَولا اشْتِعَالُ النَّارِ فِيمَا جَاورت مَا كَان يُعْرَفُ طِيبُ عُرْفِ العُودِ

قال العلامة السعدي في تفسيره عند قوله تعالى:{وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ}: إن من جملة إحقاقه تعالى الحق، أن يُقَيِّضَ له الباطل ليقاومه، فإذا قاومه، صال عليه الحقّ ببراهينه وبيناته، فظهر من نوره وهداه ما به يضمحل الباطل وينقمع، ويتبين بطلانه لكل أحد، ويظهر الحق كل الظهور لكل أحد”.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن أعظم أسباب ظهور الإيمان والدين وبيان حقيقة أنباء المرسلين ظهور المعارضين لهم من أهل الإفك المبين
كما قال تعالى: { وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } سورة الأنعام الآيات (112 – 115 )

ذلك أن الحقَّ إذا جُحِدَ وعُورِضَ بالشبهات أقام الله تعالى له مما يحق به الحق ويبطل به الباطل من الآيات البينات ؛بما يظهره من أدلة الحق وبراهينه الواضحة وفساد ما عارضه من الحجج الداحضة .

والدين الباطل إذا جادل عنه المجادل ورام أن يقيم عوده المائل أقام الله تبارك وتعالى من يقدف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق وتبين أن صاحبه الأحمق كاذب مارق وظهر فيه من القبح والفساد والحلول والاتحاد والتناقض والإلحاد والكفر والضلال والجهل والمحال ما يظهر به لعموم الرجال أن أهله من أضل الضلال حتى يظهر فيه من الفساد ما لم يكن يعرفه أكثر العباد ويتنبه بذلك من سنة الرقاد من كان لا يميز الغي من الرشاد ويحيى بالعلم والإيمان من كان ميت القلب لا يعرف معروف الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين”. اهـ. باختصار
أما الأدلة القرآنية القاضية بطاعة الرسول واتباع سنته فمنها:
– قوله الله تعالى 🙁 مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) [النساء:80] فجعل الله تعالى طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من طاعته، ثم قرن طاعته بطاعة رسوله ، قال تعالى : ( يـا أيّها الّذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول ) .
– ومنها قوله تعالى : ( فليحذر الّذين يُخالفون عن أمرِهِ أَنْ تصيبهم فتنة أو يصيبُهم عـذاب ألـيم) فقد حذر الله عز وجل من مخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وتوعد من عصاه بالخلود في النار.
– ومنها قوله تعالى: ( فلا وربك لا يؤمنون حتّى يحكمُّوك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مـمّا قضيت ويسلموا تسليماً ) . جعل الله تعالى تحكيم الكتاب والسنة من شروط الإيمان وأن مخالفته كفر بالله تعالى.
– ومنها قوله تعالى : ( يا أيّـُها الّذين أمنوا استجيبوا لله وللرّسول إذا دعاكم لما يُحييكم ..) . أمر سبحانه وتعالى عباده بالاستجابة لله والرسول ولا يكون ذلك إلا باتباع سنته.
– ومنها قوله تعالى: (فإن تنازعتم في شيءٍ فردّوُه إلى الله والرّسول ) والرد إلى الرسول في حياته وبعد مماته لا يكون إلا بالرجوع لسنته.
– قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى }[لنجم:3-4] وهي من أوضح الأدلة القرآنية على أن السنة من جملة ما أوحي به إلى النبي_صلى الله عليه وسلم.
وقد تمسك من يُسمُّون أنفسهم بالقرآنيين ببعض الشبهات ظنًا منهم صلاحها للاستدلال على باطلهم المبني على الاستغناء بالقرآن عن السنة؛ فاحتجوا ببعض الشبهات:
الشبهة الأولى: استدلوا بقوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام:38]
والجواب: أنه ليس المراد بالكتاب في هذه الآية الكريمة القرآن ،وإنما المقصود بها اللوح المحفوظ؛ بدليل قوله تعالى في نفس الآية: (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم، ما فرطنا في الكتاب من شيء، ثم إلى ربهم يحشرون) ]الأنعام:8 ] فلا يقول عاقل أن القرآن قد أُنزل لتنظيم حياة الطير كما نظمها للبشر!! ، وإنما الذي حوى كل شيء للطير والبشر ، هو اللوح المحفوظ المدون فيه ما كان وما سيكون من علم الله تعالى،
ولو سلمنا أن المقصود بالكتاب في الآية الكريمة القرآن، فإن الله تعالى قد جعله تبيانًا لكل شيء، ولم يفرط فيه من شيء، ومن بين ما لم يفرط في بيانه حجية السنة ، ووجوب اتباعها والعمل بها والرجوع لها والتحاكم إليها قال الله تعالى: { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }، وقال تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) [النجم: 3-4] وقد وبخ الله تعالى قوماً يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض؛ فقال جل وعلا: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:85].. وقد حذَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم من الأخذ بالقرآن دون السنة، فقد روى الإمام أحمد وأصحاب السنن بإسناد صحيح عن المقدام بن معد يكرب الكندي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم):( أوتيت الكتاب ومثله ألا يوشك شبعان على أريكته يقول عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه. (وفي رواية: (ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله تعالى).
فالقرآن جامع دون تفريط لكل القواعد الكبرى للشريعة التي تنظم للناس شؤون دينهم ودنياهم ، والسنة النبوية هي المبينة لجزئياتها وتفاصيلها ، والمبينة للناس طريق الحياة، والبيان يكون على نوعين :
الأول : بيان اللفظ ونظمه وهو تبليغ القرآن وعدم كتمانه وأداؤه إلى الأمة كما أنزله الله تعالى على قلبه؛ وهو المراد من قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } [ المائدة : 67 ] وقوله (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ
الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل 44 ].

