إما مخالفة واقع الناس أو الإيمان بصدق النبي ﷺ !

اللون الأحمر عبارة عن عناوين جانبية لا تفصل بين ما قبلها وما بعدها

-الكذاب إما يكذب على الخالق أو المخلوق :

الكذاب إما أنه يكذب على الخالق كأن يقول : [الله أرسلني] ، أو [ بعثني إليكم بشيراً ونذيراً ] مع أن الله لم يفعل . وإما أنه يكذب على المخلوق كأن يقول : [فلانٌ فعل كذا أو قال كذا ] أو [ فلان أوصاني بكذا وأمركم بكذا] ومدّعي النبوة كذباً هو في الحقيقة يكذب على الخالق تبارك وتعالى ، والكذب على الخالق أعظم من الكذب على المخلوق .

– كل من كذب على الخالق فهو كاذب على المخلوق :
ومن تجرأ على الكذب البيّن في حق الخالق هان عليه الكذب في حق المخلوقين ولم يتورع في ذلك أبداً ، وعليه : فمن الممكن أن نقول : كل من كذب على الخالق فمن باب أولى أن يكذب على المخلوق فيما تتضمنه دعوى النبوة ، وفي أمور الدنيا ، ومن كان هذا حاله لم يَخفَ على الناس كذبه في الأمور المعتادة فضلاً عن الأمور التي لا يتجرأ على الكذب فيها إلا أكذب الناس وأكذب.

كذب النبي ﷺ – حاشاه – يستلزم جرأته على الكذب في تعاملاته مع الناس ومن ادّعى خلاف ذلك وقع في التناقض :
فمن ادّعى أن النبي محمد ﷺ كاذب – حاشاه – في دعوى النبوة ، ثم يدّعي أنه لم يكذب على أهل زمانه في غير دعوى النبوة سواءً ما تتضمنه الدعوى من أخبار أو الأمور الدنيوية فكأنه يقول : النبي محمد ﷺ كَذَب على الخالق ٢٣ سنة ، ولكنّه في الوقت نفسه يحذر من الكذب على المخلوقين في تعاملاته معهم ، وهذا جمع بين النفيضين .

بل لا يمكن لشخصٍ أن يكذب على الخالق إلا وهو كاذب على المخلوق ؛ فحين يقول : الله أرسلني إليكم ، فهو أولاً يكذب على الله تعالى ، وثانياً يكذب على المخلوقين ويحكي لهم شيئاً لم يقع ، فمدّعي الرسالة إذاً يكذب على الخالق والمخلوق في آن واحد ، ومن تجرأ على الكذب على الخالق والمخلوق في أعظم دعوى على الإطلاق فهو من أكذب الناس بلا شك ، وكما أنه لا يخفى على أحط الناس عقلاً أنه من أكذب الناس ، فلا يمكن أن يُدّعى أنه يحذر الكذب على الناس ؛ لأن ترك الكذب هو الذي يميّز الصادق من الكاذب ، وحين يُدّعى أن من كذب على الخالق والمخلوق في آن واحد يحذر الإخبار بخلاف الواقع( الكذب ) في تعاملاته مع الناس هو في الحقيقة قد ردم العتبة الفاصلة بين الصادق والكاذب ، وحينئذٍ لا يمكن التفريق بينهما ، وهذا بلا شك مُخالفٌ للعقل والواقع .