الثاني : بيان معنى اللفظ أو الجملة أو الآية الذي تحتاج الأمة إلى بيانه، وأكثر ما يكون ذلك في الآيات المجملة أو العامة أو المطلقة ، فتأتي السنة فتوضح المجمل وتخصص العام وتقيد المطلق ؛فالسنة شارحة ومفصلة للقرآن، فالعمل بما جاءت به السنة عمل بالقرآن انطلاقا من قوله تعالى : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا }[ الحشر : 7 ].
والبيان يكون بقوله صلى الله عليه وسلم وفعله وإقراره، فمن زعم الاكتفاء بالقرآن لم يمكنه أداء الصلاة ولا إخراج الزكاة ولا الحج ولا كثير من العبادات ،التي ورد تفصيلها في السنة، فأين يجد المسلم في القرآن أن صلاة الصبح ركعتان، وأن الظهر والعصر والعشاء أربع، والمغرب ثلاث؟ !وهل يجد في القرآن كيفية أداء هذه الصلوات، وبيان مواقيتها؟.
وهل يجد في القرآن أنصبة الذهب والفضة وبهيمة الأنعام والخارج من الأرض، وهل يجد بيان القدر الواجب إخراجه في ذلك؟!
وهل يجد المسلم في القرآن كفارة الجماع في نهار رمضان، أو حكم صدقة الفطر والقدر الواجب فيها؟!
وهل يجد المسلم تفاصيل أحكام الحج من الطواف سبعاً وصفته وصفة السعي، ورمي الجمار والمبيت بمنى؟ إلى غير ذلك من أحكام الحج؟!
وأيضًا قد استقلت السنة بمشروعية بعض العبادات كزكاة الفطر، والختان والوضوء من أكل لحم الإبل، أو الوضوء من النوم، والغسل من التقاء الختانين ولو بغير إنزال، وإسلام الكافر، والتسبيع والتتريب في غسل نجاسة الكلب، إلى غير ذلك مما استقلت السنة بمشروعيته.
وأيضًا استقلالها بتحريم بعض الأمور، ومن ذلك تحريم لبس الرجل للذهب والحرير، ونكاح المتعة،وأكل الحمر الأهلية وأكل كل ذي ناب من السباع أو مخلب من الطير، وتحريم بيع المسلم على بيع أخيه ،وخطبته على خطبة أخيه، وتحريم التفاضل في الأصناف الستة، والأمثلة على ذلك كثيرة لمن تتبع أبواب الفقه.