– لو كان النبي ﷺ كاذب – حاشاه – لم يخفَ على أهل زمانه : 
فإذا علمت أن من استحق وصف الكذب لا يحذر الكذب ، وأن أحق الناس بهذا الوصف من ادّعى النبوة كذباً ، فاعلم أن النبي ﷺ لو كان كاذباً – حاشاه – فلن يخفى ذلك على أهل مكةَ وقد عاش بينهم ٥٣ سنة ، و١٠ سنوات عند غيرهم.
– علمهم بكذبه يستلزم علم من بعدهم بذلك ، ومن بعدهم كذلك وصولاً إلينا : 
ولو كان لديهم دليل واحد على كذبه لذاع وانتشر بين العرب قاطبةً – خصوصاً وأنه قضى غالب سني بعثته لا يدفع الأذى عن نفسه فضلاً عن كتم ما يعلمه عنه قبائل العرب – ولَكانَ المشتهر عنه بينهم ولمن بعدهم من الأجيال وصف الكذب لا وصف النبوة . 
– لماذا علم أهل زمانه بكذبه يستلزم علم من بعدهم ؟
إذ الدواعي لنقل ذلك أعظم من دواعي نقل اشتغال أحمد بن حنبل بالمنطق والفلسفة لو كان كذلك ، وأعظم من دواعي نقل كون المتنبي له مذهب فقهي متبوع ، بل لو أن الأجيال التي بعدنا ، قيل لهم : أن شخصاً اسمه دونالد درامب كان يؤم المصلين بالمسجد النبوي – قدّسه الله عن أمثاله – وله دروس في أروقة الحرم يشرح فيها نزهة النظر لابن حجر ، والرسالة التدمرية ، وكتاب التوحيد لابن خزيمة ، ورياض الصالحين للنووي ، وألفية ابن مالك ، لما كان للعقلاء إلا أن يقولوا : كذبت ؛ إذ لو كان الأمر كما تقول لذاع وانتشر ؛ إذ الدواعي لحمل تلك الأخبار عظيمة جداً ، كذلك يُقال فيمن ادّعى أن النبي محمد ﷺ معروف بالكذب بين قومه ؛ لأن دواعي نقل كذبه أعظم من دواعي نقل ما ذكرناه عن دونالد ترامب ؛ لأن النبي ﷺ من أعظم ما دعا إليه العربَ هو أن يحكموا بضلال وجهل آبائهم الذين ماتوا وأجدادهم حتى أنه ميّز عصرهم بوصف الجاهلية ، وجعل عدم قبولهم لما جاء به أو مخالفتهم لبعض ما جاء به نزوح منهم إلى الجاهلية عصر أجدادهم ، وبعبارة أخرى : جعل مخالفتهم لما جاء به من التشبّه بأجدادهم ، والتشبّه بأجدادهم – فيما خالفهم به – عارٌ وقبح لا يتخلصون منه إلا باتباعهم إياه وترك ما ورثوه عنهم .
– لا مصلحة في اتباع الكاذب الذي يلزم الناس بواحد مما ألزم به النبي ﷺ أهل زمانه فضلاً عن بقية ما ألزمهم به :

تماماً كما لو خرج شخصٌ (الآن) وقال للناس أنا نبي مع كونه لا يملك دليلاً على صدقه[ لا حظ أنني أقول لا يملك دليلاً ولم أقل يعلمون كذبه ] ويجب عليكم أن تتركوا ما ورثتموه عن آبائكم ؛ لأنه جهل وضلال ، بل غالب ما كان عليه آباؤكم هو الجهل والضلال ، ولذا فإني أجعل نفسي فاصلاً بين حقبتين :

الحقبة الأولى : حقبة الجهل باعتبار ما كان عليه غالب الناس من جهل وضلال ، ونهاية هذه الحقبة فور ادّعائي النبوة وتمتد إلى الوراء فتشمل كل من مات من آبائكم وأجدادكم قبل مجيئي .

الحقبة الثانية : حُقبة الحق والعلم ، وهي تمتد من حين ادّعائي النبوة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، ولولا مجيئي إليكم فإنكم ضلّال وجهلة كآبائكم وأجدادكم ، وكل من خالفني الآن فقد خالف الحق والعلم، وصار مشابهاً لمن عاش ومات في حقبة الجهل والضلال التي تشمل كل من عاش فيها .

هل بعد هذا كلّه يُقال : قد يتبعونه مع جهلهم بحاله ويُنقل للأجيال القادمة أنه نبيٌ فعلاً ؟!
هذا الافتراض ينطلق من أن الناس يهون عليهم وصم آبائهم وأجدادهم بالضلال والغواية والجهل (حتى يصير هذا الأمر ظاهرة اجتماعية يتناقلها الناس ولا يأنفون من تردادها) لا لشيء إلا بسبب رجلٍ ادّعى النبوة ثم ألزمهم بذلك إلزام قول ولسان لا قوة وسنان !