وبهذا يُعْلَم قطعاً أنه لا يمكن لأحد أن يكتفي بالقرآن ؛ثم يظلُّ على زعمه أنه من مسلم!! قال الإمام أبو محمد بن حزم رحمه الله ” ولو أن امرأً قال : لا نأخذ إلا ما وجدنا في القرآن ؛لكان كافرًا بإجماع الأمة ،ولكان لا يلزمه إلا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل وأخرى عند الفجر ” اهـ . ( الأحكام 2 / 208).
وقال الإمام الشاطبي رحمه الله : ” الاقتصار على الكتاب رأي قوم لا خلاق لهم خارجين عن السنة ، إذ عولوا على ما بنيت عليه من أن الكتاب فيه بيان كل شيء فاطَّرحوا أحكام السنة ؛ فأداهم ذلك إلى الانخلاع من الجماعة وتأويل القرآن على غير ما أنزل الله ” اهـ . ( الموافقات 3 / 17 ) . وقال الإمام السيوطي رحمه الله : ” من أنكر كون حديث النبي صلى الله عليه وسلم قولاً كان أو فعلاً – بشرطه المعروف في الأصول – حجة كفر وخرج من دائرة الإسلام ” اهـ ( مفتاح الجنة / 3 ) . وقال العلامة الشيخ عبد الغني عبد الخالق : ” وليت شعري كيف يتصور أن يكون نزاع في مسألة بين المسلمين ، وأن يأتي رجل في رأسه عقل ويقول : أنا مسلم ثم ينازع في حجية السنة بجملتها ،مع أن ذلك يترتب عليه عدم اعترافه بالدين الإسلامي كله من أوله إلى آخره ، فإن أساس هذا الدين هو الكتاب ، ولا يمكن القول بأنه كلام الله مع إنكار حجية السنة جملة ، فإن كونه كلام الله لم يثبت إلا بقول الرسول : أن هذا كلام الله وكتابه ، وقول الرسول هذا من السنة التي يزعم أنها ليست بحجة ، فهل هذا إلا إلحاد وزندقة وإنكار للضروري من الدين ، يقصد به تقويض الدين من أساسه ” اهـ ( حجية السنة / 249 ، 250 ) . وقال الإمام الشافعي رحمه الله : ولا أعلم من الصحابة ولا من التابعين أحدا أُخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قبل خبره ، وانتهى إليه ، وأثبت ذلك سنة .. وصنع ذلك الذين بعد التابعين ، والذين لقيناهم ، كلهم يثبت الأخبار ويجعلها سنة ، يحمد من تبعها ، ويعاب من خالفها ، فمن فارق هذا المذهب كان عندنا مفارقًا سبيل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل العلم بعدهم إلى اليوم ، وكان من أهل الجهالة
– الشبهة الثانية:استدلوا بقوله تعالى : [ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ]
وليس معنى الآية كما ظنوا استقلال الكتاب في بيان كل شيء، كما يزعمون وإلا فعليهم أن يبينوا لنا كيف نجد في القرآن تفصيل العبادات التي نقوم بها!! وقد اتفقت أقوال علماء التفسير وغيرهم على نقيض دعواهم، ومن ذلك قول الأوزاعي: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ) أي: بالسنة وقال ابن الجوزي في زاد المسير: ” فقال العلماء بالمعاني: لكل شيء من أمور الدين، إما بالنص عليه، أو بالإحالة على ما يوجب العلم مثل بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إجماع المسلمين “. وقال الجصاص في أحكام القرآن: ” يعني به – والله أعلم – تبيان كل شيء من أمور الدين بالنص والدلالة، فما من حادثة جليلة ولا دقيقة إلا ولله فيها حكم قد بينه في الكتاب: نصًا، أو دليلا فما بينه النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنما صدر عن الكتاب بقوله تعالى (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)24 وقوله تعالى (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله)، وقوله: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)25 فما بينه الرسول فهو عن الله عز وجل، وهو من تبيان الكتاب له لأمر الله إيانا بطاعته، واتباع أمره، وما حصل عليه الإجماع فمصدره أيضا الكتاب ؛ لأن الكتاب دلَّ على صحة حجة الإجماع وإنهم لا يجتمعون على ضلال ” وقال الإمام الشوكاني في فتح القدير: ” ومعنى كونه تبيانًا لكل شئ أن فيه البيان للكثير من الأحكام، والإحالة فيما بقى منها على السنة، وأمرهم باتباع رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يأتي به من الأحكام، وطاعته ؛ كما في الآيات القرآنية الدالة على ذلك، وقد صحَّ عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: “إني أوتيت القرآن ومثله معه ”
– الشبهة الثالثة: أن السنة لو كانت حجة لتكفَّل الله بحفظها ؛كما تكفَّل بحفظ القرآن قال تعالى : [ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ]
والجواب: أنه قد أجمع المسلمون المتقدمون منهم و المتأخرون على أن السنة حجة في الدين، ودليل من أدلة الأحكام الشرعية التي تثبت بها الأحكام العملية، بل حفظ القرآن الكريم متوقف على حفظ السنة، لأنها الشارحة والمبينة له، وحفظ المُبيَّن يستلزم حفظ البيان للترابط بينهما .
وقد ذكرنا في الجواب على الشبهة السابقة أن في القرآن الكريم أوامر ونواهي مجملة قد بينتها السنة المطهرة، فإذا كان بيانه عليه الصلاة والسلام لذلك المجمل غير محفوظ ، فقد بَطُلَ الانتفاع بنص القرآن، فيؤدي لطرح الشريعة وهو ما يريده أعداء السنة وهيهات هيهات فإن الله سبحانه هو الذي تكفَّل بحفظ الدين الإسلامي الخاتم ،ولم يوكله لأحد من خلقه وهو السر في حفظ السنة المشرفة وفق منهج فريد وسأفرد مقالة مستقلة لبيان عظم هذا المنهج ،وأنه يستحيل أن يكون جهدًا بشريًا؛ وإنما هو من ثمرة حفظ الله لهذا الدين.( )
وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الله حفظ السنة كما حفظ القرآن، وأن لفظ: (الذِّكْرَ) في قوله تعالى): (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون) }الحجر:9]. يشمل القرآن والسنة، لأن الله سمى السنة ذكراً في قوله: ( [وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل:44].
فليحذر هؤلاء أن يكونوا خصماء لمحمد صلى الله عليه وسلم، بردهم لسنته واعتراضهم عليها.