وهذا لا يقول به إلا من جهل عادة الناس ، فمن عَلِمَ واقع الناس وعادتهم أدرك استحالة هذا الأمر في العادة، بل لو جاز ذلك في حق من ادّعى النبوة كذباً لوجب على الناس كلّها اتّباعه لا لثبوت النبوة فيه بل لذكائه ودهائه ؛ لأنه استطاع أن يقلب غالب الناس على آبائهم وأجدادهم وما ورثوه، وهذا ما لا يستطيعه القادة والملوك وحكّام الدول !

فالنبي محمد ﷺ من جملة أوامره التي ألزم بها العرب هذا الأمر ، وكفى به دليلاً على نفرتهم منه لو علموا كذبه وافتراءه ، فكيف إذا علمت أنه ألزمهم بأشياء تشق على من علم أنه نبي صدقاً فضلاً عمّن علم كذبه وضلاله – حاشاه – ؟!

فالعرب اليوم يدركون أن أجدادهم العرب قبل مجيء النبي ﷺ قد بلغوا أحط المستويات البشرية حتى اشتق لهم من الجهل اسماً ، وصار أحدهم إذا أراد أن يذم مجتمعاً ما أسقط عليه ذلك الاسم ، ولولا الصحابة لم يُدرك العرب بعدهم وصولاً إلينا انحطاط من لم يدرك منهم النبي ﷺ أو أدركوه وأعرضوا عنه ، وأيضاً من الأمور التي نقلها لنا الصحابة هو اعترافهم بأنهم لولاه – أي : النبي ﷺ – لكانوا في الضلال والغواية مع آبائهم وأجدادهم .

فهل يُعقل بعد هذا أن يُقال : كانوا يعلمون كذبه ولكن آثروا نسبة كل قبيح إلى من لم يدرك الكاذبَ من آبائهم وأجدادهم ، أو إلى مَن أدركه مِن أهلهم وأقاربهم وأحبابهم ولم يتبعه لا لشيء إلا لأنهم خالفوا ما جاء به هذا الكاذب ؟!

ومعلومٌ أن العرب أكثر تعصباً لآبائهم وأجدادهم ، ولا يحملهم على ذلك – أعني الرضوخ لما ألزمهم به النبي ﷺ – إلا ما قهرهم به من الدلائل والبراهين ، وليت شعري هل من يزعم أن النبي ﷺ كاذب – حاشاه – أعلم به ممن عاصره وشاهده والتزم ما يشق على من يعرف صدقه( كما حال كثيرٍ من المسلمين اليوم )فضلاً عمن علم كذبه ؟!

– عدم جزم أهل زمانه بنبوته يقتضي عدم التزامهم بما ألزمهم به :

وعلى فرضِ أنهم لم يتيقنوا صدقه وصار عندهم تجويز لكذبه ، فإنهم مع ما خسروه في الدنيا بسبب اتباعهم له ، هم أيضاً خاسرون في الآخرة ؛ لأن النبي ﷺ حكم على كل من لم( يتيقن نبوته ) بالنار !
– من أدلة صدقه ﷺ اشتراط يقينهم بنبوته : 
بل عدم رضائه إلا باليقين دليل على أنه يأوي إلى ركن شديدٍ من الأدلة والبراهين ، فهو لا يكفيه أن يتبعه الشخص ويمتثل أمره ، بل يوجب عليهم اليقين ثم الاتباع والامتثال ، وهذا من أعظم الأدلة على صدقه وعدم طلبه من تلك الدعوى أموراً دنيوية ؛ إذ الأمور الدنيوية تتحقق بمجرد الاتباع والكثرة ، واليقين قدر زائد عليها .



رابط المقال الأصلي: إما مخالفة واقع الناس أو الإيمان بصدق النبي ﷺ !