نستكمل إيراد أهم الشبهات مع إيراد الردود عليها:-
الشبهة الثالثة: أن السنة لو كانت حجة لتكفَّل الله بحفظها ؛كما تكفَّل بحفظ القرآن قال تعالى : [ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ]

والجواب: أنه قد أجمع المسلمون المتقدمون منهم و المتأخرون على أن السنة حجة في الدين، ودليل من أدلة الأحكام الشرعية التي تثبت بها الأحكام العملية، بل حفظ القرآن الكريم متوقف على حفظ السنة، لأنها الشارحة والمبينة له، وحفظ المُبيَّن يستلزم حفظ البيان للترابط بينهما .
وقد ذكرنا في الجواب على الشبهة السابقة أن في القرآن الكريم أوامر ونواهي مجملة قد بينتها السنة المطهرة، فإذا كان بيانه عليه الصلاة والسلام لذلك المجمل غير محفوظ ، فقد بَطُلَ الانتفاع بنص القرآن، فيؤدي لطرح الشريعة وهو ما يريده أعداء السنة وهيهات هيهات فإن الله سبحانه هو الذي تكفَّل بحفظ الدين الإسلامي الخاتم ،ولم يوكله لأحد من خلقه وهو السر في حفظ السنة المشرفة وفق منهج فريد وسأفرد مقالة مستقلة لبيان عظم هذا المنهج ،وأنه يستحيل أن يكون جهدًا بشريًا؛ وإنما هو من ثمرة حفظ الله لهذا الدين.
وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الله حفظ السنة كما حفظ القرآن، وأن لفظ: (الذِّكْرَ) في قوله تعالى): (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون) }الحجر:9]. يشمل القرآن والسنة، لأن الله سمى السنة ذكراً في قوله: ( [وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل:44].فليحذر هؤلاء أن يكونوا خصماء لمحمد صلى الله عليه وسلم، بردهم لسنته واعتراضهم عليها.( – الشبهة الرابعة : قالوا قد ورد في بعض الأحاديث الأمر بعرض السنة النبوية على القرآن الكريم منها حديث: “ما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله” وحديث (إن الحديث سيفشو عنِّي ، فما أتاكم يوافق القرآن فهو عنِّي ، وما أتاكم يخالف القرآن فليس عنِّي ) – وكان الواجب على من ينكر الاحتجاج بأحاديث البخاري ومسلم وغيرها من الأحاديث الصحيحة؛ أن يستحي من الاحتجاج بمثل هذه الأسانيد المجمع على عدم ثبوتها ،وهم بذلك يخالفون أصلهم الباطل في الاكتفاء بالقرآن، ثم يحتجون بالحديث، وهم لا يرون الاحتجاج به أصلًا! وأحاديث العرض على كتاب الله ، كلها ضعيفة لا يصحّ التمسك بشيء منها وقد بَيَّن ذلك ابن حزم ، و البيهقي ، و السيوطي ، وقال الشافعي في الرسالة : ” ما روَى هذا أحدٌ يثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير ، وإنما هي رواية منقطعة عن رجل مجهول ونحن لا نقبل هذه الرواية في شيء ” ونقل ابن عبد البر في جامعه عن عبد الرحمن بن مهدي قوله : ” الزنادقة والخوارج وضعوا هذا الحديث “. ثم قال : “وهذه الألفاظ لا تصح عنه – صلى الله عليه وسلم – عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه ” .بل إن الحديث نفسه يعود على نفسه بالبطلان ، فلو عرضناه على كتاب الله لوجدناه مخالفاً له ، فلا يوجد في كتاب الله أن حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لا يقبل منه إلا ما وافق الكتاب ، بل إننا نجد في القرآن إطلاق التأسي به – صلى الله عليه وسلم – ، والأمر بطاعته ، والتحذير من مخالفة أمره على كل حال ، فرجع الحديث على نفسه بالبطلان .ومما يدل على بطلانه كذلك معارضته الصريحة للحديث الصحيح: ( لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه ، فيقول : لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه ) رواه أبو داود بإسناد صحيح.وعلى التسليم بصحة الخبر فليس المراد منه أن ما يصدر عن النبي – صلى الله عليه وسلم نوعان : منه ما يوافق الكتاب فهذا يُعمل به ، ومنه ما يخالفه فهذا يُردُّ ، بل لا يمكن أن يقول بذلك مسلم ، لأن في ذلك اتهاماً للرسول عليه الصلاة والسلام بأنه يمكن أن يصدر عنه ما يخالف القرآن ، وكيف لمؤمن أن يقول ذلك وقد ائتمنه الله على وحيه ودينه وقال له : {قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي }(يونس 15) .فالرسول عليه الصلاة والسلام معصوم من أن يصدر عنه ما يخالف القرآن ، ولا يمكن أن يوجد خبر صحيح ثابت عنه مخالفٌ لما في القرآن .فيكون معنى الحديث إذا افترضنا جدلاً ثبوته: إذا رُوِي لكم حديث فاشتبه عليكم هل هو من قولي أو لا فاعرضوه على كتاب الله ، فإن خالفه فردُّوه فإنه ليس من قولي” ، وهذا هو نفسه الذي يقوله أهل العلم عندما يتكلمون على علامات الوضع في الحديث ، فإنهم يذكرون من تلك العلامات أن يكون الحديث مخالفاً لمحكمات الكتاب .وعندما نقول : إن السنة الصحيحة لابدَّ وأن تكون موافقة للقرآن غير مخالفة له ، فلا يلزم أن تكون هذه الموافقة موافقة تفصيلية في كل شيء ، فقد تكون الموافقة على جهة الإجمال ، فحين تبين السنة حكماً أجمله القرآن ، أو توضِّح مُشْكِلاً ، أو تخصص عامَّاً ، أو تقييد مطلقاً ، أو غير ذلك من أوجه البيان ، فهذا البيان في الحقيقة موافق لما في القرآن ، غير مخالف له .بل حتى الأحكام الجديدة التي أثبتتها السنة ودلَّت عليها استقلالاً ، هي أيضاً أحكام لا تخالف القرآن ، لأن القرآن سكت عنها على جهة التفصيل ، وإن كان قد أشار إليها وتعرض لها على جهة الإجمال حين قال : {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا }( الحشر 7).

الشبهة الخامسة :
قالوا: إن كثرة الوضاعين للحديث أضعفت الثقة بالسنة الشريفة وليعلم أن هذه مقولة عدد كبير من الزنادقة والمنحرفين في القديم والحديث وممن قال بهذا في العصر الحديث (صالح أبو بكر )في كتاب “الأضواء القرآنية” و(حسين أحمد أمين) في كتاب “دليل المسلم الحزين” و(أحمد أمين) في كتاب “فجر الإسلام” و(عبد الله النعيم) في كتاب “نحو تطوير التشريع الإسلامي” ، و(سعيد العشماوي) في كتاب “حقيقة الحجاب” ، و(صالح الورداني) في كتاب “الخدعة رحلتي من السنة إلى الشيعة” ، و(عبد الجواد ياسين) في كتاب “السلطة في الإسلام” ، و(نصر أبو زيد) في كتاب “الإمام الشافعي “، و(زكريا عباس داود) في كتاب “تأملات في الحديث” ، و(حولة نهر) في كتاب “دراسات محمدية” ، و(موريس بوكاي) في كتاب “دراسة الكتب المقدسة” ، و(مرتضى العسكر) في كتاب “خمسون ومائة صحابي مختلق” ، والدكتور (مصطفى محمود) في مقالاته عن الشفاعة

والجواب عن تلك الشبهة المتهافتة: أن علامات الوضع لا تخفى على أهل هذا الشأن ؛كما قيل لعبد الله بن المبارك: هذه الأحاديث الموضوعة؟! قال يعيش لها الجهابذة، وقال الدار قطني يوماً : (( يا أهل بغداد ! لا يظنن أحدكم أنه يقدر أن يكذب على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – – وأنا حي )) وقال الإمام الذهبي في تذكرة الحفاظ للذهبي 1/273 “إن هارون الرشيد لما أخذ زنديقاً فأمر بضرب عنقه ؛فقال له الزنديق : لَم تضرب عنقي ؟ قال : لأريح العباد منك ، فقال : يا أمير المؤمنين أين أنت من ألف حديث – وفي رواية أربعة آلاف حديث – وضعتها فيكم ، أحرم فيها الحلال ، وأحلل فيها الحرام ، ما قال النبي منها حرفاً ؟ فقال له هارون الرشيد : أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك ؟ فإنهما ينخلانها نخلاً فيخرجانها حرفاً حرفا”

فمن حفظ الله لدينه ولسنة نبيه أن قيض لهذه الأمة عدداً وفيرًا من أئمة الجرح والتعديل ومن الرواة الثقات المتقنين العدول، الذين أحاطوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بسياج قوي يعسر على الأفاكين اختراقه ، واستطاع هؤلاء المحدِّثون بسعة اطلاعهم ، ونفاذ بصيرتهم أن يعرفوا الوضَّاعين ، وأن يقفوا على نواياهم ودوافعهم ، وأن يضعوا أيديهم على كل ما نُسِبَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سبيل الوضع والكذب ؛فهؤلاء الوضاعون لم يُتْرَك لهم الحبل على الغارب – كما يظن الضالون – يعبثون في الحديث النبوي كما يشاءون ، ولم يترك لهم المجال لأن يندسوا بين رواة الأحاديث النبوية الثقات العدول دون أن يُعرَفوا، ووضعوا أمارات للحديث الموضوع يعرف بها منها ما ذكره ابن الجوزي حيث قال: إذا رأيت الحديث يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع”.

وقال السيوطي في “تدريب الراوي”: ومعنى مناقضته للأصول: أن يكون خارجًا عن دواوين الإسلام من المسانيد والكتب المشهورة”، قال الحافظ ابن رجب الحنبلي: معرفة أئمة الحديث الجهابذة النُّقَّاد ، الذين كَثُرت ممارستهم لكلام النَّبيِّ – صلى الله عليه وسلم – ، وكلام غيره ، ولحال رُواةِ الأحاديث ، ونَقَلَةِ الأخبار ، ومعرفتهم بصدقهم وكذبهم وحفظهم وضبطهم ، فإنَّ هؤلاء لهم نقدٌ خاصٌّ في الحديث يختصون بمعرفته ، كما يختصُّ الصيرفي الحاذق بمعرفة النُّقود ، جيِّدِها ورديئها ، وخالصها ومشوبِها ، والجوهري الحاذق في معرفة الجوهر بانتقاد الجواهر ، وكلٌّ من هؤلاء لا يمكنُ أنْ يُعبِّرَ عن سبب معرفته ، ولا يُقيم عليه دليلاً لغيره ، وآيةُ ذلك أنَّه يُعرَضُ الحديثُ الواحدُ على جماعة ممن يعلم هذا العلم ، فيتَّفقونَ على الجواب فيه مِنْ غير مواطأة .

وقد امتحن هذا منهم غيرَ مرَّةٍ في زمن أبي زُرعة وأبي حاتم ، فوُجِدَ الأمرُ على ذلك ، فقال السائل : أشهدُ أنَّ هذا العلم إلهامٌ . قال الأعمش : كان إبراهيم النَّخعي صيرفياً في الحديث ، كنت أسمعُ مِنَ الرِّجالِ ، فأعرض عليه ما سمعته وقال عمرو بن قيس : ينبغي لصاحب الحديث أنْ يكونَ مثل الصيرفيّ الذي ينتقد الدراهم ، فإنَّ الدراهم فيها الزائفَ والبَهْرَجَ وكذلك الحديث ،وقال الأوزاعي : كنا نسمع الحديث فنَعرِضُهُ على أصحابنا كما نَعرِضُ الدرهم الزَّائف على الصيارفة ، فما عرفوا أخذنا ، وما أنكروا تركنا.

وقيل لعبد الرحمن بن مهدي : إنَّك تقولُ للشيء : هذا صحيح وهذا لم يثبت ، فعمن تقولُ ذلك ؟ فقال : أرأيتَ لو أتيتَ الناقد فأريتَه دراهمك ، فقال : هذا جيد ، وهذا بهرَجٌ أكنت تسأله عمن ذلك ؟!، أو كنت تسلم الأمر إليه ؟ قال : لا ، بل كنت أسلمُ الأمر إليه ، قال : فهذا كذلك لطول المجالسة والمناظرة والخُبْرة به. وقد روي نحو هذا المعنى عن الإمام أحمد أيضاً ، وأنَّه قيل له : يا أبا عبد الله تقولُ : هذا الحديث منكر ، فكيف علمتَ ولم تكتب الحديث كلَّه ؟ قال : مثلنا كمثل ناقدِ العين لم تقع بيده العَيْنُ كلُّها ، وإذا وقع بيده الدينارُ يعلم أنَّه جيدٌ ، وأنَّه رديء . وقال ابنُ مهدي : معرفة الحديث إلهام. وقال : إنكارُنا الحديث عند الجهال كهانةٌ.

وقال أبو حاتم الرازي: مَثَلُ معرفة الحديث كمثل فصٍّ ثمنه مئة دينار ، وآخر مثله على لونه ، ثمنُه عشرة دراهم ، قال : وكما لا يتهيأ للناقدِ أنْ يُخبر بسبب نقده ، فكذلك نحن رُزقنا علماً لا يتهيأُ لنا أنْ نُخبِر كيف علمنا بأنَّ هذا حديثٌ كذِبٌ ، وأنَّ هذا حديثٌ مُنكرٌ إلا بما نعرفه ، قال : وتُعرَفُ جودةُ الدينارِ بالقياسِ إلى غيره ، فإنْ تخلف عنه في الحمرة والصَّفاء علم أنَّه مغشوش ، ويُعلم جنسُ الجوهر بالقياس إلى غيره ، فإنْ خالفه في المائيَّة والصَّلابة ، علم أنَّه زجاج ، ويُعلَمُ صحةُ الحديث بعدالة ناقليه وأنْ يكون كلاماً يصلح مثلُه أنْ يكون كلامَ النبوّة ، ويُعرف سُقمه وإنكاره بتفرُّد من لم تصحَّ عدالته بروايته ، والله”. من جامع العلوم والحكم.

وقد حصر العلماء أحاديث الوضاعين وصنفوا لها مصنفات مستقلة مثل : الموضوعات لابن الجوزي، واللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة للسُّيوطي، وتنزيه الشريعة المرفوعة للكناني، وكشف الخفاء ومزيل الالباس عما اشتهر من الاحاديث على ألسنة الناس للعجلوني، والفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني وغيرها كثير. قال الإمام أبو المظفر بن السمعاني كما في مختصر الصواعق المرسلة: « فإن قالوا : قد كثرت الآثار في أيدي الناس واختلطت عليهم ، قلنا : ما اختلطت إلا على الجاهلين بها ، فأما العلماء بها فإنهم ينتقدونها انتقاد الجهابذة الدراهمَ ، والدنانيرَ ، فيميزون زيوفها ويأخذون خيارها ، ولئن دخل في أغمار الرواة من وسم بالغلط في الأحاديث ؛فلا يروج ذلك على جهابذة أصحاب الحديث ، ورواته العلماء حتى إنهم عدُّوا أغاليط من غلط في الإسناد والمتون ، بل تراهم يعدون على كل واحد منهم كم في حديث غلط ، وفي كل حرف حرَّف ، وماذا صحَّف ، فإن لم تَرُجْ عليهم أغاليط الرواة في الأسانيد والمتون ؛فكيف يروج عليهم وضع الزنادقة ، وتوليهم الأحاديث التي يرويها الناس حتى خفيت على أهلها ؟ وهو قول بعض الملاحدة ، وما يقول هذا إلا جاهل ضال مبتدع كذاب يريد أن يهجِّن بهذه الدَّعوة الكاذبة صحاح أحاديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وآثاره الصادقة ، فيغالط جهال الناس بهذه الدعوى ، وما احتج مبتدع في رد آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجة أوهن ولا أشد استحالة من هذه الحجة ؛ فصاحب هذه الدعوى يستحق أن يُسَفَّ في فِيهِ ، ويُنفى من بلد الإسلام

المصدر:

http://www.hurras.org/vb/archive/index.php/t-16860.html

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *